البخور والمباخر في العربية الجنوبية من خلال المعطيات الأثرية والتاريخية (2)

البخور والمباخر في العربية الجنوبية

من خلال المعطيات الأثرية والتاريخية

(الجزء الثاني)

المبحث الثاني:

البخور وأهم مشتقاته في النقوش.

تميزت العربية الجنوبية بإنتاجها أجود أنواع البخور والمواد العطرية التي أسهمت بصورة كبيرة في ازدهار تجارة البخور خلال المدة من القرن العاشر حتى نهاية القرن الأول ق. م. والبخور هو مواد صمغية غير سامة، وهي طيبة الرائحة، مع إضافة عود الصندل في بعض الأحيان، وغيره من المواد الأخرى ليعطي روائح عطرة، ويصنع البخور إما في شكل مسحوق أو أعواد(28).

ومنها ما ذكر في النقوش اليمنية القديمة مثل: رند – قسط – طيب – للبني – سلخت...، وقد وردت كلمة (طيب) في النقوش اليمنية بمعنيين: الأول: طيب بمعنى ذهب، والمعنى الثاني: نوع البخور، واللفظ طيب (طيب)، هو الأرجح للكلمة الصحيحة التي ذكرت، بدليل أن هناك مبخرة مكتوب على وجهها هذا المعنى، ونقشت فيها كلمة واحدة طيب فقط، وهي تشير إلى نوعِ البخور الذي يحرق في هذه المبخرة، وفي المعجم السبئي جاءت كلمة بخر(بخ) (29).

وتعددت أنواع البخور التي تنتجها أراضي تلك المنطقة، وكان أهمها وأكثرها شهرة اللبان (الكندر) والمر(30).

وأهم أنواع البخور في النقوش الآتي: - ط ن ف (اسم) (طنف)(31):

"طيب" وردت في نقش Ja 635/4)): و ط ن ف/ ط ي ب م/ ح م د م/ ب ذ ت/ خ م ر، وتعني: الطيب ذو الرائحة العطرة حمدًا لذات خمر، وقد أمدتنا النقوش بأسماء العديد من أنواع البخور والطيوب، سنستعرض أهمها:  ل ب ن، ل ب ن ت (اسم) (لبنت) ״ اللبان״:

يعد اللبان من أفضل أنواع البخور، وقد ورد في النقوش (ل ب ن ت)(32)، وأطلق عليه اليونان (Libanos)، وفي اللغة اللاتينية يسمى (Olibanum) أو ليبانيوم، أما في المصادر العربية فجاء باسم (كندر Condur) ورد بخور اللبني في النقش(Ym467) (33)، وجاء في اللسان: "أن اللبنى: الميعة، واللبنى واللبن: شجر، واللبان: ضرب الصمغ"(34) وفي المعجم السبئي جاءت كلمة (لبن) بمعنى الميعة (البخور)(35). وفي العربية الجنوبية يطلق دائماً على الكندر اسم اللبان، وتضاف إليه صفات مختلفة مثل ״ لبان ذكر״، ״لبان شحرى ״، ״ لبان مستكا ״ وغيرها من الأسماء الأخرى(36).

ويتكون اللبان بصفة عامة من صمغ، وراتنج، وزيت طيار، وهو يتكون من مجموعتين: الأولى مكونات تذوب في الكحول، ويبلغ مقدارها نحو 72% من الوزن الكلي، والثانية مكونات لا تذوب في الكحول، ويبلغ مقدارها نحو 28% من الوزن الكلي، بالإضافة إلى الزيت الطيار، ويكون ذا لون أصفر وله رائحة طيبة(37).

اللُّبانُ شُجَيْرة شَوِكَة لا تَسْمُو أَكثر من ذراعين، ولها ورقة مثل ورقة الآس، وثمرة مثل ثمرته وله حَرارة في الفم، واللبان: الصنوبر.

وفي التهذيب: اللبني شجرة لها لبن كالعسل، يقال لها لبنى، قال الجوهري: يبخر به(38)، وشجرة اللبان شجرة ليس لها جذع، ولها أعداد كبيرة من الأغصان، وهي شجرة شوكية لا يتجاوز طولها من 6 إلى 7 أقدام، ويمكن أن يصل نموها إلى 15 قدمًا إذا وجدت مناخًا مناسبًا(39).

