الكتاتيب في الحرمين الشريفين وما حولهما

الكتاتيب في الحرمين الشريفين وما حولهما

الكتاب جمعه كتاتيب، وهو موضع تعليم القراءة والكتابة، وهو من المؤسسات التعليمية الهامة التي وجدت في المجتمع الإسلامي لتثقيف الصغار، وتربيتهم التربية الإسلامية الجيدة.

ويرى البلاذري أن الكتاب كان معروفاً قبل ظهور الإسلام، بدليل أنه كان في مكة عدد لا بأس به ممن يعرفون القراءة والكتابة، نظراً لأغراض التجارة ونحوها، ويذكر أيضاً أن عدد القرشيين الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة عند ظهور الإسلام بلغ عددهم سبعة عشر رجلاً، وهذا يدل على وجود أماكن لتعليم القراءة والكتابة في مكة قبل ظهور الإسلام.

على أن الأستاذ عبد الرحمن صالح عبد الله يرد على ذلك بقوله: "والواقع أن هذا الإستنتاج غير طبيعي، فالقرشيون كانوا على اتصال بالأمم المجاورة لاشتغالهم بالتجارة، فهناك احتمال كبير بأنهم أخذوا القراءة والكتابة عمن اتصلوا بهم.

والحقيقة أن أماكن تعليم القراءة والكتابة كانت موجودة قبل الإسلام، سواء في مكة أو غيرها، وربما كانت لها أسماء غير اسم الكتاب، وكان الهدف من وجودها هو تعليم القراءة والكتابة فقط، ذلك لأن الأساتذة الذين كانوا يقومون بمهمة التدريس في هذه الكتاتيب لم يكونوا قد دخلوا الإسلام.

كما يجب ألا ننسى مكانة مكة المكرمة الثقافية في تلك الفترة، فهي محط الشعراء والأدباء والعلماء وحولها كانت تقام أسواق العرب الكبرى، والتي يفد إليها فطاحل الشعراء والأدباء للمنافسة بقصائدهم، وكتب الأدب العربي مليئة بتلك القصائد.

لكن عندما ظهر الإسلام، تأثر التعليم بالروح الإسلامية العظيمة، ووجدت أماكن جديدة للتعليم والتثقيف تتمشى مع تعاليم الدين الإسلامي هي: المسجد الذي كانت تعقد فيه حلقات العلم للصغار والكبار، وقد طبعها الإسلام بالروح الإسلامية، فانتشرت المساجد، وانتشرت معها الكتاتيب في كل مدينة أو قرية، وذلك لرفع المستوى الثقافي لأبناء الأمة الإسلامية.

كذلك تم تنظيم الكتاتيب ووضع برامج تعليمية لها، تركزت في تعليم القرآن الكريم تلاوة وحفظاً، والقراءة والكتابة والحساب، ولم يعد المنزل هو المكان الوحيد لتلقى التعليم، ولكنه امتد أيضاً إلى المسجد، حيث أصبحت كثير من الكتاتيب تحتل بعض زوايا المساجد، ويرجع اهتمام الناس بالتعليم ودراسة القرآن الكريم إلى العوامل الرئيسية التالية:

- إن الدين الإسلامي يحث على القراءة والكتابة، فلقد جاء الإسلام ونزلت أول آيات القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها حث على التعليم قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، [العلق: 1-5].

ثم نوه القرآن الكريم في آيات كثيرة بأهمية العلم وطلبه ومنزلة العلماء الرفيعة.

قال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، [الزمر: 9].

وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، [المجادلة: 11].

وقال سبحانه: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، [طه: 114].

وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}، [العنكبوت: 43].

وورد في الحديث الشـريف أيضاً حث للناس على طلب العلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع"، رواه أنس بن مالك، وأخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي وقال: حسن.

كذلك فإن الإسلام كان حريصاً على نشر العلم والمعرفة، ولم يفرق في ذلك بين ذكر وأنثى، بل جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم اللغات الأجنبية التي كانت سائدة في ذلك العصر، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت كاتب الوحي في السنة الرابعة من الهجرة بتعلم العبرية لغة اليهود، وقال له: "تعلم كتاب اليهود فإني والله ما أمن اليهود على كتاب" وفي رواية أخرى: "أنه يأتيني كتب من ناس لا أحب أن يقرأها أحد، فهل تستطيع أن تعلم كتاب العبرانية؟ فقال نعم".

وعن زيد بن ثابت: "أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا اليه"، رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأحكام.

وبذلك نجد أن الإسلام قد أطلق عقول المسلمين، وحثهم على التعليم والتفكير والتدبر في ملكوت الأرض والسماوات.

ومن الإجراءات التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم لرفع مستوى التعليم بين المسلمين في صدر الإسلام، أن جعل فدية الأسير المتعلم من الكفار مقابل فك أسره بعد غزوة بدر، هو أن يقوم بتعليم عشرة من المسلمين الأميين القراءة والكتابة.

- اتساع رقعة الدولة الإسلامية قد أدى إلى انشاء الدواوين، وتعدد اختصاصاتها رغبة من الدولة الإسلامية في تنظيم إدارة الدولة على أسس سليمة، فكان لزاماً على كل من أراد الالتحاق بخدمة الدولة أن يكون ملما بالقراءة والكتابة والحساب، وبذلك سارع الناس للتزود بالعلم النافع الذي يخدمهم في دينهم ودنياهم.

