الجنوب العربي: الاستعمار، الثورة، والاستقلال (3)

الجنوب العربي: الاستعمار، الثورة، والاستقلال

(الجزء الثالث)

المبحث الثاني

ثورتا سبتمبر وأكتوبر ودورهما في استقلال الجنوب العربي

لماذا سعت بريطانيا من أجل قيام سلطة مستقلة في عدن، في وقت كان فيه الثوار في صنعاء يواجهون خطر تنامي هجمات القوى الأمامية الملكية على النظام الجمهوري، في محاولة لعودة الحكم الأمامي إلى كرسي السلطة؟

تتحدد الإجابة بتقصي الحقائق في التصور البريطاني لقيام دولة الجنوب العربي المستقل بعد قيام ثورة 26 من سبتمبر 1962م فقد أدركت بريطانيا سلفًا أبعاد الثورة اليمنية في المناطق المحتلة، فعزمت في مخطط اتجاهه الأول: على التحالف مع القوى الامامية الملكية، لاستنزاف القوى الثورية بعضها ببعض، أو القيام بهجمات عسكرية من قبل القوات الإمامية، واتجاهه الثاني: يهدف إلى عزل الثورة اليمنية عن المناطق الجنوبية (المحميات)، وبالتالي تُكوَّن حكومة تضم عدن وبقية المناطق في الجنوب العربي، بخلق دولة تحل مكان السلطة البريطانية وتسمى "دولة اتحاد الجنوب العربي".

فقامت السلطات البريطانية بدمج عدن في حكومة الاتحاد والإعلان عن تشكيل حكومة الاتحاد برئاسة حسن علي بيومي زعيم الحزب الوطني الاتحادي، وجرى التصديق على دمج عدن في الحكومة بوصفه رئيسًا لها وصدق على الدمج المجلس التشريعي الاتحادي ومجلس العموم البريطاني، وأُعلن بأن الحكومة الاتحادية تتكون من (24) عضوًا، وقصد بذلك مناهضة الثورة اليمنية من جهة، ومن جهة ثانية اتخذتها الحكومة البريطانية تكتيكًا سياسيًا قد يؤدي إلى تنفيذ مراميها في تأخير بريطانيا اعترافها بالجمهورية العربية اليمنية كمساومة للاعتراف بدولة الاتحاد من قبل العاصمة صنعاء(27).

كانت ثورة 26 سبتمبر منذ انطلاقها تسعى لوحدة النضال ضد الإمامة وبريطانيا معًا، واقترن هذا في توجهات الثورة وأهدافها، فبعد قيامها عُيِّن قحطان الشعبي مستشارًا بدرجة وزير في أول حكومة جمهورية (28).

وفي معترك علاقة سلطة الثورة بقضية تحرير الأراضي الجنوبية المحتلة كانت ضمن هدف استراتيجي لثورة 26 سبتمبر، وزاد من تطور تلك العلاقة ازدياد وعي القوى المعارضة للاحتلال البريطاني، والتنسيق مع تنظيم الضباط الأحرار، وشكّل عبدالله المجعلي وناصر السقاف وعلي ناصر العنسي حلقة وصل بين فصائل القوى المعارضة لتحرير الجنوب وحكومة الثورة، فقد وجه عبدالله المجعلي، رسالة للرئيس السلال في 21 فبراير 1963م جاء فيها: "نلتمس أمركم بتعيين السيد قحطان الشعبي وزيرًا لشؤون الأراضي المحتلة، لأنه الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يجمع أبناء الأراضي اليمنية المحتلة حول أهداف الثورة والجمهورية، بالنسبة لمعركتنا في الأراضي المحتلة.. وننتظر اليوم الذي نخوض فيه المعركة بحد السلاح ضد الاستعمار البريطاني كجبهة تحرير موحدة، تشمل جميع المناضلين الذين يؤمنون بوحدة الإقليم اليمني، واستجاب السلال للالتماس الوارد في الرسالة بتعيين قحطان الشعبي، مصدرًا قرارًا بذلك"(29).

 وفي 24 فبراير 1963م عُقد في دار السعادة بصنعاء مؤتمر القوة الوطنية اليمنية، إلى جانب ممثلين عن الضباط الأحرار، وقادة حركة القوميين العرب، وتوصل المجتمعون إلى توحيد الحركة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري والدفاع عن ثورة 26 سبتمبر (في نطاق جبهة وطنية موحدة)، واتخاذ الكفاح المسلح وسيلة لتحرير الأراضي اليمنية، وشُكلت لجنة تحضيرية على رأسها قحطان الشعبي"(30).

