العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط (6)

العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط

من خلال كتاب " العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية"

لعلي بن الحسن الخزرجي

(الجزء السادس)

1 - المسحة على الصدر والبصاق في الفم:

واعتقد الناس بسحر المسحة على الصدر وبفعل البصقة يبصقها الفقيه في فم غيره فتحدث ما تحدث من بركات وخوارق، ورد ذلك في خبر الفقيه الصالح المشهور أبي الخطاب الهمداني (ت:663هـ)، حين كان ما يزال يأخذ العلم عن غيره، فذكر أنه حج ذات عام: "فمر في طريقه بالشيخ أبي الغيث ابن جميل فسلم عليه وسأله أن يمسح له على صدره ولما ودعه سأله أن يبصق في فيه فبصق له"[1]، ثم سافر مطمئنا إلى بصقة في صدره فيها الترياق الشافي والخير العميم.

وشبيه بهذا ما روى عن بصقة أخرى، لكنها ليست لفقيه فاضل أو شيخ صالح هذه المرة، بل لطائر أخضر وقف على كتف أحمد بن علوان الذي صار بعدئذ ذائع الصيت ولا يزال، وابن علوان هذا كان في أول أمره ولدا مُدللا أرعن كسائر أبناء الكتّاب كما يرد في الرواية، وكان أبوه كاتبا عند الملك الأيوبي المسعود ابن الملك الكامل فحرص على تعليمه القراءة والكتابة والنحو، ثم أراد الانتقال من قريته يُفْرُس إلى تعز، عاصمة الرسوليين بعد ذلك، طلبا لوظيفة هناك، وفي الطريق جاءه الطائر الأخضر فوقف على كتفه ومد منقاره إلى فمه وصب الطائر فيه شيئا ابتلعه أحمد بن علوان وعاد إلى قريته واعتزل الناس أربعين يوما، ثم خرج وجلس على صخرة يتعبد فتحوّلت الصخرة كفًا وسمع صوتا يقول له: صافح الكف، فيسأل كف مَن هذه فيجيب الكف بأنها كَفُّ أبي بكر الصديق، فيصافحه ويقول له أبو بكر: " قد نصبتك شيخا".

بعد هذا الحدث تتغير أحوال ابن علوان ويصير شيخا صوفيا عارفا بالله مشهورا ومحبوبا من الناس واسع الجاه بينهم، وله كتب في الصوفية والوعظ ولقب: "بجوزي اليمن"، وله أيضا أشعار سياسية يحث فيها السلطان الرسولي الأول نور الدين عُمَر بن علي بن رسول على العدل وحسن السيرة، وقد أشار إلى ذلك الخزرجي وأثبت بعض أبيات بهذا المعنى ووصفه بأنه كان: "آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ولا يخاف في الله لومة لائم"، ونسبت إليه كرامات كثيرة تكشف مزيدا من واقع ذهنيات القوم لتلك الفترة في اليمن، ومنها أنه كان يتكلم بلغات كثيرة، وقيل في تفسير ذلك إن روحه كانت: "مهبطا لأولياء الله ولهم لغات كثيرة يتكلمون بها على لسان الشيخ فينطق بها" كما يقولون[2].

ولا يزال ذكر ابن علوان مِلئ الأسماع في معظم أنحاء اليمن، وبعض العامة يحلف باسمه وتقدم له النذور، وقبره مشهور مزار إلى اليوم، ويقع في يفرس جنوب تعز، وقد اهتم به المعاصرون وحققوا له بعض الكتب وأخذت المسحة الخرافية تنقشع عن شخصه لصالح تصور واقعي عقلاني يظهر فيه ابن علوان عالمًا صوفيًّا جليل القدر له نظر وتأليف في توحيد الله وأسرار الملكوت، وله مواقف سياسية من حكام عصره وأدائهم السياسي.[3]

2 - الخرافات الزاجرة:

