العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط (5)

العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط

من خلال كتاب " العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية"

لعلي بن الحسن الخزرجي

(الجزء الخامس)

1 - الأحلام ودنو الأجل:

واعتقد الناس بالرؤى التي فهموا منها أنها تخبرهم بدنو الأجل، ومن ذلك رؤيا لفقيه قال إنه رأى سقف بيته ينكشف حتى رأى السماء ثم نُودي منها باسمه واسم أبيه وطلب منه القدوم بترحاب، وكان الفقيه مريضا فعلم أن أجله قد دنا، ثم توفي بعد ذلك، وهي رؤيا تقع في سياق المعقول، فالرجل مريض وانتظار الموت حاصل، ولم تكن الرؤيا أكثر من تعبير عن الانشغال بالفكرة كما هو معتاد في حياة الناس جميعا، ومثل ذلك ما نسب للفقيه عبد الله بن محمد المكرم (ت:695هـ) وتمكنه من تحديد يوم وفاته بالضبط بناء على رؤيا حدّث بها زوارا له، وقال إنه بقي له خمسة أيام وسيموت، ثم سأل كيف عرف ذلك فأخبر أنه: "رأى الحق في غفوة نهار الأمس فَهَمَّ أن يتعلق به فقال له بعد ست، وفهِّمَ أنها ستة أيام وقد مضى يوم وبقيت خمسا، فكان الأمر كما قال"[1].

وهناك رواية أخرى على هذه الشاكلة تكشف مزيدا من أفهام الناس حول رؤاهم وعلاقتها بالإخبار بالأجل، من ذلك ما رواه الخزرجي نقلا عن الجندي وأن أحد الفقهاء أسَرَّ إليه بأنه رأى الرسولe يقبِّل ما بين عينيه، وأنه بعد هذه الرؤيا لا يظن أنه سيعيش، وآية ذلك أن فقيها آخر هو ابن نُباته حصلت له الرؤيا نفسها ورأى النبي يقبِّل ما بين عينيه فلم يعش بعدها إلا اثني عشر يوما، فكان ما توقع الرجل ومات بعد عشرين يوما، ولم تكن الرؤى المخبرات بالموت مما يختص به الشخص نفسه، بل هناك رؤى تحصل عند شخص يراها إخبارا بموت شخص آخر، روي هذا عن فقيه حضرمي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ليلة موت الفقيه جمال الدين أبي العباس أحمد بن علي العامري، أما تفاصيل الرؤيا فهي أن صاحب الرؤيا رأى في منامه فقهاء يعرفهم بأسمائهم ومعهم جماعة لا يعرفهم، فلما سأل عنهم أجيب بأن هذا "رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر "، وأنهم جاؤوا في طلب الفقيه جمال الدين، فاستيقظ الرائي من نومه وإذا به يعلم بموت الفقيه جمال الدين[2]. وشبيه بهذا ما روي عن الفقيه أبي بكر الحميري (ت:646هـ)، وكيف فسر رؤيا لأحد أصحابه رأى فيها حماما يطوف فوق رأس الفقيه وبينها طائر مميز غاب عنهن بعدئذ، فقال الفقيه " أنا الطائر والحمام أصحابي، استعدوا للموت.. فتوفي بعد أيام قلائل[3].

والخلاصة أن الأحلام والرؤى شكلت حيزا معتبرا من الذهنيات العامة ومنحها الناس سلطة معرفية واسعة، وقامت بوظائف اجتماعية في حياتهم.

2 - الكرامات الخارقة والتبرك بالناس والقبور:

الكرامة، كما يتم تداولها في كتب التراث، وصف لفعل أو واقعة غير منضبطة بمنطق عقلي، أو هي خرق لمألوف الناس وعوائدهم، تشيع بين العامة مُصَدَّقَةً ومدهشة، وهي أيضا تصورٌ مُسقط على إمكانيات الفعل الخارق المؤسَّس على التدين والتقوى، ولذلك ارتبطت بفقهاء أو علماء دين يرفعهم الناس في حياتهم أو بعد موتهم إلى مرتبة الأولياء، وقد يسهم الفقهاء في إشاعة أخبار عن كرامات خاصة بهم لتأدية وظيفة اجتماعية، هي غالبا إخضاع أنفس بسطاء المؤمنين لسلطة الفقيه للانتفاع بذلك الخضوع بأشكال شتى، ويمتلأ التراث الإسلامي بكرامات متنوعة[4]. فما هو نصيب القرن السابع في اليمن من هذه الكرامات كما تظهر في كتاب العقود قيد القراءة؟ سنحاول فيما يلي استعراض نماذج منها، لنرى أن تداولها لم يكن شأن العامة كما قد يظن بل تعاطاها الفقهاء وأهل الصلاح خاصة.