وفي 7 مارس 1963م ألقى الرئيس عبدالله السلال خطابًا دعا فيه أبناء مناطق الجنوب العربي إلى النضال الثوري لتحرير بقية أجزاء الوطن من الاستعمار.. وفي اليوم التالي 8 مارس قدمت اللجنة التحضيرية سالفة الذكر مشروع ميثاق تكوين الجبهة إلى الاجتماع الموسع، الذي أعلن فيه بانتقال فكرة الثورة اليمنية المسلحة من حيز الإيمان النظري إلى حيز التطبيق العملي(31).

واتساقًا مع أهداف الثورة، قامت الجمهورية اليمنية يوم 22 يونيو 1963م بأسر مجموعة من رجال الخدمة البريطانية المكونة من (44) فردًا، وأشرفت قيادة الثورة برئاسة السلال في 2 فبراير 1964م على عملية قصف مقر الضابط البريطاني في ردفان / لحج(32).

هذا التوجه في حركة الثورة وتطورها، دفع الرئيس جمال عبدالناصر لزيارة اليمن في يوم الثالث والعشرين من أبريل 1964م واتفق مع الرئيس السلال على استراتيجية العمل الثوري ضد الوجود البريطاني، في الأراضي اليمنية المحتلة، وعُرفت تلك الاستراتيجية بعملية صلاح الدين، وهو اسم كودي حربي لخطة حربية من أجل تقوية نضال الثورة اليمنية ودعمها، وتنفيذ هدف تحرير الأراضي المحتلة من الاستعمار.. وقد كشف أحد كبار القادة المصريين في مذكراته بداية العملية قائلًا: "إنه في اليوم التالي لوصول عبدالناصر اليمن، ألقى خطابًا، في حشد جماهيري كبير بمدينة تعز، وكان خطابه نقطة تحول مهمة في تاريخ اليمن، وفي تاريخ حرب اليمن؛ لأن ذلك الخطاب كان مولد حرب جديدة في جنوب الجزيرة العربية أو ظهور عملية صلاح الدين لتحرير الأراضي اليمنية من بريطانيا(33).

وأصبحت مدينة تعز قاعدة لتدريب وتسليح ثوار التحرير، بمختلف فصائلهم لتنفيذ عملية صلاح الدين، وفق تطبيق مضامين الخطة العملية والعسكرية لتحرير المناطق الجنوبية والشرقية اليمنية من بريطانيا.

"أكد وزير الدفاع البريطاني "بيتر تورينكر" في مجلس العموم البريطاني بلندن يوم 14 مايو 1964م أن رجال القبائل – أي الثوار – يتم تدريبهم تدريبًا جيدًا مع تزويدهم بالأسلحة الأوتوماتيكية والمدافع من قبل حكومة الثورة اليمنية مما يستلزم استخدام الحكومة البريطانية الطائرات إلى جانب القوات البرية في القتال، مذكرًا مجلس العموم البريطاني بأهمية تكرار ما حدث في 28 مارس 1964م حين قامت طائرات سلاح الجو البريطاني بشن غارة عنيفة على منطقة حريب في الجمهورية العربية اليمنية، وهاج الرأي العام العربي والعالمي، وأعلنت الحكومة البريطانية، في لندن أن الغارة جاءت ردًّا على الأعمال التخريبية، التي تقوم بها الجمهورية اليمنية في منطقة (ردفان) جنوب اليمن(34).

 وقد اعتبرت بريطانيا نضال الثوار وعملياتهم في ردفان أعمالًا تخريبية من جانب الجمهورية اليمنية، لأن النظام الجمهوري في صنعاء والثوار في ردفان هم جانب واحد عنوانه ثورة 26 سبتمبر"(35).

"ردت القوى الثورية، على السياسة البريطانية ببيان مشترك من الهيئات الوطنية في عدن، قررت فيه الإجماع على التمسك بجلاء الجنود البريطانيين عن عدن وإزالة القاعدة البريطانية منها"(36).

في 12 أكتوبر 1964م احتجت حكومة الجمهورية اليمنية على الاعتداءات البريطانية ضد المواطنين في عدن، وقدمت هذا الاحتجاج إلى مجلس الأمن الدولي(37).

اتخذت حكومة بريطانيا سياسة الخنق والحصار، لإسقاط الثورة والنظام الجمهوري، متخذة أساليب التحالفات المتعددة فيما بينها وبين الدول المجاورة، التي تدعم تجمعات الجيش الامامي، الذي يقودها بروس كوند، كما ركزت السياسة البريطانية على شق الصف الجمهوري وإظهار مشاريع بديلة عن أهداف الثورة، مثل مشروع دولة اليمن الإسلامية عام 1965م وظهور الذين سموا أنفسهم القوة الثالثة(38).

