الجنوب العربي: الاستعمار، الثورة، والاستقلال (1)

الجنوب العربي: الاستعمار، الثورة، والاستقلال

(الجزء الاول)

  د. وليد عبدالباري قاسم صالح

  أستاذ العلاقات الدولية المساعد

       كلية المجتمع - عدن

ملخص البحث:

مثّل موقع عدن الجغرافي الاستراتيجي أهمية بالغة للتاج البريطاني، ولذلك أخذ يوليه الاهتمام منذ القرن التاسع عشر، وقد استعرض البحث خلفية تاريخية موجزة للمراحل المبكرة لاحتلال عدن للتقديم التاريخي لفهم المتغيرات اللاحقة لطبيعة الصراع الجيوسياسي الذي حصل بعد الحرب العالمية الثانية وبين عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي والتوجهات الدولية لمفهوم تقرير المصير، واحتدام الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، ودور وتأثير النفوذ المصري في ثورة 26 سبتمبر، ومخاوف بريطانيا من عواقب خروجها الخاسر من عدن بالطريقة العنيفة والدموية التي سرّعت من عملية الجلاء، وأختتم المبحث بعرض مقتضب لطبيعة الصراع السياسي بين الجبهتين (القومية والتحرير) لاستقلال الجنوب العربي الذي أدى إلى انتصار الجبهة القومية لاستلام السلطة وتوقيع اتفاقية مع المملكة المتحدة (بريطانيا) في جنيف نوفمبر 1967م أفضت إلى الاستقلال.

كلمات مفتاحية: الجنوب العربي، عدن، استعمار، ثورة، نزاع مسلح، الجبهة القومية، استقلال.

Abstrac:

The historical research of the early stages of the occupation of Aden was a historical background for understanding the subsequent changes in the nature of the geopolitical conflict that took place after the Second World War and between the quintets of the 1950s and the sixties of the last century International trends in the concept of self-determination، the conflict between the eastern and western camps، the role and influence of Egyptian influence in the September 26 revolution، and Britain's fears of the consequences of its losing out of Aden in the violent and bloody way that accelerated Of the evacuation process. It concluded with a brief presentation of the nature of the political conflict between the two fronts (the national and liberation) of the independence of the Arab South، which led to the victory of the National Front for the taking of power and the signing of an agreement with the United Kingdom (Britain) in Geneva November 1967، which led to independence.

Keywords: South Arabia، Aden، Colonization، Revolution، Arm conflict، National front، Independence.

مقدمة:

يتمتع الجنوب العربي بموقع جغرافي ذي أهمية استراتيجية بالغة، فهو يشرف على مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يعد البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويعد البحر الاحمر طريقًا رئيسًا للتجارة ما بين جنوب شرق آسيا حيث كانت الهند تمثل درة التاج البريطاني وأوروبا في يوم من الأيام، ولقد تضاعفت هذه الأهمية ثلاث مرات منذ احتلال عدن مطلع القرن التاسع عشر، المرة الأولى حين افتتحت قناة السويس سنة 1869م. مشكلة بوابة شمالية للبحر الأحمر، والمرة الثانية حين اكتشف النفط في دول الخليج العربي في ثلاثينيات القرن العشرين فأصبح البحر الأحمر خطًّا ملاحيًا ضروريًا لوصول ناقلات النفط الخارجية من الخليج العربي عبر مضيق هرمز متوجهة إلى أوروبا، أو الداخلة إليه، والمرة الثالثة بعد الحرب العالمية الثانية عندما تصاعدت موجة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي وتنامت التطلعات السوفيتية(1) للوصول إلى المياه الدافئة في الشرق الاوسط لحفظ التوازنات العسكرية والأمنية أو ما تسمى بمصطلح اليوم الجيوبولتيك·.

لهذا مثلت عدن موقعًا مفصليًا مهمًّا وأسآسيا على الطريق الطبيعي الممتد ما بين المحيط الهندي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وعقدة جوهرية حاسمة في خط التجارة الدولي القديم والدائم الأهمية ما بين الهند والشرق الأقصى وبلدان البحر الأبيض وأوروبا، وبسبب هذه الأهمية حدث الصراع التاريخي المحموم بين الامبراطوريات الفارسية واليونانية والرومانية للسيطرة على عدن وإرسال الحملات العسكرية من أجل تحقيق هذا الغرض، وقد تضاعفت أهمية عدن الاستراتيجية وغدت ساحة أساسية من ساحات الصراع الدولي قبيل بزوغ عصر النهضة في القرن السادس عشر الميلادي .. عصر الفتوحات الجغرافية والصراعات البحرية والتجارية الملتهبة بين الدول الأوروبية وخاصة البرتغال وإسبانيا وهولندا وإنجلترا وفرنسا.

