كتاب جغرافية التوراة وحاخاماتها العرب: عرض سريع وانطباعات

كتاب جغرافية التوراة وحاخاماتها العرب

عرض سريع وانطباعات

أ.د. أحمد السري

مؤلف الكتاب فكري آل هير، صادر عام 2018، ولا وجود لدار نشر.

قرأت الكتاب فأدهشني بشموله وقوة حججه، يضع هذا الكتاب حدًّا لنظريات جغرافية التوراة التي سادت في العقود الأخيرة، فهو يفند بأدلة علمية وقرائن قوية ما ذهب إليه مؤلفون عرب أولهم كمال صليبي، وآخرهم فاضل الربيعي، بأن فلسطين بل بلاد العراق والشام عموما ومصر ليست المسرح الجغرافي الذي جرت فيه أحداث تاريخ بني إسرائيل، واليهود، بل جزيرة العرب، وكل معتمد أقطاب نظرية الجغرافية المكتشفة هو العثور على حشد من الأسماء الجغرافية تتشابه مع الأسماء الجغرافية الواردة في التوراة وشروحها، وهذا التشابه ليس تشابها مباشرا، بل احتاج من أصحاب النظرية أن يقوموا بتصويب المسميات بطرق القلب والإبدال للحروف، وبطرق التحولات اللغوية التي تجري على المسميات المختلفة، ومن خلال الاجتهاد في تقويم الأسماء إلى أصولها الأولى وعيونهم على الأسماء التوراتية، وخلصوا من خلال هذا النهج الذي أسماه مستشرق فرنسي بأنه «شعوذة لغوية»، خلصوا إلى أن جزيرة العرب هي مسرح أحداث التوراة، وليس فلسطين، مع تشديدهم على اتهام الحركة الصهيونية بالتزوير تارة أو بتزوير المسميات التاريخية في كتاب التوراة تارة أخرى، أو بتزوير مسميات الجغرافيا الفلسطينية تارة ثالثة، لتتوافق مع مسميات التوراة.

وأول مقاتل هذه النظرية - كما يقول المؤلف - هو عدم اتفاق الكتاب على البقعة الجغرافية من الجزيرة رغم اشتراكهم في المنطلقات والمنهج، وبينما حدد البعض بقعة جغرافية محدودة في غرب الجزيرة، عسير وجنوب الحجار، أو غامد وزهران، أو بناء على معطيات العدد المحتمل لبني اسرائيل، والذي بلغ بالكاد ٧٠٠ نفس يومئذ، وتأكيد بعضهم بأن بني إسرائيل ليست أكثر من قبائل آرامية رعوية (عربية في المحصلة)، فقد تكرم بعضهم وهو فاضل الربيعي فجعل اليمن كلها موطنا لبني إسرائيل وجماعاتهم (الأسباط) في كتابه الموسوم «فلسطين المتخيلة».

ولذلك حاز الربيعي وكتابه على النصيب الأوفر من النقد والتفنيد، وبين المؤلف منهج الربيعي المتهافت الذي نطّق فيه الهمداني في كتابه «صفة جزيرة العرب» ما لم يقله، وبين زيف ادعاءاته في إعادة ترجمة التوراة من العبرية، وذكر أن كل ما قام به هو فقط إعادة صياغة مواضع من النص التوراتي لتتوافق مع مسميات كتاب الهمداني، لكن الحجة الدامغة ضد الربيعي تجدها فيما قام به المؤلف من استخراج لحدود الأرض الممنوحة لبني إسرائيل من ربهم، وكيف وزعت على اثني عشر جماعة (سبطا) في فلسطين، ثم جاءت خرائط الربيعي لتكون شاهدة على تهافت الفكرة، وقد جعلت البقعة الواحدة من الأرض تكون نصيبا لسبطين أو أكثر، وزاد المؤلف على هذا جهدا إضافيا فأنجز وفق تحديدات الربيعي الجغرافية خرائط تبين الحدود المقترحة من الربيعي، فظهر العجب، وظهرت الفوضى، لم يبق الجنوب جنوبا ولا الشمال شمالا، بل خرجت الحدود البهلوانية عن حدود اليمن الطبيعي (حدود الهمداني) وبرزت خطوط الحدود الجغرافية مضحكة لا تصمد أمام مبادئ علم الجغرافيا.

