العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط (7)

العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط

من خلال كتاب "العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية"

لعلي بن الحسن الخزرجي

(الجزء السابع)

أما فيما يخص الذهنيات العامة فلابد من التنويه أولا إلى أن الخرافات والخوف من عالم الخفاء قاسم مشترك بين أمم الأرض جميعا، وكانت ولا تزال ثمرة جهل الإنسان بما يحيط به وخوفه مما يتصوره موجودا على نحو آخر وبقدرات خارقة.

لكن المؤسف أن تؤسس خرافات المسلمين على دين عقلاني النزعة، يطالب بالحجاج العقلي وبالتبصر والتدبر والتفكر والتعقل في الأمور كلها، بل إن الإيمان بالله لم يكن إلا خلاصة عقلية لحجاج منطقي متماسك، فكيف تسنى للمسلمين أن يحولوا علاقتهم بالكتاب والسنة إلى أرضية بُني عليها كل هذا الكم من الخرافات في طول العالم الإسلامي وعرضه؟ ولا ريب أن قدراً كبيراً من إجابة هذا السؤال يكمن في سيادة فهم مشوّه للآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة التي سردت معجزات الأنبياء وأتت على ذكر الجن والشياطين، لكن أحوالاً أخرى ساعدت في إشاعة هذا الفهم المشوه ومنها جهل السواد الأعظم من المسلمين بشؤون دينهم، وانشغال العلماء المتأخرين بصغائر الأمور وفروعها، ويعد الموقف من الفلسفة وإهمال العلوم البحتة أو العقلية بين أهم أسباب تواتر العقلية الخرافية، لأنها علوم تدرب العقل على سبك الحجج كما في الفلسفة، وتقوم على التجريب والمنطق كما في العلوم الطبيعية مع استمرار التصويب لمسارها، وهي بطبيعتها تلك تصوب العقل العام وتقوم منطقه وتطور أدوات بحثه، وهذا ما تم فهمه في هذا الزمان بعد كل هذا الهجر الطويل للعقل ودوره، ويرى الإمام الغزالي (ت:505هـ)، أن كثرة الانكباب على العلوم الشرعية والاهتمام بصغائرها عائد لما تحققه هذه العلوم من ربح ومكانة وسلطة للفقهاء، خاصة فقهاء ما بعد القرن الثالث والرابع الذين لم يضيفوا شيئا إلى البناء الفكري الضخم الذي شيده علماء القرون الأولى، بالإضافة إلى إهمال واضح للعلوم البحتة ومنها الطب.

يقول الغزالي: " فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة.. ثم لا نرى أحدا يشتغل به ويتهاترون على علم الفقه لاسيما الخلافيات والجدليات والبلد مشحون بالفقهاء" [1]. وقد قدم الغزالي تفسيرا لإهمال العلوم البحتة ومنها الطب، وهو: " أن الطب لا يتيسر به الوصول إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران والتسلط به على الأعداء"[2]. وهو قول خبير معاصر، مدرك لبواطن الأمور، كما أنه قول لم يبلَ رغم توالي القرون، ولا يزال يصلح تعليلا لما تلا الغزالي من أزمنة، ليشهد على ركود اجتماعي وعقلي في آن واحد، فإن كان هذا حال الطب مع الحاجة إليه اجتماعيا فكيف بباقي العلوم الأخرى من فلك ورياضيات وجغرافيا ونبات وغير ذلك من العلوم التي لا تتيسر للمرء بسهولة ولا مما يحتاج إليه الناس كافة، وعليه فإن عزوف الناس عن العلوم العقلية الأخرى إنما رسَّخ عقلية تقليدية مشوشة بخرافات متنوعة، وكشف طبيعة المشهد العلمي الجاهل بأهمية العلوم العقلية التي طورها العلماء المسلمون وبلغوا بها مرتبة عالية من التحقيق والتجريب والإضافات العلمية الرائدة، إلا أن من الواضح أنها لم تكن من العلوم الشعبية، بحكم موضوعاتها العلمية المجردة، ولذلك اقتصرت على القلة من العلماء والأسر العلمية، ولم تسهم إنجازاتهم في صقل عقلية منطقية عامة، بالإضافة إلى مساهمة العقل الإسلامي الشرعي في تجذير ثقافة شعبية تُهَوِّن من قيمة العلوم البحتة، وتمنح علوم الشرع مقاما أرفع من مقام العلوم البحتة.

