مفاوضات الفتح العربي لمصر (1)

مفاوضات الفتح العربي لمصر (1)

(الجزء الأول)

 (ا) المفاوضة الأولى

1 - ذكرها أبو المحاسن في النجوم الزاهرة (ج1 ص13 - 24ط دار الكتب) نقلاً عن ابن كثير في تاريخه المسمى بالبداية والنهاية. قال: (لما استكمل المسلمون فتح الشام، بعث عمر بن الخطاب عمرو بن العاص إلى مصر، وزعم سيف: أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزبير بن العوام وفي صحبته بُسر بن أبي أرطاة وخارجة بن حذافة وعمير بن وهب الجمحي، فاجتمعوا على باب مصر، فلقيهم أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف أبو مريام في أهل النيات، بعثه المقوقس صاحب الإسكندرية لمنع بلادهم.

فلما تصافوا قال عمرو بن العاص: لا تعجلوا حتى نعذر إليكم، ليبرز إلي أبو مريم وأبو مريام راهبا هذه البلاد فبرزا إليه، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا: إن الله بعث محمداً بالحق وأمره به وأمرنا به محمد، وأدى إلينا كل الذي أمر به، ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا أننا مفتتحوكم وأوصينا بكم حفظاً لرحمنا منكم، وإن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة؛ ومما عهد إلينا أميرنا: (استوصوا بالقبطيين خيراً) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بالقبطيين خيراً لأن لهم ذمة ورحما.

فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء، معروفة شريفة كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل منف والملك منهم، فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم وأغربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام، مرحباً به وأهلاً وأمناً حتى نرجع إليك.

فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع، ولكني أؤجلكما ثلاثاً، لتنظرا ولتناظرا قومكما، وإلا ناجزتكم؛ قالا: زدنا، فزادهم يوماً؛ فقالا: زدنا، فزادهم يوماً؛ فرجعا إلى المقوقس.

فواضح من هذا الكلام أن هذه المفاوضة وقعت عند باب مصر بين عمرو بن العاص من جانب وأبي مريم جاثليق مصر والأسقف أبي مريام من الجانب الآخر.

2 - وذكرها ابن الأثير (ج2 ص440 - 441ط ليدن). قال: (فأخذ المسلمون باب اليون وساروا إلى مصر فلقيهم هناك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف بعثه المقوقس لمنع بلادهم. فلما نزل بهم عمرو قاتلوه فأرسل إليهم لا تعجلونا حتى نعذر إليكم، وليبرز إلى أبو مريم وأبو مريام فكفوا وخرجا إليه فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية وأخبرهما بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر بسبب هاجر أم إسماعيل عليه السلام؛ فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء، آمنا حتى نرجع إليك، فقال عمرو : مثلي لا يخدع؛ ولكني أؤجلكما ثلاثاً لتنظرا وأمر بمناهدتهم) فواضح من هذا أن ابن الأثير متفق مع ابن كثير في مكان المفاوضة وطرفيها.

3 - وذكرها ابن خلدون (ج2 ص114 - 115 ط بولاق). قال: (ولما فتح عمر بيت المقدس استأذنه عمرو بن العاص في فتح مصر فأغزاه، ثم اتبعه الزبير ابن العوام، فساروا سنة عشرين أو إحدى وعشرين أو أثنين أو خمس فاقتحموا باب اليون ثم ساروا في قرى الريف إلى مصر، ولقيهم الجاثليق أبو مريم والأسقف قد بعثه المقوقس، وجاء أبو مريم إلى عمرو فعرض الجزية والمنع وأخبره بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم وأجلهم ثلاثاً ورجعوا إلى المقوقس) فواضح من هذا أن ابن خلدون متفق مع ابن كثير وابن الأثير.

4 - وذكرها الطبري (مجلد 5 ص2584 - 2589 ط ليدن)، قال: (خرج عمرو بن العاص إلى مصر بعدما رجع عمر إلى المدينة حتى انتهى إلى باب اليون واتبعه الزبير فاجتمعا فلقيهم هنالك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف في أهل النيات بعثه المقوقس لمنع بلادهم، فلما نزل بهم عمرو قاتلوه فأرسل إليهم: لا تعجلونا لنعذر إليكم وترون رأيكم بعد؛ فكفوا أصحابهم وأرسل إليهم عمرو أتى بارز فليبرز إلى أبو مريم وأبو مريام؛ فأجابوه إلى ذلك وآمن بعضهم بعضاً، فقال لهما عمرو: أنتما رهبا هذه البلدة فاسمعا..) ويذكر بقية الحديث بما يوافق ما ذكره ابن كثير تماماً.