الكتاب مليء بالأفكار والتفنيدات التفصيلية المختلفة، وقد قسمه المؤلف إلى قسمين؛ جعل الأول لعرض حكاية التوراة وإشكالاتها المعرفية وموقف الاستشراق التوراتي منها، أبرز المؤلف في هذا القسم الشكوك العلمية الرصينة التي أدلى بها فريق من الآثاريين التوراتيين، وقول بعضهم قديما بالبحث عن جغرافيا أخرى غير فلسطين، ودعوا إلى الفكاك من أسر التصور التوراتي للتاريخ، لأن علم الآثار بعد أكثر من ١٠٠ عام من المحاولات للعثور على شواهد مادية تثبت مزاعم التوراة، لم يجدوا شيئا، بل وجدوا التاريخ الفلسطيني بدلا من ذلك، ولم تكن إسرائيل إلا خيطا ضئيلا في كتاب التاريخ الفلسطيني الواسع والممتد والمتنوع، وأبرزت استشهادات المؤلف أنه تم تضخيم التاريخ اليهودي ليكون هو الأصل، وجعلوا تاريخ فلسطين مجرد خلفية لما زعمت التوراة من تاريخ لم تؤيدها التنقيبات الآثارية، كما عرض الكاتب لفكرة أنه في الوقت الذي تهاوت فيه مصداقية التوراة جاء المؤلفون العرب فمنحوا نصها مصداقية عالية، وبحثوا لها عن جغرافيا تؤيد سردياتها التاريخية، مع التنبيه هنا إلى أنه لا أحد من المؤلفين العرب جنح لدعم النظرية الصهيونية، بل زعموا دحضها بأعمالهم، لكن نتيجة أعمالهم تصب كما قال الكاتب في (إنقاذ التوراة لا نقدها) بعلم أو غفلة، مع تنبيه بعضهم إلى أن فكرة الحق التاريخي تنقطع بانقطاع أي شعب عن الوجود في أرضه، وأن دعاوى «أرض الميعاد» لا أصل لها، وأن من يحتل فلسطين اليوم من بقايا يهود دولة الخزر لا يربطهم رابط لا بالأرض ولا بيهود المنطقة، لكن مثل هذا الوعي عند بعضهم لا يسري بسهولة على الجماهير العربية، ولذلك لا يبقى الحديث عن بني إسرائيل والجغرافيا المكتشفة للتوراة حديثا تاريخيا صرفا، بل له ارتدادات معاصرة على الذاكرة التاريخية يجب التنويه بها، وخلص الكاتب إلى أن نظرية الجغرافيا المكتشفة ليست جديدة، بل ولدت أصلا في سياق الاستشراق التوراتي بعد أن أعياهم رؤية التطابق بين المروي وجغرافية فلسطين.

وبعد القسم النظري الأول الذي أوجزناه بشدة هنا، يأتي الجزء التطبيقي ليكون الدليل العلمي على تهافت النظرية وعوارها، لا سيما ما ادعاه فاضل الربيعي الذي تكرم بجعل اليمن كلها مسرحا لتاريخ بني إسرائيل، وزعم زيفا وبهتانا أن الهمداني مؤلف صفة جزيرة العرب يشهد بذلك، وبين الكاتب من خلال تتبع الأسماء والخرائط ومواقعها تهافت نظرية الربيعي وسخف مقولاتها.

ومن المآخذ المنهجية التي أبرزها الكتاب هو أن الشكوك الاستشراقية حول التوراة تمت بعد المسوح الجغرافية والتنقيبات الأثرية ودراسة المصادر التاريخية المختلفة، ومثل هذا الجهد لم يتم عند أقطاب نظرية الجغرافيا المكتشفة، بل أقاموا بناءهم النظري وادعاءاتهم على مجرد «تشابه الأسماء» فقط.

كما أنهم لم ينتبهوا إلى أن إخلاء أي منطقة من تاريخها يلزم أن يملأ بتاريخ معقول كي تتصل حلقات التاريخ، وكان بعض مستشرقي التوراة قد حل الإشكال بالقول إن تاريخ فلسطين هو المكتمل ويتضمن في حقب منه تاريخ بني إسرائيل، الذي يشكل خيطا ضئيلا في مسيرة التاريخ الفلسطيني، كما جاء في كتاب (اختلاق إسرائيل القديمة، ل وايتلام).

ويلزم أقطاب النظرية وقد وضعوا تاريخا آخر لبعض جهات الجزيرة ولليمن كله، يلزمهم أن يبحثوا عن منفى مناسب للتاريخ الأصلي الذي جرى في اليمن والجزيرة العربية، أو يستكملوا منهجهم بالتنقيبات الآثارية وقراءة المصادر المختلفة، إذ لا يصح أن تفرّغ منطقة من تاريخها وتزعم أنها مسرح لتاريخ آخر، فهذه المناقلة البهلوانية لأحداث التاريخ تحتاج إلى جهد وعناء وزيارات ميدانية، وليس مجرد الجلوس في المكاتب والنظر في الأطالس وقوائم الأسماء.

وكما قال المؤلف في واحدة من تساؤلاته الثاقبة، إن استبدال جغرافية التوراة بأرض أخرى يلزمنا تبني أسخف الافتراضات العلمية، وهو أن أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية عاشوا قرونا عديدة وهم يجهلون مسرح تاريخهم وقبلتهم، حتى جاء هؤلاء ليعينوهم على تصحيح تصوراتهم الجغرافية؟ أي سخف حقا.

الكتاب مليء بالمناقشات الجادة والتفنيدات الحاسمة، وفيه جهد ومثابرة وحس نقدي وغيرة علمية ووطنية، وهذه مجرد سطور انطباعية سريعة جدا من عندي بعد الانتهاء منه؛ لأحفز الجميع على قراءته، لا سيما زملاءنا من أهل التخصص. وتعميق أبحاث الرد في الجوانب المختلفة.

وفي الختام أقدم التحية والشكر للمؤلف على جهده وحماسه ومثابرته، وخروجه بهذا الرد الشامل الذي نرجو أن تتوقف معه بلبلة الربيعي ورهطه.

التعليقات (0)