فالغزالي مثلا، رغم شكواه السالفة، واصل الإسهام في الحط من شأن العلوم العقلية بوضعه علم الفقه وكافة العلوم الشرعية في مقام أعلى من مقام الطب، وبرر ذلك بمرافعة طويلة يمكن أن تعد تأصيلا شرعيا لأولوية العلوم الشرعية على حساب العلوم الأخرى التي - وإن عدها من العلوم المحمودة ومما يرتبط بها صلاح الدنيا - إلا أنها ليست في منزلة العلم الشرعي المحمود كله بحكم ضرورته لحياة المسلم الذي ينبغي أن يلتفت كلية إليه كي يعبر به الدنيا التافهة إلى دار الخلود[3].

ويروى عن الإمام محيي الدين النووي (ت:677هـ)، وهو إمام شافعي عالي الذكر، موقف مشابه من علم الطب؛ فقد كان في طور تعلمه الأول منفتح العقل ويقرأ كل يوم اثني عشر درسا في فنون مختلفة، وكان يستوعب كل ما يقرأه من شرح مُشكِل وإيضاح عبارة وضبط لغة، ورأى ذلك بركة إلهية وعونا، ثم خطر له الاشتغال بعلم الطب: " فاشتريت القانون، وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليّ قلبي، وبقيت أيامًا لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري من أين دخل عليّ الداخل؟ فألهمني الله أن الاشتغال بالطب سببه، فبعت في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي ورجع إليّ حالي، وعدت لما كنت عليه أولًا"[4]. عندما يروى هذا القول على لسان الإمام النووي وهو من هو في العلم والمقام فلنا أن نتصور الثقافة السائدة وأثر مثل هذه المواقف على العلوم البحتة.

فالطب كان سبب إظلام قلبه وعادت إليه الاستنارة بعد أن باع "القانون"، كتاب ابن سيناء في الطب، وهو الذي أخذت به جامعات أوروبا ودرسته قرونا في جامعاتها، ولا تزال تصدر حوله رسائل دراسات عليا إلى اليوم، ولا شك أننا سنتفهم لو قيل إن طبيعة عقل الإمام النووي لم تستسغ الطب، فهذه أحوال بشرية مألوفة، أمّا ربط إظلام القلب بالاشتغال بالطب، فيُعَدّ انعكاسا لقناعات سائدة، وتوجيها تربويا عاما، وتصويرا للطب بأنه مُذهب لبركة العقل، البركة التي استردها النووي بمجرد بيع كتاب القانون وإخراج كل ما له علاقة بالطب من داره. ولم يترك السخاوي (ت:902هـ)، واضع سيرة النووي، هذه الرواية بلا تعليق، بل أصَّلها بافتراض وقوع اعتراض على رأي الإمام النووي في الطب واستشهد بما نقل عن الإمام الشافعي محمد بن إدريس وأنه يقسم العلم إلى علمين "علم فقه للأديان وعلم طب للأبدان"، وردَّ بأن مقصود الشافعي هو الطب النبوي المجرد عن أصول الفلاسفة التي صرَّح صاحب القانون في أوله بابتناء الطب المورد في كتابه عليها، وأن الطبيب يتعلم ما يبنى عليه من العلم الطبيعي، ولذلك اعترى الشيخ رحمه الله بمجرد عزمه على الاشتغال في الكتاب المذكور ما أشار إليه"[5].

