دور القتبانيين والسبئيين وأتباعهم من سكان مدن الجوف ونجران في فشل حملة اليوس جالوس الرومانية على العربية السعيدة عام 24 ق.م (5)

دور القتبانيين والسبئيين وأتباعهم من سكان مدن الجوف ونجران

في فشل حملة اليوس جالوس الرومانية على العربية السعيدة عام 24 ق.م

(الجزء الخامس)

ثالثاً - دور سكان نجران في فشل الحملة الرومانية:

معركة نجران الثانية:-

لعل مدينة نجران كانت تتبع لسبأ قبل قدوم الحملة الرومانية، ولا يستبعد ذلك طالما وهذه الدولة قد مدت نفوذها إلى مدن الجوف الواقعة بالقرب من هذه المدينة، ومن ثم سيطرت على نجران لأهميتها بالنسبة لسبأ لوقوعها على طريق قوافلها نحو البحر المتوسط.

وأياً كان الأمر لعل نجران كانت من ضمن المدن التي تمردت على الرومان بتحريض من حاكم سبأ (اليساروس)(اليشرح)، وبسبب ذلك توجه أليها جالوس وجنوده بعد هزيمتهم لسكان مدن الجوف، وفي هذه المدينة دارت معركة كبيرة بين النجرانيين وحلفائهم من المنهزمين من مدن الجوف ومأرب والرومان، ونستدل على كل ذلك من قول بليني أنها من المدن التي دمرها جالوس([1])، وسترابو هو الوحيد الذي ذكر هذه المعركة بصورة عابرة ولم يعط  أية معلومات عنها، علماً بأنه لم يقصد المعركة الأولى التي وقعت في هذه المنطقة عند وصول الحملة الرومانية إليها، فقد ذكر هذه المعركة بالقول وصل – أي جالوس وجنود حملته-إلى مدينة ـ ( النجرانيين) وأرض خصبة جنحت للسلم، أذ فر ملكها وأخذت المدينة في أول هجوم عليها([2])، بينما هذه المعركة الثانية يرجع زمنها إلى فترة عودة الحملة الرومانية للقضاء على تمرد سكان مأرب ومدن الجوف ونجران على الرومان، بدليل قول سترابو أن جالوس بعد رحيله من مأرب وخلال تسعة أيام وصل إلى نجران حيث دارت المعركة([3]).

وفيما يتعلق بسير وقائع معركة نجران الثانية فقد سكت سترابو عن ذكرها، لكن لعل في هذه المدينة احتشد حاكم مأرب بما تبقى معه من جنود ورجال مأرب وحكام مدن الجوف التي دمرها الرومان وما تبقى من فلول جنودهم وسكان هذه المدن لاسيما من الرجال الذين هربوا منها على إثر تخريبها من قبل الرومان، وشكلوا مع سكان نجران جبهة واحدة لحرب الرومان وصدهم عن المدينة، أما الرومان وبعد وصولهم إلى مدينة نجران فقد شنوا الحرب عليها، ودارت بالقرب من أسوارها رحى حرب شديدة بين الطرفين استطاع على إثرها الرومان دخول المدينة، لتستمر المعركة داخل المدينة، ونتج عنها  تدميرها من قبل جالوس.

وقد سكت سترابو عن ذكر نتائج هذه المعركة، مما يدل أن نتيجتها لم تكن لصالح الرومان، رغم التدمير الذي ألحقه جالوس بالمدينة، ويمكن القول أنها انتهت بهزيمة الرومان، ونستدل على ذلك من الرحيل النهائي لجالوس وجنوده من العربية السعيدة بعد هذه المعركة والذي ذكره سترابو بالقول: وخلال تسعة أيام وصل إلى نجران حيث دارت المعركة، ومن هناك بلغ في اليوم الحادي عشر منطقة تدعى (الآبار السبعة) سميت بذلك، لأن بها (سبعة) آبار ثم اتجه منها إلى مصر([4]). 

ومن عوامل هزيمة الرومان في معركة نجران الثانية رعونة وتهور جالوس الذي زج بجنوده في معارك متتالية، اقتحموا فيها المدن ودمروها خلال مدة وجيزة، لا تتعدى 9 أيام  فبعد سيطرته على مأرب وتدميرها قاد جنوده باتجاه مدن الجوف وخلال هذه المدة القصيرة خاض أولئك الجنود حروب مستمرة مع سكان هذه المدن استطاعوا فيها تدمير مدن لابيتا وكامينا قوس وماجوسوس ونيسكا ونيستوس دون أن يسيطروا عليها، ثم وصل في اليوم التاسع إلى نجران ليخوض فيها معركته السادسة والأخيرة، أي أن جيش الرومان كان يخوض كل يوم ونصف معركة يدمر فيها مدينة.

وكل ذلك أنهك قواهم وقلل من عددهم بسبب قتل الكثير منهم في معاركهم في مأرب ومدن الجوف، وما أن حدثت معركة نجران حتى كان الجنود الرومان المهاجمون لهذه المدينة منهكين بسبب كثرة المعارك التي خاضوها لمدة تسعة أيام متواصلة، بينما المدافعون عن نجران كانوا اقل تعباً وإنهاكاً خاصة من سكانها مما ساعد على إلحاق الهزيمة بجالوس وجنوده في نجران، أما بالنسبة لأسباب انتصار العرب في هذه المعركة لعلها تعود إلى وقوف المدافعين عن نجران صفاً واحداً وقتالهم الرومان حتى إلحاق الهزيمة بهم، وهكذا كان دور سكان نجران حاسماً في هزيمة الحملة الرومانية، وكان من أهم نتائج هذه الهزيمة في نجران رحيل جالوس ومن تبقى معه من جنود الحملة من العربية السعيدة نهائياً إلى مصر وبذلك فشلت الحملة الرومانية في السيطرة على هذه المنطقة.

 (الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)

(الجزء السادس)


([1])   انظر: pliny , Natural History ,  vol,1v.B.v1,- ch 33-,p.460

 محمود شكري، بلاد العرب ، ج1 ، ص 139؛ العبادي ، اليمن ، ص206.

([2])  ,p.361. Strabo ,The Geography of Strabo ,vol,V!!,  Book XV1,4,. Ch 24

 جبرا ، بلاد العرب ، ص 266؛ العبادي ، اليمن ، ص181.

([3])   انظر:  ,p.363.  Strabo ,The Geography of Strabo ,vol,V!!,  Book XV1,4,. Ch 24

جبرا ، بلاد العرب ، ص 266؛ العبادي ، اليمن ، ص 186 -187 .

([4])   انظر:  ,p.363.  Strabo ,The Geography of Strabo ,vol,V!!,  Book XV1,4,. Ch 24

 جبرا، بلاد العرب، ص 266؛ الأدهم، بلاد اليمن، ص173 -174؛ العبادي ، اليمن، ص 187 -188.

التعليقات (0)