3 - معرفة ما في الضمائر:

ومن الأمور التي عدها الناس كرامات معرفة ما في الضمائر، وردت هذه الكرامة في سياق زيارة قام بها الفقيه ناجي المرادي، (ت:629هـ) لأحد أصحابه (الشيخ عمران المسن، صاحب ذُبْحان) فخرجت معه جماعة فأمَّروه عليهم ووضعوا زادهم ودراهمهم مع أحدهم فلقيهم فقير سألهم شيئا: "فقال الفقيه للذي يحمل زادهم أعطه درهما فأعطاه"، ولم يرض بعضهم بهذا لكنه كتم ما في نفسه، فصورت الرواية أن الفقيه اطلع على ضمائر القوم، وأن فقيرا جاءهم وقت صلاة العصر فصافحهم ودس في يد الفقيه عشرة دراهم: " فالتفت الفقيه إلى أصحابه وقال هذه حسنتكم قد عجلت لكم لما تغيرت نياتكم"، فاندهشوا لاطلاع الفقيه على نياتهم واستغفروا الله عن ذلك.[5]

4 - نور الوجوه ورائحة القبور:

وشبيه بهذا رواية عن الفقيه أبي بكر الحميري السابق الذكر وأنه كان زاهدا لا يأكل إلا من حقله الخاص ولا يُلبِس نساءه إلا ما نسج من قطنه تحرجا عن استخدام قطن آخر ربما غصبه الملوك عن أهله، وقد ذهبوا في تبجيل زهده إلى حد القول إنه كان ينير المسجد إذا دخله: "حتى إن الذي يطالع في الكتاب يجد النور على كتابه فيرفع رأسه ليرى سبب ذلك فما يرى إلا الفقيه"[6]. وشبيه بهذا أيضا ما روي عن قبر الفقيه الصالح أبي الحسن الأصابي الذي أمضى حياته في التدريس وعندما مات حمل على أعناق الرجال ودفن بجوار المدرسة، ثم طَوّح الخيال الشعبي الموقِّر لسير العابدين والزاهدين فذكروا أن الزائر يجد عند قبره: "رائحة المسك خصوصا ليلة الجمعة".[7]

5 - الانتقال الخاطف بين الأمكنة:

ومن الكرامات ما ارتبط بتصوير القدرة الخارقة لبعض البشر في الانتقال بين الأمكنة البعيدة بسرعات خرافية، وخاصة لتأدية فريضة من فرائض العبادة كالحج أو الصلاة، ورد ذلك في رواية متصلة بالفقيه سعيد بن منصور الذي تصفه الرواية أنه: " كان في نهاية من الزهد والورع والعبادة مع الاشتغال بالقراءة"، ونسبت للرجل كرامات كثيرة، منها أنه رُؤي في الحج وكان الذي رآه رجل من الصالحين أيضا، فلما عاد الرجل الصالح إلى اليمن زار الفقيه، وكان ذلك بُعيد عيد عرفة، وكان في جمع من الناس فذاكره عن الحج قائلا: "يا سيدي رأيت ما أحلى الحج هذه السنة؟"، فرمقه الفقيه بنظرة مؤداها أن اسكت فإن القوم لا يعلمون أني كنت في الحج، وأنهم لو علموا لتساءلوا كيف يحج وقد كان بينهم، ففهم المخاطِب الأمر وصمت، ولما انفض المجلس سأل الرجل الصالح الفقيه: "سألتك بالله يا سيدي إلا ما أخبرتني فيه كيف تفعلون هل هو طيران أم خطو أم ما ذلك؟، فقال الفقيه هو شيء لا يستطيع تكييفه وإنما هو قدرة من قدرة الله تعالى يختص برحمته من عباده وبالله التوفيق"[8]. هنا نرى الفقيه -حسب الرواية- لا ينكر هذا الانتقال الفجائي بل يؤكده ويراه خصيصة له اختصه الله بها، وهو بيت القصيد، فالذي تدور حوله روايات من هذا القبيل شخص مبارك، يلقى شهرة ويبدأ العامة الاعتقاد به وبكراماته وبأعاجيب أفعاله، كما تبدأ النذور والهدايا في الوفود إليه، وهكذا يغدو حملة العلم بوابات واسعة للخرافات العامة طالما كانت الخرافات بوابات رزق واسعة أيضا.