وهناك روايات لها صلة بزجر الناس عن الحرام وأخذ ما لا حق لهم فيه، فقد روي عن الفقيه أبي عبد الله الحسين بن علي بن عمر (ت: 680هـ) أنه باع شيئا من الحبوب التي كان يأخذها أجرا لتدريسه في إحدى المدارس، ثم ربط الدراهم التي باع بها الحبوب في طرف ثوبه، فلما احتاج الرجل لشراء شيء فتح الربطة فوجد بدل الدراهم عقارب، فنفضها عن ثوبه وحرّم على نفسه بعد ذلك أخذ طعام المدرسة[4]، وهي رواية خرافية كما نرى، إلا أنها تكشف مستويات التفكير لذلك الوقت وعلاقته بمعاني الحلال والحرام والتعجيل بالعقاب في حال حدّث الإنسان نفسه أن يأخذ شيئا من مال غيره، رغم أن الفقيه في هذه الرواية لم يرتكب إثما، بل تصرف بحقه وحوَّل الحبوب إلى دراهم، فوجد العقاب سريعا، وفق الرواية، وهو ما يكشف سمة مؤثرة من سمات الثقافة السائدة ترى في التطلع إلى الحصول على الدراهم تعبيرا عن الرغبة في الإقبال على الدنيا، وهو أمر ممقوت كما صورته الصوفية وكتب الزهد، ولا يزال لهذه السمة الثقافية حضورا على مستوى الفكر إلى الآن، وإن تحرر الواقع كثيرا من أسر الذهنيات الخرافية المرتبطة بذلك.

3 - العلاقة بالجن:

ومن مكونات الذهنية الخرافية، الاعتقاد بحضور عجيب للجن في حياة الإنس، ونحن هنا لا نود الدخول في جدل حول وجود الجن من عدمه، فالجن مذكورون في القرآن وهذا يكفي، لكن الجدل متشعب وطويل حول طبيعة وجودهم وعلاقتهم بعالم الإنس. وينقسم المنشغلون بهذا الأمر إلى مؤيد[5] لوجود الجن وفق التصورات الشعبية السائدة، ولوجود علاقات متداخلة للجن مع الإنس وهو بهذا يؤسس لمصداقية ما يروى من أخبار حول تلك العلاقة، وهناك النافي لوجود الجن على النحو الشائع شعبيا، والمفرق بوضوح بين الإيمان بوجود الجن وفق مفهوم آخر لهذا الوجود، وبين المفهوم الخرافي الشائع بين الناس، ويؤسس للحكم على ما يروى من أخبار بالخرافة والبَلَه العقلي[6]. وبما أنه لا وجود لأي دليل علمي حقيقي لا قديم ولا معاصر يدعم الروايات المتعلقة بصلات الجن بالإنس، وأن ما يقدم من شروح إنما هي تأويلات قابلة للنقض، فإنه لابد من التعامل مع الروايات ذات الصلة باعتبارها معتقدات خرافية وجزءًا من ذهنية عامة تختزن الخرافة بوصفها واقعا تتصوره وتتعايش معه وفيه، وهو ما يهمنا في استعراض محتويات الذهنية العامة لهذه الفترة.

أ. محكمة الجن:

من ذلك ما أورده الخزرجي متصلا بالفقيه الإمام العلامة أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي (ت: 703هـ)، صاحب كتاب "المعين"، و"غرائب الشرحين وأسرار المهذب"، ومن انتهت إليه رياسة العلم في زمنه، وغدا حجة على أهل زمانه، وتتصل به كرامات ومكاشفات كثيرة لم تذكر في الكتاب، وقد روى الخزرجي ما وقع له مع قوم من الجن، كما قال، وأنه خرج مرة لتفقد أرض له فوجد الحارث هناك يحرث بالثيران، فسأله إن كان لديه ماء للشرب، فأشار الحارث إلى ناحية من الحقل فذهب الفقيه إلى هناك ووجد عند الماء ثعبانا ضخما فقتله، ثم لم يلبث أن وجد نفسه في: "أرض لا يعرفها بين أقوام لا يعرفهم لهم خلق غريب وفيهم من يقول للفقيه قتلت أخي وبعضهم يقول قتلت أبي وبعضهم يقول قتلت ابني"، وهذا معناه أن الجن خطفته إلى ديارها بعد قتله الثعبان، ولم ينقذه من فزعه العظيم إلا شخص (لم يُعَرَّف) دَنَا منه وهمس في أذنه أن يقول: "أنا بالله وبالشرع"، فقال الفقيه وكرر، ثم تغير المشهد ووقف الجميع أمام محكمة للجن، يرأسها شيخ منهم على هيئة الرخمة البيضاء[7] وقد قعد على منصة مرتفعا عن الجميع لسماع الدعوى والإجابة. وبدأت المحاكمة فادعى جماعة من الجن أن الفقيه الأصبحي قتل أخاهم أو أباهم، ولم يتركه الشخص الغريب الذي دنا منه أولا، فدنا ثانية وهمس في أذنيه أن يقول: "أنا ما قتلت إلا ثعبانا". ثم أصدر قاضيهم حكما ببراءة الأصبحي مستندا إلى حديث سمعه عن النبي محمد بأذنيه وفيه: "من تشبه بالهوام فلا قود عليه ولا دية"[8].