نحن إذن أمام محتوى لثقافة شرعية لها موقف من العلم الطبيعي لا تكتفي بتفضيل العلم الشرعي، بل بالارتياب في العلم الطبيعي والتحذير منه، والسخاوي الذي تفصله عن روايات كتاب الطب النبوي ثمانية قرون، لم ينظر إليه على أساس التجربة البشرية في حدودها الزمانية والمكانية، بل رآه الأصل وفيه الكفاية، وما عداه مُظلم للقلب بحكم اتصاله بأصول علم اليونان العقلية وبعلم الطبيعيات، لكن السخاوي، وقد تأول قول الشافعي في الطب المقصود، لم يهمل الإشارة إلى ما يخالف تأويله، فأورد رأيا عن الفقيه المحدث حرملة بن يحيى (ت: 243هـ) فيه أن الشافعي كان يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب ويقول: "ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى"[6]، وفي هذه الرواية يبرز إدراك الشافعي لأهمية الطب العقلي التجريبي، لأن ما بيد اليهود والنصارى ليس الطب النبوي قطعا، بل طبا تجريبيا بحدوده المعرفية والزمنية، وهذه الرواية التي تشهد للشافعي بإدراكه لأهمية الطب من وجه، تكشف من وجه آخر قِدَم الإهمال الذي لاقاه الطب والعلوم البحتة الأخرى، وهو إهمال أخذ يتراكم بل ويؤصل شرعيا عبر القرون. وقد توارث أهل اليمن هذه المواقف في العصر الرسولي وكره بعضهم علم الطب وعَدَّه مزعزعا للإيمان ونسبوا المشتغل به إلى الزندقة والخروج عن الدين، وهو حال المشتغل بكتب المنطق أيضا، كما وصف قوم بأنهم حادوا عن الطريق لاشتغالهم "بكتب المنطق والميل إلى اعتقاد أصحاب الطبائع"، أو الخروج عن المذهب لمعاناتهم علم الطب ومذهب الحكماء، كما وصف قوم آخرون.[7]

ولولا همة الحكام الرسوليين في الاهتمام بالعلوم البحتة، لما عرف أهل اليمن هذه العلوم، إذ التفت كثير من ملوك الدولة الرسولية إلى العلوم الطبيعية فبرزوا فيها وألفوا كتبا مهمة ذات وزن علمي هي محط اهتمام متزايد من قبل الدارسين ومحققي المخطوطات في أيامنا هذه (المركز الثقافي الفرنسي بصنعاء مثالا). حتى مع ظهور شكوك مبررة على أن بعض المؤلفات أو أجزاء منها لم تكن من تآليفهم، بل من تآليف علماء آخرين أعانوهم عليها، أو طولبوا بإنجازها لهم، فإن ذلك مدعاة لتقديرهم وتبجيلهم كونهم رغبوا في الفخر بنسبة أعمال علمية إليهم، وهكذا تنقلب تلك الشكوك دليلا على تقديرهم للعلم وأهله ورغبتهم في أن ينافسوا فيه ويكونوا من أهله رغم مشاغل الحكم.

ومن أبرز الملوك العلماء الملك المظفر يوسف بن عمر (ت: 694هـ)، فقد ألف في الفلك والحرف المختلفة ومنها صناعة المداد والألوان، كما كتب في علم السياسة أيضا، يليه الملك ولده الأشرف بن يوسف الذي ألف في الفلك والطب والبيطرة والزراعة وعلم النجوم، ثم يأتي الملك المجاهد (ت: 764هـ)، الذي ألف في البيطرة وتوسع في كتاباته عن الخيل، كما كتب في الجغرافيا والزراعة وفي علم الحرف وفي الحروب وفي العطور كما كتب عن الطبخ أيضا، وللملك الأفضل اهتمامات علمية وكتبا في التاريخ والتراجم وله مخطوط مشهور يشبه الموسوعة وقد نشر هذا في لندن عام 1998م. وهذه مجرد أمثلة لاهتمامات ملوك الدولة الرسولية ويمكن العودة إلى قوائم مؤلفاتهم لمعرفة المساحة العلمية التي أهمتهم وأبرزها العلوم الطبيعية.[8]