إن فكرة الخطو عبر الأمكنة البعيدة أو الطيران الخاطف للأشخاص من الأفكار المُرَسَّخة في المجتمعات الإسلامية قاطبة ولعل في الناس إلى يومنا من لم يتحرر بعد من تراكمات القرون التي شكلت ذهنية مستعدة لتَقْبَلَ ألوانا من الأخبار الخارقة وتخضع لها في الوقت نفسه، وفي هذا من التسفيه للعقل الإسلامي ما يجرح عقلانية الإيمان والدين بما لا يحتمل.

فكرة الخطو والطيران عبر الأمكنة بالذات مما يستعصي على أي عقل قبوله، ولذلك كانت إحدى معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم حين أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لكنها كانت معجزة لتأييد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولها ذكر صريح في كتاب الله عز وجل، ومع ذلك فلم تُصدَّق بسهولة، وافتتن ناس كثير عن دينهم بعدها، أما أن تتحول هذه المعجزة إلى سابقة يدّعي مثلها بعض البشر لنفسه لإخضاع أفئدة العامة وقلوبهم له فهو مكر وخرافة.

6 - التبرك بالناس والأشياء:

ويعد التبرك بالناس والأشياء من نتائج ثقافة الكرامات التي رُسّخت بين الناس لتدل على انتشار الجهالة بين القوم، عوامُهم وخواصُهم. فقد تبرك الناس بمن رأوه صالحا ورعا عالما، ومنهم الفقيه الصالح يعقوب التربي (ت:681هـ) الذي وصف بأنه كان على طريق الورع الكامل: "يزار للتبرك وينتفع به". ومن بين الذين زاروه للتبرك به الملك الرسولي المظفر، وعندما يكون رأس القوم ساع إلى بعض الصالحين للتبرك بهم فلا تثريب على العامة إن قلدوا كبراءهم، وكان على دين ملوكهم، ومن ذلك ما وقع لقاض زار أسرة تاجر متوفّى، ففرح به الأولاد وأدخلوه البيت للتبرك به، ثم علموا أنه جاء ليكشف لهم عن وديعة كان أبوهم التاجر، دون علمهم، قد أودعها عنده أمانة واثقا من حفظها بسبب ورع القاضي، فلما كَبُر الأولاد ورشدوا زارهم القاضي لأداء الأمانة لكنهم أدخلوه أولا بقصد التبرك به[9]. وشبيه بهذا ما روي عن محمد بن عبد الله الحضرمي فقيه زبيد ومفتيها وأنه أيام تحصيله العِلم كان على حال متبلبل، وتشتبه عليه المسائل، فلما تتلمذ على يد الفقيه علي بن إبراهيم انقلب حاله وفهم كُنْه المسائل من أول يوم، فقد عرضها جميعا على خاطره وزال إشكالُها وتبين له خطؤها وصوابها، وأن كل ذلك إنما كان ببركة الفقيه علي بن إبراهيم، والشاهد هنا أن يحصل له الوضوح في المسائل من أول يوم، وهو سر البركة وإلا لقلنا إن الأستاذ بارع في عرض المسائل وشرحها وجلاء غموضها.[10]

ولا يقتصر الأمر على الأحياء بل جعلوا للموتى كرامات أيضا، والغريب أن تتصل الرواية بفقيه من الهاشميين هو يحيى بن محمد السراجي، وكان على المذهب الزيدي، المعتمد فكر المعتزلة الذي لا يقر كرامات لا للأحياء ولا للموتى، وكان ابن عُجيل (الآتي ذكره)، وهو من رؤوس الشافعية البارزين في وقته، كان من أساتذته المشهورين، فتعلم على يديه في تهامة قبل أن يدّعي الإمامة، ثم عوقب من قبل الأمير الرسولي في صنعاء بالتّكْحيل، أي بإفقاده بصره، ومع ذلك استمر يعلم في أحد مساجد صنعاء وتأتيه النذور حتى تُوفي وقُبر في مسجد الأجذم، وذكر الخزرجي: "أن قبره من أجلّ المزارات الصنعانية يتبرك بالدعاء عنده وتستنجح عنده الحوائج فتقضى"، وزاد بعضهم فذكر أن رائحة المسك تفوح من قبره ليلتا الاثنين والجمعة.[11]

7 - فقيه نافر من الكرامات:

ومن بين جميع الروايات المتصلة بالفقهاء وأهل العلم هناك رواية يتيمة لفقيه كبير القدر وعالم جليل هو الفقيه أبو العباس أحمد بن موسى الشهير بابن عُجيل، وهو من أبرز علماء اليمن لهذه الفترة (ت: 690هـ)، وحاز على أوصاف فخمة تكريمية، فهو "قطب اليمن وعلامة الشام واليمن"، وهو "إمام من أئمة المسلمين"، وقد تقدم على معاصريه بدقة نظره في الفقه وبإيضاح غوامضه، وكان إماما في الفقه والأصول والنحو واللغة والحديث والفرائض وأنه "أحسن من ضبط الفنون وقرت بمذاكرته العيون". وله شروح وحواش عديدة، "وكانت الملوك تصله وتزوره وتعظم قدره وتقبل شفاعته ويريدون مسامحته بما يجب عليه من الخراج السلطاني فلا يقبل ذلك ويقول أحب أن أكون من جملة الرعية الدَّفَّاعة"[12].

وتفيد الرواية أن هذا الفقيه كان له موقف ناقد من الكرامات والتبرك بالأشخاص، ويفرق بين كرامات يراها لائقةً بالأولياء وأخرى يراها نقصًا في الدين، إذا اتصلت ببعض من كان لا يرى فيهم أهْلِيةً لما يدّعوه من كرامات، وهذه الرواية تعد كُوَّةً صغيرة نطل منها على الموقف مما كان يشاع من كرامات، وأنها كانت مدخلا غير لائق لوجاهة اجتماعية يتم توظيفها للحصول على هبات ونذور من العوام، العوام الذين يتقربون بتلك النذور والهبات من صاحب الكرامات التماسا للحماية عنده من أي مكروه.

ولأن الفقيه ابن عجيل قد وصف بأنه "قطب اليمن وعلامة الشام واليمن"، وأنه "تاج العلماء وختام أهل الحقائق"، وأنه كان "ورعا زاهدا غواصا على دقائق الفقه موضحا لغوامضه"، فقد أكبره الناس وفق ما درجوا عليه من طرق إكبار وتبجيل تنتهي بهم إلى الاستسلام والخضوع ورجاء العون، ولذلك تعلق الناس بابن عجيل للتبرك والحماية، رغم أن الرجل لم يدَّع كرامةً ولم يقبل بما يلقاه من تبجيل ولا رضي بتعلق الناس به، بل رأى في كل ذلك جهلا أكيدا، أما الناس من حوله فقد لاموه على عدم إظهار كراماته، فأجابهم بأن بعض الكرامات نقص، وهو يريد أن يلقى الله بإناء ملآن. لقد كان مثالا للعالم الورع في وسط مشبع بذهنيات خرافية، ومن أمثلة ورعه رفضه أن يُعفى مما عليه من واجبات شرعية تجاه الدولة تقديرا لمكانه، وأحب أن يكون، كما نقل عنه: "من جُملة الرعية الدَفَّاعة". وأوضح مثال على علم هذا الرجل الصحيح البعيد عن الخرافات موقفه من تبجيل الناس له وهو في مكة، فقد كان متى ما دخل مكة تكالب الناس للسلام عليه وتقبيل يده واشتغلوا بذلك عن أي شيء آخر، فإذا ذهب إلى المدينة تكالب عليه الناس أيضا للسلام والتبرك به وهو يدفعهم عنه بالقول: "اتقوا الله هذا نبيكم وهؤلاء صحابته وإنما أنا رجل منكم فلا يزداد الناس إلا إقبالا عليه". لكن الخيال الشعبي لم يقبل منه هذه المواقف الإيمانية العقلانية، بل صوّر أن نوره كان يطغى على نور الكعبة وهو ما يدفع الناس للتعلق به أكثر[13].

كل هذه المشاهد تنهض أدلة على ما تم تشكيله من ذهنيات خرافية باسم الدين، حتى إذا برز عالم صحيح العقل نافر من الخرافة، عجز عن مقاومة الذهنيات الخرافية، فلينظر العاقل إلى ما صنع المسلمون بدينهم، والله المستعان على الجهل والخرافة في أمته.