وبعد هذا الحكم من قاض وصحابي من أهل الجن، يجد الفقيه نفسه ثانية حيث كان في الحقل، وحيث قتل الثعبان، ثم يبدي الحارث استغرابه من غيبته الفجائية ثم من حضوره ثانية فجأة، فلا يجيب الأصبحي.

تظهر هذه الرواية طبيعة الاعتقاد حول العلاقة بالجن وقدرتهم على تغييب الأشخاص فجأة وإحضارهم مرة أخرى فجأة، كما حدث للفقيه الأصبحي، لكن الرواية تفيد أيضا إمكانية الخلاص من الجن، خلاصا لا يتأتى إلا بالعلم الشرعي والتفقه والزهد، وهكذا تكون هذه الرواية شهادة لورع الأصبحي وتقواه، ولذلك قُيِّض له شخص في ساعة فزعه تلك ليخلصه مما هو فيه.

ويجدر أن نلفت الانتباه إلى أن الرواية لا تنقل عن الفقيه الأصبحي مباشرة، بل بالسماع المتواتر (وقيل)، لكن كتّاب العصر كما نرى لم يستنكفوا تدوينها دلالة على يقينهم بحدوثها أو إمكانية حدوثها على الأقل، لأنها من مألوفات ذهنية عصرهم. ولنا أن نتصور طبيعة الذهنية العامة من خلال تداول حكايات مع الجن كهذه، لتأكيد وجود علاقة بين الإنس والجن على هذا النحو وللإخبار بطرق الخلاص ومنها القول: " أنا بالله وبالشرع" كما أخبر منقذ الأصبحي المجهول في بلاد الجن.

- تتلمذ فقهاء الجن على فقهاء الإنس:

ويبدو أن الخيال الشعبي قد جعل تقمص الجن للثعبان هو الشائع، فهذه رواية أخرى يوردها الخزرجي نقلا عن الجندي بشأن الفقيه الحسن ابن القاضي الحميري (ت: 667هـ)، وأنه كان شديد الاجتهاد في طلب العلم ويرتحل لأجله، ومن بين رحلاته واحدة قام بها إلى جهات الفقيه ابن الهرمل ليسمع منه رواية حول شروح كتاب "التنبيه" وصفت بأنها قريبة السند إلى رسول الله e. فلما وصل إليه أخذ كل يتعلم من الآخر، الحسن الحميري يتعلم من ابن الهرمل شروح التنبيه، وابن الهرمل يسمع من الحسن الحميري " كتاب البيان"، ثم روي أن الفقيه الحميري وهو في موقع التدريس كان يرفع رأسه بين الفينة والأخرى إلى السقف فيرى ثعبانا مخرجا رأسه في هيئة المصغي إلى أن ينتهي الدرس ثم يختفي، ثم أخبر مضيفه بما شاهد، فقال له الفقيه ابن الهرمل بهدوء وبساطة: " هذا رجل من فقهاء الجن قرأ عليَّ التنبيه والمهذب وهو الذي سألني أن أسألك إسماعنا البيان"[9]. ولم تفصل الرواية بأي لغة قدم فقيه الجن طلبه، ولا سأل أحد كيف لم ينتقل فقيه الجن هذا إلى مجلس الفقيه الحميري ويسمع منه هناك، طالما والفكرة المرتبطة بالجن مقدرتهم على التشكل والحركة بلمح البصر.