ويذكر أن أول من جمع الأولاد في الكتاب في الإسلام هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمر عامر بن عبد الله الخزاعي أن يلازمهم للتعليم، وجعل رزقه من بيت المال، وكان منهم البليد والفهيم، فأمره أن يكتب للبليد في اللوح، ويلقن الفهيم من غير كتابة، وكان عمر رضي الله عنه يشهدهم على الأمور التي يخاف عليها الانقطاع بطول الزمان كالنسب والجنس والولاء، فسأله الأولاد التخفيف، فأمر المعلم بالجلوس بعد صلاة الصبح إلى الضحى العالي، ومن صلاة الظهر إلى صلاة العصر، ويستريحون بقية النهار إلى أن خرج إلى الشام عام فتحها، فمكث شهراً، ثم إنه رجع إلى المدينة المنورة وقد استوحش الناس منه، فخرجوا للقائه، فتلقاه الصغار على مسيرة يوم، وكان ذلك يوم الخميس، فباتوا معه، ورجع بهم يوم الجمعة، فتعبوا في خروجهم فشرع لهم الإستراحة في اليومين المذكورين، فصار ذلك سنة، ودعا بالخير لمن أحيا هذه السنة ودعا بضيف الرزق لمن أماتها.

وقد استمر التعليم في الكتاتيب على النحو الذى نشأ في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي عهد الدولة الأموية ظهر عدد من المعلمين الموهوبين الذين لمعوا في المجتمع الإسلامي، ومن أشهرهم: الضحاك بن مزاحم (ت 105هـ)، الكميت بن يزيد (ت 126هـ)، وعبد الحميد الكاتب (ت 132هـ) ومن أشهر من كتبوا عن الكتاتيب إخوان الصفا، والغزالي، وابن جماعة، وابن خلدون، ونصر الدين الطوسي، وابن حجر الهيثمي، وقد جمع الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار هذه الكتابات لإخوان الصفا وغيرهم، وقام بتحقيقها ووضعها في كتاب سماه "آداب المعلمين" ويعتبر هذا الكتاب من أحسن الكتب التي كتبت عن طرق التعليم في الكتاتيب وغيرها، وأتي بعد إخوان الصفاء القابسي، والذي ألف كتاباً في تعليم الصبيان سماه "التعليم في رأي القابسي" وهناك تب ورسائل ألفت في هذا الموضوع لا يسمح المجال لذكرها.

وقد أخذت الكتاتيب في الانتشار في جميع المناطق الإسلامية، واشتملت الدراسة فيها على تعليم الطالب القرآن الكريم تلاوة وحفظاً وتجويداً، وبعض الأحاديث النبوية والأحكام الشرعية، ومبادىء الحساب.. إلى جانب تعليم القراءة والكتابة وحسن الخط.

والكتاتيب في مكة المكرمة خلال فترة الفترة من 1295هـ إلى 1373هـ الموافق 1878م إلى 1953م، جاء في أول تقرير رسمي للحكومة العثمانية عن ولاية الحجاز، والذي صدر في عام 1301هـ أنه كان بمكة المكرمة في عام 1301هـ (الموافق 1883-1884م) ثلاثة وثلاثون كتاباً بها (1150) طالباً وكانت موزعة في جميع أنحاء مكة المكرمة على النحو التالي:

سوق الليل عدد 4 كتاتيب، القرارة عدد 5 كتاتيب، القشاشية عدد 3 كتاتيب، شعب عدد عدد 5 كتاتيب، النقا عدد 1 كتاب، السليمانية عدد 1 كتاب، المسفلة وجياد عدد 1 كتاب، الشبيكة عدد 4 كتاتيب، حارة الباب عدد 3 كتاتيب، الشامية عدد 6 كتاتيب، يصبح المجموع الكلي للكتاتيب التي في مكة المكرمة 33 كتاباً.

ويظهر أن هذا العدد من الكتاتيب قد أخذ في الازدياد المستمر عاماً بعد آخر، ففي عام 1309هـ الموافق 1891-1892م، جاء في التقرير الرسمي للحكومة العثمانية أن عدد الكتاتيب بمكة المكرمة قد بلغ 43 كتاباً، وهذا يعكس لنا مدى اهتمام الأهالي بمكة بالتعليم.

وقد أكد القنصل البريطاني في جدة في تقريره الذي كتبه عن ولاية الحجاز في عام 1889م الموافق 1306هـ اهتمام أهالي مكة المكرمة بالتعليم، وأن الكتاتيب الخاصة التي تقوم بتأسيسها الطبقة المثقفة في هذه المنطقة، تجد إقبالاً شديداً من أبناء مكة وغيرها من المدن في منطقة الحجاز.

ويبدو أن عدد الكتاتيب في مدينة مكة، استمر في الازدياد البطيء، كما أن بعض تلك الكتاتيب قد اختفى، وظهرت كتاتيب أخرى غيرها، وذلك خلال الفترة التي نحن بصدد دراستها، وهي الفترة الواقعة بين عام 1295هـ وعام 1373هـ.

والذي يهمنا هنا أن نذكر بعض أسماء هذه الكتاتيب، وأسماء مؤسسيها والأحياء التي وجدت بها، وعدد الطلاب أو الطالبات، والمواد التي تدرس بها ما أمكن ذلك بحسب ما يتوفر لدينا من معلومات حولها، وسوف نضع كل كتاب في موضوع مستقل حتى تعم الفائدة - بإذن الله تعالى – والكتاتيب التي سوف نذكرها في الحرمين الشريفين وما جاورها خلال الفترة من 1295هـ إلى 1373هـ الموافق 1878م إلى 1953م.


المرجع/ الكتاتيب في الحرمين الشريفين وما حولهما، د. عبد اللطيف عبد الله بن دهيش، بتصرف. (شبكة تراثيات الثقافية).

التعليقات (0)