تنتج هذه الأشجار مادة صمغية لونها أصفر باهت شفاف عند بداية جمعه، ويتغير لونه، ويصبح مغبرًا نتيجة احتكاكه في بعضه البعض، وفي أثناء حرقه تفوح منه رائحة طيبة، وله دخان أبيض(40)، وتصل أنواعه إلى 25 نوعًا، يوجد عدد قليل منها في جنوب الجزيرة، وهي من أفضلها(41)، ويتم جمع اللبان بإحداث شقوق طولية في لحاء الأشجار، وفي اتجاهات مختلفة من جذوعها وأغصانها فيخرج سائل منها، يتجمد عند ملامسته للهواء، متحولاً إلى قطع متباينة الحجم تشبه الدمعة، وتوضع في أحواض هذه الأشجار حصر من سعف النخيل، تحسبًا لسقوط تلك القطع، أما القطع المتبقية أو اللاصقة بالأشجار، فإنها تقشط بآلة حادة(42).

وذكر صاحب دليل البحر الأرثري في هذا الشأن أن الأشجار التي تنتج البخور ليست بالطويلة أو الضخمة، والبخور يتقطر منها على لحائها، كما يحدث إلى الشجرة التي تسقط صمغها دمعًا في مصر.

ويقوم بجمع البخور عبيد الملك وأولئك الذين يبعثون لهذا العمل عقوبة لهم؛ إذ إن هذه الأماكن ليست صحية كما أنها موبوءة، وحتى إلى أولئك الذين يبحرون في محاذاة الساحل، إلا أنها بالنسبة إلى الذين يعملون هناك تكاد تكون قاتلة، وقد يقضون (نحبهم)؛ بسبب نقص الطعام أيضًا(43)، ويعبأ اللبان في أقفاص خشبية مغطاة بالحصر المصنوعة من السعف، خوفًا من تهشُّمه؛ لأنه مادة تميل إلى الجفاف(44).

- م ر ر، أ م ر ر (اسم جمع) (مرر) (أمرر) ״مُرّ״:

وردت في نقش Res3427/1)) ، وجاءت المرة في لسان العرب بمعنى: شجرة أو بقلة، وجمعها مر، وأمرار، والمرار شجرة مر. ونقل ابن منظور عن ابن سيده: "وعندي أن أمرارًا جمع مر". والمرار: شجرٌ مرٌّ، ومنه بنو آكل المرار قوم من العرب، والمرُّ دواء(45).

وقد ورد ذكر المر في نقش Res3427/1))، الذي يشير إلى تاجر معيني يسمى ״ زيد إيل بن زيد״ كان يتولى توريد المر والقليمة من بلاده إلى معابد المعبودات في مصر ونص النقش كما يلي: ا م ر ر ن /و ق لي م ت ن/ ك أ ب ي ت ت / أ ل أ ل ت / م ص ر.

المر / والقليمة / لمعابد / المعبودات (في) وردت في نقش Res3427/1))، الذي يشير إلى تاجر معيني يسمى ״ زيد إيل بن زيد״ الذي كان يتولى توريد المر والقليمة من بلاده إلى معابد المعبودات في مصر.

وأشجار المر لها شكل جذع الشجرة عند نموها، وتتفرع أغصانها التي تحيط بها، فتغطي جذع الشجرة لمسافة قطرها قرابة 20 قدمًا، ويصل طولها من 4 إلى 15 قدمًا، وتزهر أشجارها بعد نزول الأمطار بمدة وجيزة، ومن ثم تجف وتتحول إلى أشواك(46).

ويتم جمع المر بعد إحداث شقوق أكبر وأطول من الشقوق التي تعمل لجمع اللبان، وذلك من قاعدة الجذع، ويمكن تشقيق أشجاره إذا كانت قوية(47)، وأجود أنواعه ما تنتجه الأغصان، ويعرف بمسمى ستاكت(48)، وهو عبارة عن صمغ أحمر يميل إلى البني، في أثناء حرقه يخرج منه دخان أبيض قليل، له رائحة عطرة أخف من رائحة اللبان، ويوجد للمر أنواع ليس لها رائحة، تستعمل في الأدوية والعطور(49)، وتصل أنواعه إلى 250 صنف، وقد تكشف الدراسات الحديثة مزيدًا من الأصناف مستقبلاً(50)، وينقل المر بعد جمعه في أكياس من الجلد، لاحتوائه على نسبة كبيرة من الزيت خشية من جفاف الدهن وتسربه(51).

- ص ر ف (ص ر ف): ورد في المعجم السبئي أن الصرف (ص ر ف) هو نوع من أنواع البخور(52) كما ورد ذكره أيضاً بالنقش (CIH 400) وذلك فيما ينص ״ أنه لا يجوز شرعاً إبعاد أو بيع كل البخور ״صرف״ الموجود في معبد برأن ״معبد المعبود المقه ״، وهذا النقش يشير إلى أن الصراف كان يستخدمه بوصفه بخوراً، ويقدم بوصفه قرابين للمعبودات في المعابد.