هذا يعني أننا أمام ذهنيات تتلقى فقط وتخاف أن تلقي الأسئلة كي لا يصيبها مس، وهو ما يكشف بعدا آخر من أبعاد تشكيل الذهنيات الخرافية المؤسس على التخويف من السؤال، لأن السؤال كان ولا يزال مفتاح العلم: " فالعلم خزائن ومفاتيحها السؤال" كما جاء في الحديث[10].

- جيش من الجن يفك حصار السلطان الرسولي:

 ومن الجن ما كان أصله بشريا فصيرته التربية جنيا، يرد هذا في رواية متصلة بالسلطان الرسولي (المجاهد) الذي اتصف عصره بالنزاعات الداخلية بين الطامحين إلى الحكم، فحدث أن حوصر في حصن تعز وأخذت آلات المنجنيق تقذف بحجارتها الحصن ومن فيه، ونسبت الرواية لجارية كانت في الحصن أيام الحصار، فروت كيف أن الملك المجاهد كان يغير أمكنة إقامته ليلا ونهارا تفاديا لحجارة المنجنيق، وأنه ذات ليلة جلس في موضع بعد أن فرغ من وضوئه وكانت أمه بجانبه وإذا بجدار من جدر الحصن ينشق ويخرج عنه غلام تام الخلقة له شعر مظفور إلى آخر ظهره (دبوقة)، ثم انكب ذلك الغلام على السلطان المجاهد فحمله من موضعه إلى موضع آخر، وسط دهشة الجميع وفزعهم مما يرون، ثم سقطت إثر ذلك مباشرة قذيفة منجنيق أصابت الموقع الذي كان الملك المجاهد قاعدا فيه. أدرك المجاهد أنه أنقذ من موت محقق، فالتفت إلى الرجل يسأله عن صفته، فأجاب الغلام المنقذ: " أنا والله أخوك حقيقة وأبي والله أبوك داود المؤيد وأمي الجارية فلانة ولكني أخذت من بطن أمي فربيت مع الجن حتى صرت كما ترى، ولما رأيت أن هذا الحجر قاتلك لا محالة حملتك عن ذلك الموضع محبة لك وشفقة عليك". وقد أكدت والدة الملك المجاهد رواية الغلام الجني وذكرت لابنها الملك أن جارية لأبيه كانت حاملا وتشرف على الوضع ثم أصبحت ذات يوم وقد مُسخ ولدها من بطنها وكأنها لم تكن حاملا ولم يظهر لحملها أثر بعد ذلك. ولم تقف قصة الغلام الجني عند هذا الحد، فقد أخبر أخاه الملك بأنه اتفق مع القائد العسكري للحصن على القتال ضد المحاصِرين في اليوم الفلاني، فلماء جاء ذلك اليوم وقع القتال بين الفريقين: " فأثروا فيهم أثرا ظاهرا على قلتهم وكثرة العدو، وما هو إلا بقتال قوم آخرين والله أعلم"[11].

وفي عبارة والله أعلم خاتمة للرواية من قبل الخزرجي، وهي نادرة، ما قد يفيد شك الخزرجي بقتال الجن مع الملك المجاهد أو ربما شكه في إمكان اكتساب البشر لصفات الجن، إذ كل مخلوق من طينة غير الأخرى حسب المعرفة المتواترة، والغلام، وإن تربى مع الجن، يبقى بشريا في قدراته، لكن إطلاق مثل هذه التساؤلات، كما ذكرنا، ربما أخافت مُطلقيها، ولذلك لم تكن واردة وإلا لما رويت كل تلك الأخبار الخرافية على أنها وقائع حية.