وهم باهتمامهم بهذه العلوم الطبيعة قد سدوا نقصا في الصورة العلمية لتاريخ اليمن الوسيط يشكرون عليه، لكن غياب هذه التخصصات عن المدارس العامة واستيعابها وخدمتها من قبل طلاب العلم، يبقى أمرا محيرا وموضع نقد نبرزه هنا بجلاء تام، ويبدو أن هذه الحيرة تزول حين نستذكر ما طورته عقلية العلم الشرعي من خصومة مع العلم الطبيعي جعلت حكام بني رسول وهم أهل الحل والعقد يتهيبون نشر هذا المعارف بين العامة، والدليل ما تعرض له السلطان المظفر الرسولي من النقد حين أراد تعلُّم المنطق على يد الفقيه شمس الدين البيلقاني القادم من بلاد فارس، فقد أثار وجوده بين أهل العلم نزاعا حادا سببه مجافاة أهل اليمن للمنطق وعدم الاشتغال به."[9]

وما استعرضناه من مواقف رافضة للعلم الطبيعي، وهي تروى عن أعيان وعلماء شرع، إنما تحط من شأن العلم العقلي التجريبي، العلم الذي نعلم اليوم يقينا بأنه المدخل الأساس للقوة المادية والحضارة، وأن جذور تخلفنا وهواننا على أنفسنا وعلى الناس إنما تكمن في الموقف من العلوم العقلية التي أتاحت لغيرنا سبل التطور والهيمنة، إن الاختلال الذي حصل بين العلم الشرعي والعلم الطبيعي، لصالح العلم الشرعي أضعف تأثير مناهج العلوم البحتة على عقلية المسلمين الكلية، لأن العلوم البحتة - والأمر هنا عام ولا يقتصر على اليمن - لم تلق من الاهتمام والشروح والمختصرات والإشاعة المجتمعية ما لقيته العلوم الشرعية، فتركت جل ساحة العلم وقفا على العلوم الشرعية، وفي اليمن كان هذا الاختلال قائما أيضا في القرن السابع، رغم تبني سلاطين بني رسول لعلوم الطب والفلك والزراعة والبيطرة وظهور مؤلفات تحمل أسماءهم في هذه الميادين[10]، وحرصهم على استقدام علماء الطبيعيات إلى اليمن، كما فعل المؤيد الرسولي حين استقدم عام 720هـ، عالم الهيئة والهندسة الأمير بدر الدين حسن المختار: "العارف بعلوم الأوائل من الهيئة والهندسة وعلم المجسطي وكان مشاركا في كل فن وضاربا في كل علم بنصيب"[11].

ومع ذلك فالواضح أن هذا الاهتمام بالعلوم البحتة من قبل الرسوليين ظل ظاهرة جزئية لم تتسع اجتماعيا ولم تؤسس لثقافة علوم طبيعية نشطة تخرج علماء في فنون العلم الطبيعي، لأنها فنون لا ينفع معها التواتر والتقليد فما يتم تجريبه ويثبت خطؤه يقتضي البحث والتجريب والاستقصاء، وهي آليات التطوير لكل علم، وهناك قدر ضئيل من مؤلفات العلوم البحتة في الفلك والزراعة وعلم الحساب بلغت عشرين مؤلَّفا في قرنين وثلث[12] هي كل حياة الدولة الرسولية، بما في ذلك كتب الطب والفلك المنسوبة لبعض سلاطين بني رسول، وفيها الشروح والمختصرات لكتب أصلية، وللتدليل على الاختلال الحاصل بين علوم الطبيعة وعلوم الشريعة، نشير إلى أن شروح ومختصرات وشروح شروح "القانون" لابن سيناء بلغت (49) عملا في ثمانية قرون[13]، بينما بلغت الشروح وشروح الشروح ومختصرات الشروح والحواشي والمختصرات والتخريجات التي دارت حول كتاب الفقه "التنبيه" المؤلف في القرن الخامس الهجري، بلغت (134) عملا خلال خمسة قرون[14].

ومع كل هذا الجهد في تدارس مصنفات العلوم الشرعية لم يتأسس عقل إسلامي عام يخترق الجماعات والأفراد ويجعل من واجباته الأساسة خدمة العقل العام ليتعلم إخضاع رؤاه وتأملاته وأفكاره لمنطق علمي متحرر من الخرافة والأوهام.

