قلعة أبي قبيس في حماة

قلعة أبي قبيس في حماة

"أبو قبيس" قلعة تقع في المنطقة التابعة إدارياً لمحافظة حماة، فهي تبعد 25كم إلى الشمال من مدينة مصياف، ويمكن الوصول إليها عن طريق بلدة سلحب - الدالية، فهي تبعد عنها 6كم باتجاه الغرب، وتقع على بعد نحو 2كم إلى الجنوب الشرقي من القرية الواقعة في بطن الوادي، وهي قرية "أبو قبيس" حيث يمر فيها نهر يحمل الاسم نفسه، وتنتشر حوله الكثير من المتنزهات السياحية الجميلة، وهنا يمكن مشاهدة العديد من الأبنية الأثرية المنتشرة بين مباني القرية.

وتتربع القلعة فوق إحدى القمم الجبلية المطلة على سهل الغاب على ارتفاع 950م، وهي تتمتع بموقع استراتيجي يسمح لها بأن تكون نقطة اتصال ومراقبة بين وادي العاصي شرقاً وشمالاً حيث توجد قلعة شيزر وحماة وأفامية وقلعة المضيق واللاذقية وجبلة في الساحل السوري، غرباً، ومصياف جنوباً، وليس ثمة تحديد دقيق لزمن بنائها، ولكن أكثر المصادر ترجح أن بنا القلعة يعود للعصر الروماني ضمن إطار القلاع التي قام الرومان ببنائها على القمم الغربية للجبال الساحلية، وقد بنيت القلاع البيزنطية على غرار القلاع الرومانية في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين.

وقد خضعت القلعة للعشائر الجبلية العربية التي سيطرت على القسم الجنوبي من جبال بهرا وتنوخ، وخضعت لسيطرة الحمدانيين والمرداسيين، ثم خضعت لسيطرة البيزنطيين بعد اتفاقية عام 359هـ/970م التي رسّمت حدود النفوذ بين القوتين على مسار العاصي الأوسط.

وفي عام 389هـ/999م استولى عليها الامبراطور البيزنطي باذيل الثاني Basil II، في أثنا حملته على وسط سورية، ودمرّ في أثنائها قلعة مصياف وقلعة شيزر، ويبدو أن الإبقاء على قلعة "أبو قبيس" وإعادة تحصينها من قبل البيزنطيين يأتي في سياق سياستهم في إخضاع العشائر العربية المنتشرة في جبال بهرا، وهناك إشارة إلى قلعة "أبو قبيس" في أحداث عام 423هـ/1032م عندما نزلت عساكر "الدزبري" قائد الجيش الفاطمي بجوار القلعة قبل أن تتوجه إلى حصن "بكنسرائيل" الذي كان يحاصره حاكم أنطاكية نيقيطا قطبان، وفي النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي خضعت قلعة "أبو قبيس" لسلطات مختلفة، فقد قام الأمير سيف الدين بن عمرون ببيعها مع قلعة الكهف والقدموس إلى الإسماعيلية النزارية عام 526هـ/1132م، ثم استحوذ عليها الفرنجة، ولم تحدد المصادر الفترة الزمنية التي بقيت فيها القلعة تحت سيطرة الفرنجة، ولكن هناك إشارة إلى استيلاء بني منقـذ أصحاب شيزر عليها سنة 563هـ/1168م، وفي العصر الأيوبي خضعت لنفوذ شيزر، وحماة أحياناً، وقد ورد اسم أمير قلعة "أبو قبيس" "خمارتكن" برفقة صلاح الدين الأيوبي عندما تعرض هذا الأخير لمحاولة اغتيال من قبل الإسماعيلية عام 570 هـ/1114م، وهناك إشارات إلى أن القلعة خضعت لمناطق نفوذ الدولة الأيوبية الجديدة، وبعد تحرير قلعة صلاح الدين من الفرنجة كانت قلعة "أبو قبيس" محررة ويحكمها الأمير ناصر الدين، وفي عام 594هـ/1198م ضمّت القلعة بالقوة إلى الاسبتارية الصليبية وكذلك قلعة المرقب، وكان عليها أن تدفع فدية تقدر بثمانمئة قطعة ذهبية.

قلعة أبي قبيس - البرجان الدائريان 

وفي مطلع القرن الثالث عشر الميلادي عادت القلعة إلى دائرة نفوذ أصحاب شيزر، ومن بعدهم حكام حلب، وهناك رواية تفيد أن حاكم شيزر شهاب الدين يوسف بن عز الدين مسعود سلّم كلا من شيزر و"أبو قبيس" للعزيز محمد بن الملك الظاهر ملك حلب إثر عصيانه عام 620هـ/1223م، ثم عاد الإسماعيليون واستولوا عليها، وقد قام بتجديدها نجم الدين الشعراني في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي بعد تعرضها لزلزال مدمرّ، حيث تداعت أبنيتها مما أدىّ إلى هجرها ونزوح السكان عنها وذلك عام 1001هـ/2951م.