وهذه الرواية بالذات وقد اتصلت بنزاع سياسي تسمح بتفسيرها في إطار الحرب النفسية كما يقال اليوم، فإشاعة أخبار عن موقف الجن من النزاع السياسي بين المجاهد وخصومه، بل عن وجود حِلف بفضل أخ له بشري في دنيا الجان، ما يعزز حصول هذا الحلف، ومن ثم فإن إشاعة مثل هذا الخبر لاشك يبلغ أثره عند قوم بذهنيات مستعدة لتقبل هذه الأخبار بجدية عميقة، وأن القتال في اليوم الموعود لا شك جاء وقد سرت هذه الشائعة وفتَّت في عضد المحاصِرين وعزائمهم، وهي من الحيل السياسية التي استخدمت لإضعاف قوى الخصم وإخضاعه بجبروت قوى خارقة في خدمة الحاكم إلى وقت قريب، أي إلى ما قبل ستينيات القرن المنصرم، كان يطلق على الإمام أحمد ملك اليمن " أحمد يا جِنّاه" ورويت عنه أخبار أنه يستخدم الجن لمعرفة خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ لضمان ولاء أتباعه ظاهرا وباطنا؛ ولإخافة خصومه كي لا تسول لهم أنفسهم التحدث بشرّ عنه، كما نشر حوله خرافة أن الرصاص لا يؤثر فيه، وعليه لا خير، والحال هذه، من الإقدام على أمر لا أمل في إمضائه بنجاح.

هذا معناه أن الحكام هم الأوفر حظا من واقعية عالية وهم الأدرى بما يشيعونه من أخبار لتشكيل الذهنية التابعة المستسلمة لهم. وعليه فقد استغل المجاهد الرسولي الثقافة الشعبية السائدة بنجاح لفك الحصار عن نفسه.

ثالثًا- خلاصه وتحليل:

والخلاصة أن القرن السابع الهجري في اليمن شهد حركة علمية أفرزت مجموعة كبيرة من العلماء والفقهاء والمتصوفة، وكانت الدولة الرسولية صاحبة فضل في هذه الحركة، بتشييدها المدارس وترتيب الوقف الضروري لاستمرارها وتقريب العلماء وتكريمهم، وقد استمر هذا الزخم العلمي حتى مطلع القرن العاشر الهجري. ورغم الاهتمام الواضح بالعلم الشرعي في هذا القرن إلا أن غالب مداره كان في استيعاب القضايا المطروقة والسائدة وفهمها وتدارس إشكالاتها وتأويل نصوصها وكتابة الشروح والحواشي حولها أو تقديم تآليف أيسر تناولا أو أشمل للقضايا الخلافية المثارة في الكتب المتداولة، ولم تذكر أية إضافات علمية حقيقية تجب ما قبلها وتؤسس لفكر شرعي جديد أو تؤصل لتطور فارق مختلف عما قبله. وقامت الشهرة على مقدرة الفقيه أو العالم استيعاب علوم الأوائل وجلاء غموضها أو الوقوف على دقيق معانيها، بل وعدم الخروج عن روايات (أفهام) من سبق من الشيوخ والرواة. وهناك شواهد على سيادة التقليد وهيمنته، فقد أورد اليافعي في "مرآة الجنان" نص إجازة (شهادة علمية)، عن الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي (ت:677هـ)، بخط يده، وهو من العلماء البارزين وله تآليف كثيرة في الفقه وغيره، وفيها يقر الفقيه إسماعيل أن الولد المحبوب إبراهيم بن محمد بن سعيد قرأ عليه: " التنبيه في الفقه بقراءته، وقراءة غيره، وقد أجزت له روايته بروايتي عن والدي رحمه الله بروايته عن الإمام العالم العابد محمد بن كُبَانة بروايته عن الإمام العالم يحيى بن عطية بروايته عن الإمام محمد بن عبدويه، عن المصنف، وقد أجزت له روايته عني، وأن يروى عني جميع ما يجوز لي روايته من كتب الحديث والتفسير والفقه"[12].