لقد توارث المتأخرون خلافات الأوائل ومواقفهم حتى في الخرافة وفيما لم يعد له سند تاريخي مثل: "قضية خلق القرآن" كما مر، وهناك تاريخ طويل للخرافة المؤسسة على ثقافة دينية مشبعة باللاعقل واللامنطق تم توارثها أيضا، لذلك لا غرابة أن تشيع تأويلات خرافية تؤسس لعالم الخفاء بجنه وشياطينه وعلاقته بالإنسان من مَسٍّ وتَلَبُسٍّ وتَشَّكُّلٍ وسواه، عالم اقتضى وجود وسطاء من بني البشر يلتمس بهم النجاة وعندهم الأمان، فزعم البعض امتلاكه سبل لجم الجن والشياطين وتحييد عدوانيتهم وشرورهم المتصورة، فكانت الكرامات البشرية هي المعادل الموضوعي لما أشيع من قدرات الجن والشياطين الخارقة، وهي (الكرامات) التي عبرت بالنفس البشرية حاجز الخوف إلى بر الأمان المنشود، ولا تستقيم الكرامة إلا إذا أسست على الدين، فالله هو الحامي وهو الملاذ الأصل، والوقوف بين يدي الله بعلم شرعي للتوسل والعون أفضل من الوقوف بين يديه بجهل وقلة حيلة، ولأن الجهل هو الغالب ولأن العامة محاصرة بالخرافة والخوف فهي من ثم الأكثر حاجة للوسيط البشري تفزع إليه وتعوذ به للتوسل والأمان، ولابد أن يكون فقيها، عالما حاز العلم الشرعي أو قدرا منه كي يدفع عالم الخفاء بما هو أقوى منه، كتاب الله وسنة نبيه، وهكذا قام الارتباط بين العلم الشرعي والخرافة، وخلقت الوظيفة الاجتماعية للعالم المسلم بكراماته المدهشة، وهو الذي يراه عامة المسلمين قادرا على استعمال القرآن والسنة في فض الخصومات وتقسيم الإرث وعقد الزواج ولجم الجن أيضا وإشفاء المريض وتقييد الشياطين أو إخراجهم من حيث حلوا في أجساد البشر كما يزعمون.

ولابد والحال هذه أن يتم الحفاظ على هذه الوظيفة الاجتماعية المربحة[15]، وأن يتم التنافس على إخضاع أنفس المؤمنين البسطاء لسلطة الفقيه والعالم، وأقصر الطرق هو تأكيد حالة الخوف بتأكيد وجود عالم الخفاء الشرير وإشاعة الأعاجيب عن كرامة هذا وفعل ذاك من الفقهاء والعلماء، لذلك لا غرابة أن تتأصل تلك الخرافات على أساس الكتاب والسنة، كما تشير إلى ذلك مؤلفات كثيرة في هذا الباب، فإن عُذِر الأولون لبساطة تجاربهم وغياب شروط العلم الحديث في أفهامهم تلك، فلا عذر للمعاصرين الذين يخرجون كتبا عن خرافات الجن والشياطين، ويعتمدون فيها على أقوال قديمة ضاربين بعرض الحائط ما أحدثه العلم المعاصر من صحوة عقلية، وأحدث هذه الكتب صادر عام 2004م، حسب علمي، وعنوان الكتاب: "الجن وعلاقتهم بالأنس، دراسة في ضوء الكتاب والسنة"، والكتاب يعتمد على أفهام عقول سلفت لم تكن ترى وتسمع وتجرب وتفكر على النحو الذي يعمل به العقل العلمي المعاصر، ويخلص معتمدا عليها، دون نقد علمي وأسئلة عصرية، إلى الإقرار بوجود كل أشكال العلاقة المتوارثة والمتوهمة مع الجن.

