تل آراد في جنوب فلسطين

تل آراد في جنوب فلسطين

يقع تل آراد Arad أو عَرَاد بحسب التسمية الأصلية في جنوبي فلسطين - إلى الغرب من البحر الميت، وإلى الجنوب من الخليل، يبعد 30كم إلى الشمال الشرقي من بئر السبع، ويغطي نحو 10 هكتارات، وموقعه في مكان قاحل نسبياً، غير مناسب للزراعة، فأمطاره شحيحة، ولا توجد قربه ينابيع مياه، لكنه على مقربة من حدود منطقة الزراعة المطرية في فلسطين، وقد أجريت في الموقع ثمانية عشر موسماً للتنقيب، من عام 1962 إلى عام 1980م، وقد خصص أربعة عشر منها لمدينة العصر البرونزي المبكر.

بدأ السكن في الموقع منذ العصر الحجري النحاسي (في نحو 4000 ق.م)، واستمر في العصر البرونزي المبكر الأول والثاني، وربما الثالث أيضاً، ودمرت المدينة في نحو عام 2650 ق.م، ثم أعيد استيطانها مع نهاية الألف الثاني ق.م، وبقيت عامرة حتى عام 650م حين هجرت لأسباب اقتصادية.

ورد ذكر المدينة القديمة التي وجدت بقاياها في الموقع بصيغة عراد في التوراة (سفر العدد 21: 1)، وذكرت في المدونات المصرية القديمة منذ عام 1400 ق.م، حتى عام 350م، وقد ظهر اسمها على جدران معبد آمون في الكرنك، ضمن كتابة النصر للفرعون شيشنق الأول مؤسس الأسرة الثانية والعشرين (940-919ق.م).

يتكون الموقع - ذو الشكل شبه المثلث - من قسمين: الأول يتمثل بالمدينة المنخفضة التي تعود إلى العصر البرونزي المبكر، وهي محفوظة على نحو جيد؛ لأنها لم تسكن منذ ذلك العصر، ولم تخرب بعمليات زراعية. والقسم الثاني يشمل مرتفع القلعة عند الزاوية الشمالية - الشرقية من الموقع، وكان هذا المرتفع مأهولاً منذ عصر الحديد إلى العهد البيزنطي، وقد شيدت فوقه قلعة مربعة الشكل.

كانت المدينة في العصر البرونزي المبكر الأول غير مسورة، وعثر فيها على أوانٍ مصرية، على بعضها نقوش باسم الملك نعرمر، ملك توحيد مصر، أما في العصر البرونزي المبكر الثاني (3000- 2700ق.م) فقد حصنت المدينة تحصيناً جيدا بسور من الحجر على شكل حدوة الفرس، يصل طوله إلى 1170م،  وتراوح سماكته بين 2 و2.5م، وهذا السور مدعم بأربعين برجاً نصف دائري، يبرز كل منها إلى الخارج بنحو ، والمسافة بين البرج والآخر 25م.

تجمعت بيوت هذا العصر في جزر تفصلها ممرات، ولكل جزيرة مدخل واحد، وأبنية هذه البيوت غائرة في الأرض بعمق 50سم، ويدخل إليها بدرجتين أو ثلاث، وكانت مداخلها مزودة بأبواب خشبية مرتكزة على أوتاد، يضم البيت الواحد غرفة مستطيلة يكون مدخلها في أحد الجدارين الطويلين، وقد عدّت هذه غرفة المعيشة الرئيسة، وكانت تسبق في العادة بغرفة صغيرة توصل إليها. وحول الفنا توجد وحدات بنائية خدمية صغيرة مثل المطبخ وأماكن التخزين.

عثر في البيوت الكبيرة على آثار قواعد حجرية كانت تحمل أعمدة خشبية تسند السقوف، كما وجدت مصاطب حجرية تمتد على طول الجدران، وعثر قرب المنازل على مسطحات حجرية مستطيلة أو دائرية الشكل، يبدو أنها كانت تستخدم بمنزلة قواعد داخل حُفر حفظ الغلال، كذلك اكتشفت مخازن للحبوب على طول الجدار الغربي، تبرز ضمن هذه التجمعات السكنية عدة أبنية متميزة، وقد عدّت مجموعتان منها على أنهما معبد وقصر بسبب حجمهما الكبير، تتألف بناية المعبد من ساحة كبيرة في الأمام وغرفتين عريضتين تفصل بينهما غرفة صغيرة، وهناك سلسلة من الأبنية الواسعة تختلف في تصميمها عن الأبنية السابقة واستدل على أنها كانت مخصصة للنشاطات الإدارية، وتدل عظام الخراف والماعز الموجودة بكثرة في الموقع على قيام السكان بتربية قطعانها.

يبدو أن العلاقات بين مدينة عراد والأسرة المصرية الأولى (3100 -2890ق.م) كانت قوية في ذلك العصر، فقد اكتشفت في قبور مصرية جرار نموذجية من عراد المستوى الثالث، على بعضها رسوم لمدن مسورة ذات حصون وقلاع، تشبه المدن الفلسطينية ونظام تحصينها، كما عثر في مدينة أبيدوس المصرية على أوانٍ تحمل رسوماً هندسية هي مثلثات مملو ة بنقاط، ترجع أيضاً إلى عصر الأسرة الأولى، وقد وجدت في السوية الثانية من عراد أوانٍ مشابهة لها، وهي على الأغلب تعود في أصولها إلى تلك المدينة الفلسطينية. والملاحظ أن زوال مدينة عراد في العصر البرونزي المبكر الثاني قد ترافق مع ضعف العلاقات الاقتصادية بين مصر وبلاد كنعان في عصر الأسرة المصرية الثانية.

صورة بانورامية لتل آراد                                                         تل آراد - القلعة

في عصر الحديد (نهاية الألف الثاني ق.م) بنيت قلعة على المرتفع الشمالي- الشرقي، مخطط هذه القلعة مربع الشكل، وتبرز في زواياه أربعة أبراج مع برجين في كل ضلع، مدخل القلعة يتوسط الضلع الشرقية، وفي الجهة المقابلة للمدخل يوجد معبد ضم دكة مذبح، ويعود تاريخه إلى القرن السابع قبل الميلاد، توجد باحة مفتوحة في القسم الشرقي من القلعة، وإلى الغرب من الباحة تظهر غرف كان بعضها مشاغل للعمل، الوحدات السكنية مشيدة على الجهة الجنوبية من الباحة، وتمتد مع الجدار الجنوبي للقلعة، وقد كشف عن قناة لجلب المياه إلى خزانات محفورة في الصخر تقع تحت بعض مباني القلعة، وفي مراحل لاحقة بنيت جدران موازية لجدران القلعة الأصلية، ويبدو أن الغرض من بنا هذه الجدران تقوية الجدران الأصلية وزيادة سماكتها.

ومن الجدير بالذكر أنه عثر على مئة من الأوستراكا   ostraca؛ وهي الكسر الفخارية المدونة. وأخيراً يرجح أن يكون تاريخ تدمير القلعة بين عامي 597 و577ق.م إبان حملة الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني.


(موسوعة الآثار في سورية).

التعليقات (0)