قلعة أبي قبيس - لقطة من أسفل القمة  

ومخطط القلعة "بيضوي الشكل منتظم"، وتتألف القلعة من سور خارجي واسع يتركز بداخله مبنى القلعة الرئيس (الحصن) الذي يحميه سور ثانٍ مرتفع. وتتألف القلعة من أربعة أقسام هي: الأسوار الخارجية والمدخل والفسحة الداخلية والبنا الداخلي (الحصن)، وتمتد الأسوار الخارجية على أطراف الهضبة الصخرية أبعادها 54×17م مدعمة بثمانية أبراج دائرية ومربعة، ويتوضع المدخل الرئيس الخارجي للقلعة في الجهة الشمالية الشرقية للسور الخارجي حيث يتقدمه درج حجري، والمدخل محمي بوساطة برج مربع طول ضلعه ، ويتوضع في الزاوية الشمالية الغربية من سور القلعة الخارجي، ومحمي بوساطة برج مستطيل أبعاده 4.40× 90.4م، ويتوضع مباشرة أمام المدخل الرئيس ضمن السور الخارجي ما بين البرجين الدائريين رقم 2-3، ومن المعروف أن هذا الطراز المعماري عرفته العمارة العسكرية السورية خلال القرن الثاني عشر الميلادي كما هو الحال في قلعة صلاح الدين وقلعة الحصن، ويعدّ هذان البرجان منطقة حماية خارجية مهمة لمدخل القلعة وتزيده تحصيناً، ويزيد في منعته حصره بين برجين صغيرين مربعين (البرجين 2-3)، إضافة إلى مرمى للسهام يتوضع إلى جانب هذا الباب، وقد بني هذا المدخل بنا ً جيداً من حيث المخطط أو مواد البناء، وزود بمزلاج لإنزال ساتر حديدي يزيد في تحصينه وهو أمر معروف أيضاً في قلاع القرن الثاني عشر للميلاد.

منظر عام لقلعة أبي قبيس 

ويفضي المدخل عبر ممر منكسر بزاوية قائمة (باشورة)، وعبر درج حجري إلى الغرب إلى الفسحة الواقعة بين السور الخارجي والحصن الداخلي.

والحصن الداخلي يطلق عليه اسم "القلة"، شكله بيضوي ويرتفع عن السور ارتفاعاً ملحوظاً مما يسمح بالمراقبة على محيط الصحن، ومدخل هذا الحصن يقع في الجهة الشمالية أيضاً ضمن برج مربع طول ضلعه 03.7م، وقد زود بغرفة حراسة جانبية تعود زخرفتها إلى القرن 7هـ/13م، كما زود الحصن الداخلي بعدد من الأبراج الدائرية الموزعة على محيطه، فمن الجهة الشرقية الأبراج ذوات الأرقام 11- 12- 14، ومن الجهة الشمالية الغربية البرج رقم 13: والبرج الرئيس يحتل القسم الجنوبي من الحصن ويعود إلى مرحلة البنا الأولى للقلعة ويحمل الرقم 12، أما في الجانب الجنوبي للقلعة فيتوضع البرج الدائري الضخم الذي يصل قطره الداخلي إلى 5.5م والخارجي إلى 7.7م، وقد بقي من المراحل الأولى لبنا القلعة.

ويضم الحصن الداخلي ثلاثة صفوف من القاعات والفراغات، وهي صفّان من الجهة الشرقية وصف واحد من الجهة الغربية، إضافة إلى وجود فتحات بعضها مخصصة للإنارة والأخرى لرمي النبال، وهي غير موجودة في الجهة الشرقية، حيث عوّض عنها بسفوح دفاعية متقنة تصل إلى أعلى الجدران، ويتفاوت عرض الطريق وسط القلعة ما بين 2.5- 1.6م وإلى 1.3 م أحياناً بحسب الضرورة وما يفرضه واقع التضاريس من الكتلة الصخرية التي تبرز من أكثر من نقطة على مسار الطريق، كما يعود ذلك إلى وجود جدران إضافية من الداخل لحمل عقود التغطية.

وقد تّم الكشف داخل الحصن عن مبنى مسجد بجوار البرج رقم -11-، وهو مستطيل الشكل 6.5× 5.5م، ويضم ساحة مركزية ومحراباً، وتتصل كتلة البنا من الجهة الجنوبية بقاعة مستطيلة غير واضحة المعالم، وربما كانت تابعة لبنا الجامع قبل أن يتم فصلها بوساطة جدار، وقد تم استغلال الفراغ بين الحصن الداخلي والسور الخارجي ببنا العديد من المنشآت السكنية والخدمية الملحقة بالسور الخارجي وتضم العديد من صهاريج المياه.

ومازالت القلعة اليوم - على الرغم من الجهود التي بذلت مؤخراً في سبيل إظهارها وكشف العناصر المعمارية المكونة لها - تحتاج إلى مشاريع ترميم وإظهار مركزها، وإلى إجراء العديد من الدراسات المعمارية بهدف إظهار مميزاتها.


(موسوعة الآثار في سورية).

التعليقات (0)