وبالنسبة لبريطانيا فإن نظرتها قد تركزت على عدن منذ تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية سنة 1600، فقد كان الاستيلاء على عدن يعني تأمين الطريق البحري التجاري بين الهند وبريطانيا، كما أنه كان يعني أيضًا طرق مواصلات الدول الاستعمارية المنافسة لبريطانيا وخاصة فرنسا - حيث حاول الفرنسيون احتلال جزيرة بريم او ما تعرف اليوم بجزيرة ميون في عام 1799م، إلا أنهم سريعًا ما انسحبوا منها لصعوبة البقاء وندرة المياه فيها، ولم يكن الروس ببعيدين عند ذلك الوقت عندما أرسلوا حامية عسكرية إلى الحدود من الطرف الأريتيري المقابل إلا أن الفرنسيين سرعان ما طردوهم؛ لفتح سوق جديدة في منطقة الجزيرة العربية والقرن الأفريقي(2).

وقد جاء الاستيلاء البريطاني على عدن يوم 19 يناير 1839م بعد سلسلة مطولة من التقارير والزيارات الاستطلاعية لبعثات عسكرية واستكشافية مختلفة استمرت لعشرين سنة قبل الغزو كجزء من عملية بسط السيادة والنفوذ البريطانية على القارة الهندية التي لم تستكمل إلا في النصف الأول من القرن التاسع عشر 1839–1842م.

مشكلة البحث:

يستعرض البحث مجمل الصراع الذي حدث في الجنوب العربي في فترة الخمسينيات والستينيات، ويلقي الضوء على دور جملة من العوامل الخارجية والداخلية التي أججت الوضع لإحداث هذا النزاع وفقًا لمتغيرات تقرير المصير لبعض التوسعات والنفوذ والاحتكاك بين الدول العظمى (أمريكا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي).

كذلك التدخل المصري-كالوسيط الاقليمي-الذي لعب دورًا كبيرًا في دعم حركات التحرر في اليمن، ويعرض البحث تفاصيل ما جرى في هذه المتغيرات فيما إذا كان الصراع سيآسيا او سلميًّا او عسكريًّا حيث يعزى بأنه ربما جرى تحوله إلى صراع دموي بخصوصية التركيبة القبلية والجغرافية لليمن، حيث كانت القبائل مسلحة والإحباط الذي عاناه الشعب اليمني لكونه من أكثر الدول التي استُعمرت لفترة طويلة دامت 129 سنة من بريطانيا، ناهيك عن التدخل الخارجي الدموي، فضلًا عن الجهل والبيئة المتردية في المنطقة حينذاك.

هدف البحث:

يهدف هذا البحث إلى:

  • إعادة القراءة التاريخية لطبيعة الصراع في عدن من منظور جيوبولتيك إقليمي ودولي أشمل.
  • معرفة أهمية العوامل المؤثرة التي أدت إلى تفجر الثورة المسلحة في عدن ودورها.
  • تسليط الضوء على طبيعة القوى المتصارعة في تلك المرحلة.
  • النتائج التي ترتبت عليها ثورة 14 أكتوبر، وتحقيق الاستقلال.
  • تسليط الضوء على الدلالة التاريخية والسياسية والاخلاقية لوثيقة الاستقلال

أهمية البحث

تكتسب أهمية البحث التاريخية اليوم في الكشف عن الحقائق، التي سببت استمرارية دورية ودموية للصراعات في اليمن المعاصر عمومًا وعدن حصريًّا حيث إن طبيعة الصراع والتجاذبات الإقليمية والدولية على النفود والثروات وبين القوى نفسها التي خاضت غمار تلك المواجهات في نهاية العقود الأخيرة من القرن الماضي، ما زالت كما يذهب اعتقادنا وتدل عليه المعطيات والمتغيرات على الأرض التي تنشرها التقارير الإخبارية وتبثها وسائل التواصل الاجتماعي لكل ما يجري يوميًّا من صراع متعدد الأطراف والمصالح وبالأشكال والأدوات والسمات، وكأنها تؤكد قول المثل المأثور "ما أشبه الليلة بالبارحة".

لهذا يحاول الباحث رغم مشقة المهمة وتعقيد المشهد بالقراءة التحليلية لفهم ما تحت السطور من دلالات عواقب هذا الصراع ومراكز القوى المتنفذة فيه ودرجة التشابه نحو السعي لاستقراء النهايات لإحداث حسم تاريخي وسياسي لمسألة الصراع على السلطة وبتوافقات تأخذ بعين الاعتبار مصالح الأطراف الإقليمية والدولية وخدمة المصالح الوطنية لتحقيق مؤشرات التنمية وتحويلها إلى هدف بديل؛ للاستثمار في الموارد البشرية والمادية بدلًا من تجارة الحروب وتوقف التنمية وتدميرها.