فواضح من هذا أن الطبري متفق مع المؤرخين الثلاثة في طرفي المفاوضة، ولكنه يختلف عنهما في مكان المفاوضة، فيقول: إنها كانت عند باب اليون ويقولون أنها كانت عند مصر.

نترك الآن المؤرخين العرب وننتقل إلى كتاب حنا النقيوسي المؤرخ القبطي المشهور فلا نجد فيه ذكراً لهذه المفاوضة، ويقول الأستاذ بتلر في كتابه (فتح العرب لمصر) (ص190 من الترجمة العربية) بصدد هذه المفاوضة: (والظاهر أن قصة بعث المقوقس باثنين من الأساقفة وهما أبو مريام أو (أبو مرتام) وأبو مريم لمفاوضة العرب لم تكن سوى قصة بعث بها الوهم، فلم يكن بين الأساقفة أحد بتلك الأسماء، ولعل تلك القصة لم تنشأ إلا من الخطأ العظيم الذي وقع فيه مؤرخو العرب عندما قرءوا أخبار هذه الحوادث، وقد اختلط فيها حوادث التاريخ بالخرافات اختلاطاً فاحشاً، ومسخها الناسخون عند نقلهم منها منذ لم يتحروا فيها الدقة، ولكننا مع ذلك نستطيع أن نقول إنه قد جاءت جماعة عليها أحد الأساقفة وإنهم فاوضوا عمراً في ذلك الوقت)..

والأستاذ بتلر يقول هذا القول أثناء حديثه عن سير العرب الفاتحين إلى بلبيس، مما يفهم أنه يرى أن هذه المفاوضة كانت في بلبيس لا في مصر كما يقول ابن كثير وابن الأثير وابن خلدون، ثم هو يرى بعد ذلك أنها لم تكن بين عمرو من جانب وأبي مريم ومعه أبو مريام من جانب آخر؛ بل كانت بين عمرو وجماعة عليها أحد الأساقفة،

ونحن لا نملك رفض ما يقوله الأستاذ بتلر؛ فنحن لا نملك رفض قوله بحصول المفاوضة في بلبيس، لأن اتفاق ابن كثير وابن الأثير وابن خلدون على أنها حصلت عند مصر وتفرد الطبري بأنها حصلت عند حصن بابليون مما لا يمكن التعويل عليه لما عرفناه ولمسناه من خلط مؤرخي العرب في كلامهم عن حوادث الفتح.

أضف إلى ذلك أن جعل المفاوضة عند بلبيس أكثر ملاءمة لسير حوادث الفتح من جعلها عند مصر، والقارئ لحوادث الفتح يدرك هذا تمام الإدراك، ونحن بالطبع ليس لنا أن نطالب الأستاذ بتلر بالمصدر الذي اعتمد عليه في القول بأن المفاوضة حصلت في بلبيس، وذلك لأنه لم يعتمد في ذلك على مصدر ما وإنما قال به توفيقاً منه بين حوادث الفتح العربي التي تعرضت لشيء كثير من الخلط والتشويه في معظم المصادر العربية وغير العربية، هذا من ناحية مكان المفاوضة، وأما من ناحية طرفيها فنحن لا نستطيع رفض قوله في ذلك أيضاً، لأننا لا نملك على ذلك الرفض قدرة علمية، ولا سيما أنه عاد في الملحق الثالث من ملاحق كتابه فأكد قوله وقواه، قال (ص450 - 452): ((2) أبو مريم، وصف الأستاذ (لين بول) هذا الشخص بأنه جاثليق مصر، وأنه انضم إلى جيش عمرو، ولفظ جاثليق لا معنى له إلا (بطريق)، وأول من ذكره من مراجعنا الطبري، فقد جعلته معلوماته الفارسية يذكر ذلك اللفظ على أنه اسم كبير أساقفة مذاهب النسطوريين والأرمن.