- ذهب (ذ ه ب ): ورد بالمعجم السبئي أن الذهب (ذ ه ب ) هو نوع من البخور(53)، وهو أيضاً نوع من الطيب يدخل في تركيب البخور، وقد ورد ذكره في نقوش المسند كما في النقش CIH 683)) وذلك كما يلي:

ر ن د / ذ ه ب / ن ع م / ق س ط / ك م ك م (اسم)، نوع من الطيب (كمكام): وكمكام هو(دهن المر) كما ورد في النقش (CIH682)، ومادة المر تختزن 17% من حجمها زيتًا إذا كانت طرية(54)، ويسمى بدهن المر، ومن مميزاته أنه يحافظ على رائحة العطور التي يكون أحد عناصر تركيبها مدة طويلة من الزمن، حددها ثيوفراستوس قرابة عشرة أعوام، وذكر أنه كلما عتق ازدادت رائحته طيبًا، يضاف إليه في بعض الأحيان قليلٌ من الخمر لصناعة صنفٍ آخر من الطيب. كما أنه يضاف إلى الخمور لإكسابها رائحة عطرة، وذكر بليني أن المر واللبان: "يحفظان للعطور رائحتها لمدة طويلة" (55).

واستعمل المر في المعابد، وفي التحنيط، وفي معظم الأشياء التي تدخل في الدهن المقدس(56). وقيل: "المر، كالصبر، دواء سمي به لمرارته، وقد عالجوا به عدة أمراض" (57).

 

(الجزء الأول)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)


(28) مجموعة من المؤلفين،״ البخور״، الموسوعة العربية العالمية، مج4، الرياض،1994م، ص236.

(29) بيستون، وآخرون، المعجم السبئي، مرجع سابق، مادة ״ب خ ر ״، ص27.

(30) لوكس، فريد، المواد والصناعات عند قدماء المصريين، ترجمة زكى إسكندر ومحمد زكريا غنيم، القاهرة،1991م، ص151.

(31) بيستون، وآخرون، المعجم السبئي، مادة ״ ط ن ف ״، ص153.

(32) المرجع نفسه، مادة ״ ل ب ن ״، ص81.

(33) سيد، عبدالمنعم عبدالحليم، البحر الأحمر وظهيره في العصور القديمة، الإسكندرية،1993م، ص567.

(34) ابن منظور، جمال الدين محمد مكرم، لسان العرب، دار صادر، (د. ت)، بيروت، 1970م، اللسان، مادة (لبن)، (13/377).

(35) بيستون وآخرون، المعجم السبئي، مادة ״ ل ب ن ״، ص81.

(36) عبدالله، عبد الله، يوسف محمد، أوراق في تاريخ اليمن وآثاره، مجموعة بحوث ومقالات ط2، دار الفكر المعاصر، بيروت 1990م، ص223.

(37) الدبعي، عبدالرحمن سعيد، الخليدي، عبد الولي أحمد، النباتات الطبية والعطرية في اليمن، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء 1997م، ص143.

(38) ابن منظور، مصدر سابق، اللسان، مادة (لبن)، (13/377).

(39) Van Beek, Frankincense and Myrrh, B. A, New Haven, ASOR, Vol. 23, 1960, P. 72.

(40) Ibib, 71

(41) Groom, N. , op. cit, pp. 104-105.

(42) النعيم، نورة عبد الله العلي، الوضع الاقتصادي في الجزيرة العربية في الفترة من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الثالث الميلادي، دار الشواف للنشر والتوزيع، الرياض، 1992م، ص236.

(43) زيادة، نقولا، المرجع السابق، ص266، 267.

(44) Groom, N, op. cit, pp. 135-136.

(45) ابن منظور، المرجع السابق، اللسان، مادة (مرر)، (5/167).

(46) Van Beek, op. cit, P. 72.

(47) Thomas, Bcrtram, Arabia Felix, London, 1932, p123.

(48) Groom, N, op. cit, pp. 146,147.

(49) Van Beek, op. cit,p p,71,72.

(50) Groom, N. , op. cit, pp. 104-105

(51) Groom, N. , op. cit, p. 135,136.

(52) بيستون، وآخرون، المعجم السبئي، مرجع سابق، مادة ״ صر ف ״، ص144.

(53) المرجع نفسه، مادة ״ ذ ﮬ ب ״ ص38.

(54) Groom, N. , op. cit,. p. 12.

(55) النعيم، نورة، مرجع سابق، ص190، 191.

(56) علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج7، دار العلم للملايين، بيروت، مكتبة النهضة، ط1، بغداد، 1970م، ص238.

(57) الزبيدي، مصدر سابق، (باب بخر)، مادة (مرر)، (3/537).

 

التعليقات (0)