كانت الصراعات على الثورة اليمنية قد وصلت أوج قوتها، لبروز الخلافات الإدارية والوظيفية والسياسية، على سطح العلاقات بين جميع القيادات السياسية الثورية، متسببًا في إقالة الحكومة السادسة، حيث تم في 20/4/1965م تشكيل الحكومة السابعة برئاسة الأستاذ أحمد محمد نعمان، لتمثل رمزًا للتلاعب بأهداف الثورة، لأنها خلت من منصب يهتم بشؤون المناطق المحتلة التي تشكل المناطق الشرقية والجنوبية من اليمن(39).

وعدّت حكومة لندن وضعية حكومة صنعاء فرصة ذهبية لا تعوض، فعملت على صياغة استراتيجية سياسية جديدة تحقق أهدافها بعدم خضوع عدن لصنعاء، وذلك على خطوات مترتبة كالآتي:

- دعوة السلاطين وفصائل التحرير (الجبهة القومية – جبهة التحرير) إلى مفاوضات مع حكومة بريطانيا بشأن إقامة حكم ذاتي مستقل عاصمته عدن، وعند موافقة تلك الأطراف يتم التفاوض حول جلاء القوات البريطانية وإقامة دولة مستقلة*(40).

- منح أقوى فصائل التحرير وهو فصيل الجبهة القومية، في اتجاه يحقق استقلالية الجبهة القومية عن حكومة الثورة في صنعاء والتعاطي مع قبول الحكومة البريطانية بقيام حكم ذاتي باسم دولة الجنوب العربي.

- توضيح السياسة البريطانية حيال وضع استقلال المناطق المستعمرة، وهو استقلال لا يعني حكومة صنعاء، بل بحسب الاتفاقات والمعاهدات السابقة بين حكومة بريطانيا والدولة العثمانية، في بداية القرن العشرين، ثم بين بريطانيا والإمام يحيى حميد الدين، في ثلاثينيات القرن نفسه، وقد وُضِّح بذلك كما جاء في صياغة الكتاب الأبيض الذي سنتطرق إلى محاوره.

تنبهت التيارات الثورية والجمهورية لخطوة وضع حكومة النعمان باستبعاد وزير شؤون المناطق المحتلة، والتحدث عن مؤتمر لندن، فشُكِّلت الحكومة الثامنة، وأعيد فيها منصب وزير شؤون الجنوب المحتل وتلتها الحكومتان التاسعة والعاشرة متضمنتان المنصب نفسه، لكي تظهر شرعيتهما الثورية والوطنية.

كانت رسالة الشرعية الثورية لقيام الحكومة الثامنة – وتمسكها في التشكيل بالبنية الجغرافية والبشرية والسياسية وتأييد المظاهرات في عدن يوم 20 يوليو 1965م لتوجهاتها الثورية، قد وصلت إلى دهاليز السياسة البريطانية، فما كان من الخارجية البريطانية في 22 فبراير 1966م إلا إصدار الكتاب الأبيض، معلنة فيه انسحابها من عدن وبقية المحميات في عام 1968م كان الهدف من صدور الكتاب الابيض يتمحور في الآتي:

- ايجاد انشقاقات في فصائل التحرير، لأن كل فصيل يرى أنه أحق بإدارة السلطة في الأراضي المستعمرة، وبتاريخ 10 أكتوبر 1966م احتدم الصراع بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، ووقفت السلطات البريطانية بجانب الجبهة القومية، ليس حبًّا فيها وإنما لمعرفتها بأنها ستقوم عند انسحاب بريطانيا بتكوين دولة إيديولوجية، لا تتفق مع تكوين النظام الجمهوري في صنعاء**(41).

- تطور الصراع المسلح بين فصائل التحرير سيؤدي إلى إرباك حكومة الثورة وإضعاف تياراتها المبدئية المؤمنة بواحدية الثورة اليمنية.

- إضعاف اليسار الثوري وغرس الفُرقة والقطيعة في صفوف قيادة الثورة ونشر روح الإحباط في نفوس الفرقاء الجمهوريين وتوحيد القوى الملكية الإمامية المعادية للثورة والنظام الجمهوري في جبهة منظمة تستطيع القضاء على النظام الجمهوري قبل عام 1968(42).

وفي 11 فبراير 1967م شهدت مدينة عدن مظاهرات جماهيرية عارمة، مقاطعةً للاحتفالات بذكرى قيام (اتحاد الجنوب العربي) ومطالبة بانضمام الأراضي اليمنية المحتلة إلى سلطة حكومة الثورة اليمنية رافعة صور الرئيس السلال وأهداف الثورة اليمنية(43).