ويكثر ذكره في كتب سيبيوس وسواه، ويعرفه المعرفة، والحقيقة أن الطبري نفسه يفسر ذلك اللفظ بأنه كبير أساقفة النصارى، ولكنه يقول بعد ذلك عبارة محيرة وهي أن اسمه كان (أبن مريم)، ويمكننا أن نسلم بأنه قد كان في مصر رئيسان للأساقفة أو بطريقان في وقت الفتح وهما قيرس وبنيامين؛ ونزيد على ذلك أنه قد يجوز أن بطريقاً ثالثاً كان موجوداً عند ذلك وهو بطريق مجهول (للجايانيين)، ولكن ذلك غير مهم فيما نحن فيه، وابن مريم لا يمكن أن يكون هو (فيرس)؛ ولكنه قد يمكن أن يكون المقصود به (بنيامين)، ونرجو أن نستطيع البرهان على أن ذلك هو المقصود؛ فإنه في مدة ابن الأثير كان الاسم قد حرف إلى (أبو ميامين)، في حين أن أبا المحاسن يذكر - وهذا طبعاً صحيح - أن الأسقف القبطي في الإسكندرية كان اسمه بنيامين، ويذكر السيوطي أن الأسقف القبطي هو (أبو ميامين) وليس على المرء إلا أن يقرن هذه الحقائق بعضها إلى بعض فيرى لأول نظرة أن من أسهل الأمور تحريف اسم (أبا بنيامين) إلى (أبو ميامين) ثم إلى (أبو مريم)، في حين أن (ابن مريم) يجوز أن يكون تحريفاً للاسم بنيامين؛ فإن كتاب العرب كانوا يعرفون أن اسم مريم اسم يجله النصارى إجلالاً عظيماً، فأخطئوا في لفظ (أبا) فظنوا أنه اللفظ العربي (أبو)، في حين أنه نزع من الجزء الأول من (بنيامين) وهو (بن) وخلط باللفظ العربي (ابن) ونشأ من ذلك الخلط أسماء عجيبة زادها تحريف النساخ خطأ فذهبوا إلى تسمية الأسقف باسم (أبو مريم) و (ابن مريم).

ونستطيع الآن أن نستبعد اسم (أبو مريم) ونحن واثقون من أن ذلك الاسم لم يكن، وكذلك أسماء (أبو مرتم) و (ابن مريم) و (وأبو ميامين)؛ وأن نجعل مكان هذه الصور الغريبة اسم (بنيامين) الذي كان كبير أساقفة القبط في الإسكندرية، غير أنه لا يكفي أن نستبعد هذه الخيالات فإنا إذا سلمنا أن الشخص التاريخي المقصود هو بنيامين فإنه من المحال أن نقبل ما قيل عنه من أنه اشترك مع عمرو أي اشتراك فيما ذكر عنه، فلم يحاربه ولم يفاوضه، وأما ما ذكره الطبري ومن اتبعه كابن الأثير عن بنيامين فإنه قول سخيف، فقد جعلوه قائداً حربياً تحت حكم المقوقس، وقد سعى الطبري إلى جعل خبره مقبولاً لا تناقض فيه فجعل المقوقس أميراً للقبط؛ ولكن كل الأدلة المستمدة من المؤرخين المصريين تدل على أن هذين الرأيين غير صحيحين (وكان الطبري غريباً عن مصر، ولكنه زارها).

فالمؤرخون المصريون مجمعون على أن بنيامين بقي مختفياً في الصعيد مدة عشر سنوات قبل الفتح العربي، وثلاث سنوات في مدة الفتح، ولو لم يكن لدينا غير ما كتبه ساويرس (حياة بنيامين) لكان ذلك كافياً للبت في هذا الأمر، غير أن كل المؤرخين من حنا النقيوسي إلى ما بعده متفقون في هذا الرأي، فكيف إذن نستطيع أن ندرك علة ما يعزوه مؤرخو العرب إلى بنيامين من الاشتراك في الأمور عند الفتح؟ والتعليل هو ما يلي: أنهم وجدوا في الأخبار القديمة أو الروايات السابقة أن زعيم المدافعين والرئيس الذي فاوض في شروط الصلح مع الفاتحين هو كبير أساقفة الإسكندرية، ووجدوا بعد الفتح وفي التاريخ القبطي أن كبير الأساقفة في الإسكندرية المعترف به هو بنيامين؛ وفوق ذلك لقد كان بنيامين هو الذي جاء إلى عمرو وصالحه في وقت الفتح الثاني للإسكندرية عند ثورة منويل؛ فاختلط هذا الخبر بالصلح الذي كان مع قيرس؛ وعلى ذلك اختلط الشخصان وعزي إلى بنيامين ما فعله قيرس عند الفتح) فبقي علينا إذن أن نأخذ برأي الأستاذ بتلر في هذه المفاوضة.