ولعل كثرة الكتب المؤلفة حول الجن والشياطين حديثا والتعويل على تأويلات خرافية قديمة معادة بإهاب علمي معاصر ليشهد أننا لا نزال نعصرن القديم بعلاته ونسيء إلى ديننا الحنيف العقلاني والعلمي في حجاجه وتحديه، ومع ذلك لم يخل الفكر الإسلامي من عقل رصين في هذا السياق، إذ يعد المعتزلة من فرق الفكر الإسلامي الرافضة للخرافة بسبب احترامها لسلطة العقل في كل شأن، ولذلك كان حال الخرافات في مناطق المذهب الزيدي المؤسس على الفكر المعتزلي أقل حضورا منه في مناطق المذهب الشافعي، وهو ما يعكس أثر الفكر في تشكيل البيئة المحيطة على نحو عقلاني وإقصاء التصورات الخرافية عن الذهن، لأن الفكر هو وحده الخالق للخرافات أو الملغي لها، ومن بين الكتب الكثيرة حول عالم الجن والشياطين، وجدت كتابا واحدا بعنوان "أبناء آدم من الجن والشياطين"، والكتاب يقدم تفسيرات وقراءات جديدة لنصوص الكتاب والسنة باتجاه تحرير العقل المسلم من خزعبلاته لصالح دين إسلامي عقلاني نقي من الخرافات والطلاسم،[16] وقد لا يوافقه الكثيرون على آرائه وخلاصاته، لكنها على الأقل تشير إلى الاتجاه الصحيح في كيفية تحرير عقل المسلم من الأسر الذي وضع فيه.

خاتمة:

استعرض هذا البحث صورتين، في تاريخ الدولة الرسولية من خلال كتاب الخزرجي العقود...، الصورة العلمية ثم صورة الذهنيات العامة التي تشكلت من مجموعة من الخرافات، وما وصف بالكرامات، وحاولنا في الخلاصة تحليل العلاقة بين الصورتين، وتوصلنا إلى أن التشابك بين هاتين الصورتين سببه سيادة شكل من أشكال العلم الشرعي المتواتر دون نقد، فضلًا عن معاداة العلوم العقلية والفلسفية، وهو ما أفضى إلى ركود في العقلية العلمية، وإلى التقليد رغم كثرة ما ظهر من مؤلفات ومختصرات للكتب المتداولة في موضوعات مختلفة، كما أبرز تحليل التشابك بين العلم الشرعي والخرافات ظهور وظائف نافعة للخرافات السائدة، تمثلت في استفادة بعض رجال الدين منها من خلال تحولهم إلى ملاذٍ يعوذ بهم العامة لتجنب أذى القوى الشيطانية الخفية، ولأن بقايا تلك الذهنية الخرافية لا يزال قائما إلى اليوم، فإن التركيز على دراسة تلك الذهنيات، أصولها وأسباب انتشارها، يعين على تفهم دور العلم التطبيقي والتفكير الناقد في ترسيخ عقلانية صارمة في حياة المسلمين، تماشيا مع عقلانية الدين الإسلامي الأصل.

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)

(الجزء الخامس)

(الجزء السادس)


[1] إحياء علوم الدين، ص 26.

[2] إحياء علوم الدين، ص.26

[3] إحياء علوم الدين، ص 22.

[4] السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن: المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي، المدينة المنورة، مكتبة التراث، 1989م. ص42.

[5] السخاوي، ص 42-43.

[6] السخاوي، ص 43.

[7] الحبشي، حياة الأدب، ط2. ص 84.

[8] الحبشي، حياة الأدب، ط2، ص 30 وما بعدها.

[9] الحبشي، حياة الأدب، ص 84.

[10] الحبشي، حياة الأدب، ط2. ص 60- 61.

[11] الخزرجي، ج1، ص 354.

[12] الحبشي، حياة الأدب، ط2، ص 84-87.

[13] الحبشي، جامع الشروح، ج2، ص 1343- 1347.

[14] الحبشي، جامع الشروح، ج1، ص 651 وما بعدها.

[15] لمعرفة المزيد عن وظائف الكرامة من جوانب مختلفة انظر: بدران، أبو الفضل، ص 99 وما بعدها

[16] سبقت الإشارة إليه في هامش سابق.

التعليقات (0)