في هذه الإجازة تشديد على ضرورة الالتزام بفهم واحد أو برواية واحدة هي الرواية التي تواترت إلى الفقيه إسماعيل ويجيزها الآن لأحد تلامذته، كما فيها تأكيد لدوران العلم الشرعي حول استيعاب وفهم ما أُلف في القرون السابقة كما تواترت إليهم دون تبديل أو اجتهاد. وقد أنكر معاصرو الفقيه إسماعيل الحضرمي سالف الذكر اجتهاده في مسألة فقهية لم يجد لها نصًا في كتب الفقه المتداولة، ونابذوه طويلا، على جلالة قدره، ولم يرفع عنه اللوم إلا بعد وفاته حين وقف أحد أقربائه على نص للمسألة في الكتب المتداولة.[13] وباستثناء ما حصل من اجتهادات عند أئمة المذهب الزيدي وفقهائه في اليمن بحكم الأصل المعتزلي للمذهب والتشديد على مبدأ الاجتهاد وبحكم الاتصال الوثيق بين الزعامة المذهبية والسياسية، فإن الحراك العلمي الحاصل في العالم الإسلامي، على مثال ما جرى في اليمن في القرن السابع، إنما يعكس ركودا في العقلية الإسلامية تعكس هي الأخرى ركودا اجتماعيا مأتاه أن النص الشرعي أخذ يتداخل مع المجتمع الإسلامي في أول نشأته حتى تشابك الاثنان في القرون التالية ودخل كل في إهاب الآخر، ولم يصل القرن الرابع إلا وقد تحددت معالم المجتمع الإسلامي وفق النص الشرعي بشكل نهائي، فأخذ كل يعيد إنتاج الآخر في القرون التوالي في تحالف مكين. ولذلك لم يعن تضخم أعداد الكتب بشروحها وحواشيها ومختصراتها زيادة حقيقية في أصل المعرفة أو تطويرها، بل أكدت ركود النص والمجتمع، وكل كان عينا يقظة على الآخر، ولذلك تم الإنكار على كل محاولة تمردت على السياق المتوارث، بل ولا يزال هذا التحالف القائم بين النص والمجتمع بإطاره العام على الأقل قائما إلى اليوم، لولا أن النص الشرعي المتوارث يواجه تحديا حقيقيا في العصر الحديث بحكم التحولات المجتمعية العميقة التي قادت إلى تمردات مجتمعية لم تعد تسعها النصوص القديمة و تحتاج إلى مراجعة جذرية لإقامة أسس تحالف جديد بين النص والمجتمع.

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)

(الجزء الخامس)

(الجزء السابع)


[1] الخزرجي، ج1، ص 137.

[2] الخزرجي، ج1، ص 146.

[3] الخزرجي، ج1، ص 146.

[4] الخزرجي، ج1، مطبعة الهلال، مصر، 1911. ص 222.

[5] انظر مثلا: عبيدات، عبد الكريم نوفان: الجن وعلاقتهم بالإنس، دراسة في ضوء الكتاب والسنة، الأردن، عالم الكتب الحديث، 2004.

[6] إدلبي منير: أبناء آدم من الجن والشياطين، دمشق، دار الأهالي، 1993م. ص 12-13، والكتاب كله تفنيد للأخبار الخرافية ودحض لها عبر قراءة مميزة لآيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وهو في الخلاصة، وبعد استعراض مفصل لمعاني الجن والشيطان في المعاجم اللغوية، وبعد قراءات للأحاديث والآيات وفق ذلك، يرى أن الجن هم كل ما استتر عن العين من بشر وثعابين وميكروبات وغير ذلك، وهي موجودات مادية تسري عليها أحكام العقل المنطقي ولا صلة لها بالمحتوى الخرافي الشائع الذي يعطي الجن صفات غير بشرية ويمنحهم قدرات خارقة لا أصل لها إلا في الخيال الشعبي الذي ربي على قبول تلك الخرافات والخزعبلات.

[7] من بين المعاني الكثيرة التي أوردها لسان العرب تحت مادة "رخم"، والمتوافق مع سياق الجملة أعلاه، أن الرَّخَمَةُ طائر أبقع على شكل النسر خلقة إلا أنه مبقع بسواد وبياض يقال له الأنوق.. والرخم نوع من الطير واحدته رخمة وهو موصوف بالغدر والقذارة.

[8] الخزرجي، ج1، ص293- 294.

[9] الخزرجي، ج1، ص 154.

[10] الغزالي، أبو حامد: إحياء علوم الدين، ج1، ط3. بيروت، دار القلم، 1990م. ص 15.

[11] الخزرجي، ج1، ص 28.

[12] اليافعي، ج4، ص 178.

[13] أورد الحبشي هذه الرواية دون إشارة إلى مصدرها ليتسنى الرجوع إليه. انظر، الحبشي، عبد الله محمد: حياة الأدب اليمني في عصر بني رسول، ط2، منشورات وزارة الإعلام والثقافة، صنعاء، 1980م. ص 108.

التعليقات (0)