المبحث الاول

سياسة بريطانيا في عدن

مثلت تطلعات محمد علي باشا حاكم مصر نقطة تحول كبيرة في المنطقة العربية وذلك بسبب محاولته الانسلاخ عن المشروع العثماني الذي كان يسود المنطقة وتكوين امبراطورية خاصة به في الوطن العربي، لكن السياسة البريطانية كانت له بالمرصاد، فعملت بريطانيا على إثارة القلاقل لقواته في تلك المناطق وتمكنت مع القوى الأخرى بما فيها الدولة العثمانية من توقيف زحف قواته على عدن، ثم إخراجها فيما بعد من الحجاز والشام واليمن(2).

لم تبق بريطانيا مكتوفة الأيدي، أمام جملة من التغيرات حول عدن، فقام الكابتن هينس عام 1835م بعملية مسح ساحل عدن فاختبر جميع النقاط على هذه الساحل، وقاس أعماق البحر في كافة أجزائه، ورسم الخرائط وعليها أسماء عربية وإنجليزية لكل جزء، وكان هذا الفعل من الأعمال التمهيدية للاحتلال البريطاني لعدن(3).

"وفي ذلك الوقت وصل هينس إلى عدن، وقابل السلطان محسن فضل العبدلي، في أثناء صراعه مع قبائل أبين (الفضلي) وتباحث معه حول إقامة محطة تجارية في عدن"(4).

في يناير 1837م، قام أهالي عدن بنهب السفينة الشراعية الهندية (دوريا دولت)، ولم يتمكن هينس من متابعة حادث الاعتداء على السفينة؛ لأنه كان منشغلًا في مسح السواحل اليمنية –على رغم أن هذه الحادثة ستكون ذريعة لاحتلال عدن– فقد مُهِّد واقعيًّا لهذا الاحتلال بقيام هينس في عام 1837م، مع ثلاثة ضباط في الباخرة (كوت)، التابعة لشركة الهند الشرقية بدراسة عدن، وأوضاعها العامة وسبل إقامة التحصينات فيها، والهجوم المتوقع من قبل القبائل، ودراسة حالة الناس واستئجار العمال، وكيفية استغلال عدن لتكون محطة تجارية بريطانية.(5)

وفي العام نفسه قام الميجر باجنولد المقيم والمعتمد السياسي البريطاني في ميناء المخا بإقناع السلطان محسن بن فضل بأن يعرض ميناء عدن وملفها على الحكومة البريطانية مقابل شروط مغرية(6).

في عام 1838م أوحى هينس إلى السلطان محسن، بأنه موشك على مغادرة عدن، راجيًا منه ألا يحل بها الخطر الذي يخشاه من المصريين، في أثناء غيابه، وكان هينس قد كتب في تقرير له إلى حكومة بومباي - تضمن هذا التقرير احتلال بريطانيا لمدينة عدن – حيث قال في التقرير: إن عدن ستصبح مكانًا من الدرجة الأولى في الأهمية التجارية، وستكون مدينة من أعظم المدن التجارية في العالم، وهي أعظم ميناء مهيأ في الوجود لاتصالاتنا على الأرضية عبر البحر الأحمر، وإذا ما بني فيها رصيف فإن البواخر ستتمكن في كل الأوقات والفصول، من أن ترسي أمامه وتتزود بالوقود(7).

كان على بريطانيا الاستيلاء على عدن بسرعة ليس فقط لإحباط خطط حاكم مصر بل لتثبيت وجود بريطانيا في عدن لتكون مركزًا تجاريًا ومحطة لتزويد السفن التجارية التي تسافر بين السويس والهند بالوقود(8).

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)


 (·) الجيوبوليتيك (الجيوسياسية) مصطلح تقليدي ينطبق على تأثير الجغرافيا في السياسة، فهو علم دراسة تأثير الأرض (برها وبحرها ومرتفعاتها وجوفها وثرواتها وموقعها) على السياسة في مقابل مسعى السياسة للاستفادة من هذه المميزات وفق منظور مستقبلي. Wikipedia.org)).

(2) انظر: سيد مصطفى سالم، تكوين اليمن الحديث، اليمن والإمام يحيى 1904-1948، ط2، القاهرة، 1993م، صـ21.

(3) مجلة اليمن، العدد (7/8) 1997م، صـ232.

(4) سلطان القاسمي، الاحتلال البريطاني لعدن، مطابع البيان التجارية، بدون تاريخ، صـ145.

(5) المصدر نفسه صـ152.

(6) حمزة علي إبراهيم لقمان، معارك حاسمة من تاريخ اليمن، مركز الدراسات صنعاء (بدون تاريخ)، ص 157.

(7) water Field Suttans OF Aden Jon Murray Iondon 1968 p.30

(8) اريك ماكرو، اليمن والمغرب، 1571،1962، ترجمة حسين العمري، ط2، دار الفكر دمشق 1987م، صـ140

التعليقات (0)