وأغرب الكرامات، بل أكثرها خرافية ما رُوي عن الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي، وهو من أكابر العلماء، تفقه على يديه خلق كثير وبرز منهم فقهاء وعلماء، وولي قضاء الأقضية وأخباره منتشرة في غير مصدر، وهذه الكرامات التي نستعرضها هنا متصلة به مما لم يروه الخزرجي بل اليافعي في مرآة الجنان، لكنها من خرافات القرن السابع قيد العرض، روى اليافعي أن سِدرة نادت الفقيه إسماعيل الحضرمي والتمست منه أن يأكل هو وأصحابه من ثمرها، وأنه شفع في قوم سمعهم يعذبون في المقابر، وأن الكعبة شوهدت في الليل تطوف بسريره في حال يقظة المشاهد، وأنه أمر الشمس بالوقوف فوقفت حتى بلغ داره، وكان ذلك في آخر النهار[14]. أي أنه أوقف الشمس ليستضيء بنورها حتى بلغ داره فغربت، ويضيف اليافعي أن هذه الكرامة مما شاع في بلاد اليمن وكثر فيه الانتشار، ولعل أصلها مجرد شائعة أنتجها الخيال الشعبي، فشاعت بوصفها كرامة، لذلك نعجب من هذه الذهنيات الخرافية التي تم صياغتها في عقول المسلمين باسم الدين، وهو الذي يشيد بالألباب والعقول، ويدعو للتفكر والتأمل بمنطق علمي خالص.

8 - الأصوات الغريبة وتغيير المصائر:

وكان للتهيؤات والأصوات الغريبة حضور آمر في الخيال الشعبي، ومنها ما رُوي عن سبب تفقه وصلاح الشيخ الصالح أبي الغيث ابن جميل (ت:651هـ) الذي حاز لقب "شمس الشموس"، وكان في الأصل قاطع طريق، ثم اعتلى ذات يوم شجرة يرقب المسافرين لينقض عليهم، ثم روي أنه سمع صوتا يقول: "يا صاحب العين عليك العين"، فرأى في هذا الصوت أمرا بالتوبة، فكان ذلك الصوت البداية التي حولت حياته وجعلته شيخا صالحا مقبول الإشارة مسموع القول[15].

ولم يكن في وسع كتّاب ذلك العصر ومنهم الخزرجي أن يُحللوا نفسيا ما كان ربما يدور في ضمير هذا اللص وأنه ربما أرهقته أفعاله القبيحة، وكان يبحث عن خلاص من ذلك ليعود إلى طريق الخير. ثم إن هذا الاستعداد لسماع أصوات واستلهام معان منها، بل ومنحها سلطة آمرة واجبة النفاذ، هو ما يهمنا في تصوير الذهنيات العامة لهذه الفترة.

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)

(الجزء السادس)

(الجزء السابع)


[1] الخزرجي، ج1، ص 257.

[2] الخزرجي، ج1، ص 357.

[3] الخزرجي، ج1، ص 78-79.

[4] بدران، محمد أبو الفضل: أدبيات الكرامة الصوفية، دراسة في الشكل والمضمون، العين، مركز زايد للتراث والتاريخ. 2001، ص 89 وما بعدها.

[5] الخزرجي، ج1، ص 57.

[6] الخزرجي ج1، ص78.

[7] الخزرجي، ج1، ص 120.

[8] الخزرجي، ج1، ص 127.

[9] الخزرجي، ج1، ص 200.

[10] الخزرجي، ج1، ص 340.

[11] الخزرجي، ج1، ص 258.

[12] الخزرجي، ج1، ص 218. ويبدو أن الإعفاء الضريبي كان من وسائل الشكر أو وسائل التقرب إلى العلماء، فإن كان الفقيه ابن عجيل رفض هذا الإعفاء كي لا يبقى في عنقه فضل للسلطان مخافة المداهنة في الدين، أو رغبة في أن يكون كباقي الناس، نجد الخزرجي مؤلف العقود يقبل هذا الإعفاء الضريبي ويكيل للسلطان شكرا عريضا على أن سامحه في خراج الأرض والنخل " مسامحة مستمرة مؤبدة مستقرة"، بعد أن عاد من رحلة حج كلفه بها السلطان الملك الأشرف إسماعيل ليحج عن أمه. ثم لا يجد غضاضة في ذكر ذلك في كتابه عن نفسه. انظر، الخزرجي، ج2، مطبعة الهلال، مصر، 1911م. ص 175.

[13] الخزرجي، ج1، ص 219-220.

[14] اليافعي، عبد الله بن أسعد: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، ج4، حيدر آباد الدكن، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، 1339هـ. ص 178

[15] الخزرجي، ج1، ص 102- 103.

التعليقات (0)