(ب) المفاوضة الثانية.

ورد لنا عنها روايتان:

الرواية الأولى.

1 - ذكرها أبو المحاسن (ص 9) نقلاً عن ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر قال: (ودخل عمرو إلى صاحب الحصن فتناظرا في شيء مما هم فيه؛ فقال عمرو: أخرج وأستشير أصحابي؛ وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي على الباب إذا مر به عمرو يلقي صخرة فيقتله، فمر عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب فقال له: قد دخلت فانظر كيف تخرج، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن فقال له: إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج في نفسه قتل جماعة أحب ألي من قتل واحد؛ فأرسل إلى الذي كان أمره بما أمره من أمر عمرو ألا يتعرض له رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم؛ فخرج عمرو).

فواضح من هذا أن المفاوضة كانت في حصن بابليون نفسه بين عمرو وصاحب الحصن (وهو المقوقس بدون شك؛ لأن ابن عبد الحكم يقول قبل ذلك فيما نقله عنه أبو المحاسن (ص 8) إن المقوقس كان حاضراً الحصن حين حاصره المسلمون).

2 - وذكرها المقريزي (الخطط ج 2 ص 65 ط النيل) نقلاً عن ابن الحكم أيضاً.

3 - وذكرها السيوطي (حسن المحاضرة ج 1 ص 64 - 65 ط إدارة الوطن) نقلاً عنه أيضاً.

4 - وذكرها الواقدي (فتوح الشام ومصر ج 2 ص 30 - 32 ط اليمنية). قال: (. . . وإذا برسول أرسطوليس قد قبل وقال: يا معشر العرب إن ولي عهد الملك يريد منكم أن تبعثوا له رجلاً منكم ليخاطبه بما في نفسه فلعل الله أن يصلح ذات بينكم. . .) فلبس عمرو ثوباً من كرابيس الشام وتحته جبة صوف، وتقلد بسيفه، وركب جواده، وسار معه غلامه وردان، وسار الثلاثة إلى قصر الشمع. . . فدخل عمرو وهو راكب حتى وصل إلى قبة الملك، ورأى السريرية والحجاب وقوف والبطارقة وهم في زينة عظيمة، فلما رأى ذلك عمرو تبسم وقرأ: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ). . . فأمروا عمراً أن ينزل عن جواده، فنزل وترجل، وجلس حيث انتهى به المجلس، وأمسك عنان جواده بيده ويده اليسرى على مقبضة سيفه، ونظر إلى زينتهم وزخرفة قصرهم فقرأ: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) ثم قال: اعلموا أن الدنيا دار زوال وفناء، والآخرة هي دار البقاء، أما سمعتم ما كان من نبيكم عيسى وزهده وورعه؟ كان لباسه الشعر ووساده الحجر وسراجه القمر، وقد قال نبينا صلوات الله عليه: إن الله أوحى إلى عيسى أن نح على نفسك في الفلوات، وعاتبها في الخلوات، وسارع إلى الصلوات، واستعمل الحسنات، وتجنب السيئات، وابك على نفسك بكاء من ودع الأهل والأولاد.