في الجانب الآخر شعرت الحكومة البريطانية بخطورة المرامي السياسية لتلك المظاهرات، فبعثت إلى عدن اللورد شاكلتون مبعوثًا لوزير الخارجية البريطاني، لدراسة الموقف في عدن والمحميات، وتقييم الوضع الراهن فيها، وعند وصوله إلى عدن يوم الثاني عشر من أبريل 1967م أجرى شاكلتون اتصالات ولقاءات علنية وسرية، مع مختلف الفرقاء والأطراف من الجبهة القومية وقيادة جبهة التحرير ورموز سلاطينية، وفي ختام مهمته أفصح بأن حكومة العمال البريطانية، تسعى لتنفيذ خطة في عدن والمحميات، لتكوين حكومة واحدة، تناهض حكومة الثورة في صنعاء، وأوحى شاكلتون في تقريره بأن لا تخسر الحكومة البريطانية الأطراف والفصائل المتصارعة على إقامة حكم ذاتي في مفاوضات الاستقلال، لأن كل طرف سواء جبهة التحرير أو الجبهة القومية أو حزب الرابطة أو السلاطين والمشايخ، يرغب في إقامة حكومة مستقلة عاصمتها عدن، ليس لها ارتباط بحكومة صنعاء، واستحسن في التقرير التعامل مع الجبهة القومية، لأن لديها الكفاءات القيادية المتعلمة والمتمكنة بالعمل السياسي، وبالتالي المقدرة لإقامة دولة إيديولوجية في المناطق التي تحتلها بريطانيا(44).

في ذلك الوقت أثرت هزيمة 5 يونيو 1967م على الوضع السياسي في اليمن، فقد سُحِب الجيش المصري من اليمن، وقُطع الدعم المادي عن الثورة اليمنية ونظامها الجمهوري، الأمر الذي أفضى إلى خضوع الأراضي اليمنية المحتلة، إلى ترتيبات تأخذ بالتأثيرات الخارجية للدول العظمى ذات المصالح الحيوية في الخليج والجزيرة العربية، وكانت بريطانيا من الدول العظمى، التي وضعت يدها في صورة الترتيبات، لتنعكس على المفاوضات التي جرت في جنيف لتحديد مستقبل الوضع في الجنوب العربي بين الجبهة القومية ووفد الحكومة البريطانية برئاسة الوزير شاكلتون نفسه، بما يحقق رغبة الطرفين في قيام دولة مستقلة عاصمتها عدن، ولكن كان عليها أن تتخلص من حكومة الاتحاد الضعيفة(45).

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الرابع)


(27) أحمد عطية المصري، نصرية اليمن الديمقراطية، 1950-1972م القاهرة 1974م. ص38.

(28) محمد حسين الفرح، واحدية الثورة اليمنية، صحيفة الوحدة، العدد (263) 27/9/1995م، ص20.

(29) صحيفة 26سبتمبر العدد (394) 23 نوفمبر 2000م، ص12.

(30) صحيفة الوحدة العدد (264)، 4/10/1995م، ص5.

(31) انظر: عبدالفتاح إسماعيل، حول الثورة الوطنية الديمقراطية وآفاقها الاشتراكية، المجلد الأول، دار الفارابي، بيروت، 1979م، ص16.

(32) انظر: اليمن في 100 عام، مركز البحوث والمعلومات، ص 112.

(33) محمد الفرح، وأحدية الثورة، ص 21.

(34) صحيفة الوحدة 18 أكتوبر 1995م، ص13.

(35) محمد الفرح نفس المرجع، ص21.

(36) أحمد عطية المصري، النجم الأحمر فوق اليمن، بيروت، 1988م، ص113.

(37) اليمن في 100 عام مصدر سابق، ص112.

(38) محمد الفرح، واحدية الثورة، ص21.

(39) ادجار اوبلانس، مصدر سابق، ص254.

(40) بالفعل تم التحضير لعقد مؤتمر لندن لتنفيذ هذه الخطوة على الرغم من اختلاف الفصائل فيما بينها في أثناء انعقاد المؤتمر في أغسطس 1965م.

(41) من الملاحظ أيضًا أن وقوف بريطانيا إلى جانب الجبهة القومية إنما كان نكاية لعبدالناصر الذي يؤيد جبهة التحرير.

(42) عبدالله الجابري، الجنوب العربي في سنوات الشدة، جدة، 1968م، ص127.

(43) التقرير السياسي إلى المؤتمر الثاني لاتحاد الشعب الديموقراطي، عدن، 1975م، ص2.

(44) انظر: صلاح العقاد، جزيرة العرب في العصر الحديث، القاهرة، 1969م، ص117.

(45) انظر: اليمن في 100 عام مصدر سابق، ص130.

التعليقات (0)