وأصبح وحيداً في البلاد، وكن يقظان إذا نامت العيون، خوف من أمر لابد أن يكون، فإذا كان روح الله وكلمته فخوف بهذا التخويف، فكيف يكون المكلف الضعيف؟ وأول من تكلم في المهد قال: إني عبد الله، فإذا كان أقر لله بالعبودية فلم تنسبون إليه الربوبية؟ تعالى الله ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا أشرك في حكمه أحدا، جل عن الصاحبة والأولاد، والشركاء والأضداد، لا صاحبة له ولا ولد ولا شريك له ولا وزير، ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انتهاء، ولا يحويه مكان، ليس بجسم فيمس، ولا بجوهر فيحس، لا يوصف بالسكون والحركات، ولا بالحلول والكيفيات، ولا تحتوي عليه الكميات، ولا المنافع ولا الضارات. ثم إنه (يعني عمراً) قرأ (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)، فقال له الوزير: أصح عندكم معاشر العرب أن المسيح تكلم في المهد؟ قال: نعم. قالوا له: فهذه فضيلة قد انفرد بها عن جميع الأنبياء. فقال عمروا: قد تكلم في المهد أطفال منهم صاحب يوسف وصاحب جريح وصاحب الأخدود وغيرهم. فقالوا يا عربي، أتكلم نبيك بغير العربية؟ قال: لا، قال الله في كتابه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). قالوا: أبعث الله منكم أنبياء غير نبيكم؟ قال: نعم. قالوا: من؟ قال صالح وشعيب ولوط وهود. قال: فلما سمعوا كلام عمرو وفصاحته وجوابه الحاضر قالوا بالقبطية للملك: إن هذا العربي فصيح اللسان جريء الجنان ولا شك أنه المقدم على قومه وصاحب الجيش، فلو قبضت عليه لانهزم أصحابه عنا.

قال وغلام عمرو وردان يسمع ذلك، فقال الملك أنه لا يجوز لنا أن نغدر برسول لا سيما ونحن استدعيناه إلينا، فقال وردان بلسان آخر ما قالوه، ففهم عمرو كلامه، ثم أن الملك قال: يا أخا العرب، ما الذي تريدون منا وما قصدنا أحد إلا ورجع بالخيبة؟ وإنا قد كتبنا إلى النوبة والبجاوة، وكأنكم بهم قد وصلوا إلينا، فقال عمرو: إننا لا نخاف من كثرة الجيوش والأمم وإن الله قد وعدنا النصر وأن يورثنا الأرض، ونحن ندعوكم إلى خصلة من ثلاث: إما الإسلام وإما الجزية وإما القتال. فقالوا: أننا لا نبرم أمراً إلا بمشورة الملك المقوقس، وقد دخل خلوته، ولكن يا أخا العرب ما نظن أن في أصحابك من هو أقوى منك جناناً ولا أفصح منك لساناً. فقال عمرو: أنا ألكن لساناً ممن في أصحابي، ومنهم من لو تكلم لعلمت أني لا أقاس به، فقال الملك: هذا من المحال أن يكون فيهم مثلك، فقال: إن أحب الملك آتيه بعشرة منهم يسمع خطابهم، فقال الملك: أرسل فاطلبهم. فقال عمرو: لا يأتون برسالة وإنما إن أراد الملك مضيت وأتيت بهم، فقال الملك لوزرائه: إذا حضروا قبضنا عليهم، والأحد عشر أحسن من الواحد، ووردان يفهم ذلك، ثم أن الملك قال لعمرو: امض ولا تبطئ علي، فوثب عمرو قائماً وركب جواده، فقال الملك بالقبطية، لأقتلنهم أجمعين.

 فلما خرج من مصر قال له وردان ما قاله الملك، فلما وصل إلى الجيش أقبلت الصحابة وسلموا عليه وهم يقولون: (والله يا عمرو لقد ساءت بك الظنون، فأقبل يحدثهم بما وقع له معهم وبما قالوه وبما قاله وردان فحمدوا الله على سلامته)

فواضح من هذا أن الواقدي متفق مع ابن عبد الحكم في مكان المفاوضة، ولكنه يختلف عنه في أحد طرفي المفاوضة؛ فبينما يقول ابن الحكم إنها كانت بين عمرو وصاحب الحصن المقوقس، يقول الواقدي إنها كانت بين عمرو وارسطوليس؛ وأرسطوليس هذا هو - فيما يحدثنا الواقدي (ص 25 - 30) ابن المقوقس، وقد قتل أباه لما أدركه من ميله إلى الإسلام ورغبته في أن يسلم ملكه للعرب، ثم قام مقامه والناس جميعاً يظنون أنه يقوم مقام أبيه أثناء غيبته تلك التي اعتاد أن يتغيبها طول شهر رمضان من كل سنة ولا يرد ما يؤيد هذه الرواية في كتاب حنا النقيوسي.

(الجزء الثاني)

التعليقات (0)