طرق القوافل التجارية في حضرموت القديمة (1)

طرق القوافل التجارية في حضرموت القديمة

 د. محمد عوض باعليان([1])

(الجزء الأول)

ملخص:

يعالج هذا البحث طرق قوافل التجارة الرئيسة في حضرموت القديمة من خلال تقصي مسارات تلك الطرق ودروبها عبر وديان حضرموت وسهولها وهضابها الواسعة الممتدة بين ظفار شرقًا وحدود حضرموت الغربية، التي كانت تربط بين موانئ حضرموت وأهمها سمهرم وقنا وبين العاصمة شبوة وغيرها من المدن والأسواق، إلى جانب الطرق الرئيسة والبديلة التي كانت تخرج من شبوة باتجاه عواصم ممالك الجنوب الأخرى، والإشارة إلى محطات الاستراحة والمرافق الخدمية الواقعة على تلك المسالك لتوفير الغذاء والحماية لقوافل التجارة، كما يناقش البحث العوامل السياسية والاقتصادية التي أدت إلى ازدهار تلك الطرق أو اضمحلالها.

Abstract

This article discusses the main commercial caravans routes in the ancient Hadramout by exploring these roads through the valleys, plains and plateaus of Hadramout, which extends from Dhofar in the east to borders of West Hadramout, which connected between ports of Hadramout as Samhram and Qena with capital Shabwa and other cities. as well as The main and alternative routes that were coming out of Shabwa towards the capitals of the other southern kingdoms, and the dedicate the rest stations and service facilities located on those routes to provide food and protection for caravans commerce.

المقدمة:

مارس اليمنيون القدماء التجارة على نطاق واسع داخليًا وخارجيًا في مختلف البضائع المحلية والمستوردة، وكانت الطيوب لاسيما اللبان والمر على رأس السلع النقدية التي كانت تعود بمردود كبير على اقتصاد ممالك جنوب الجزيرة العربية من خلال تصديرها إلى الشعوب والبلدان المجاورة عبر شبكة معقدة من الطرق البرية التي يعود أقدم مسالكها إلى عصور ما قبل التاريخ في اليمن، وقد كانت شبكة الطرق الداخلية تجتمع لتؤلف الطريق التجاري الدولي أو طريق اللبان بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها خلال العصور التاريخية، وكانت مملكة حضرموت أكبر ممالك جنوب الجزيرة العربية إنتاجًا للُّبان، وقد ساعدها ذلك على التحكم في طرق التجارة الرئيسة داخل حدودها وخارجها، حيث مهدت مساراتها وشقت الممرات الجبلية في مسالكها الوعرة ورصفتها بالحجارة، فضلًا عن تزويد الطرق بمحطات لراحة القوافل وأبراج لمراقبة وتأمين طرق التجارة وتأسيس مراكز لتحصيل الضرائب.

ويتناول هذا البحث موضوع طرق القوافل التجارية البرية الرئيسة التي كانت تقع ضمن نطاق أرض حضرموت قبل الإسلام، وهو موضوع لم ينل ما يستحقه من الدراسة من قبل، ويهدف هذا البحث إلى تتبع تلك الطرق عبر دراسة وصفية تُحدد مساراتها وتقدر مسافاتها، والمحطات الواقعة عليها من خلال ما ورد عنها في كتابات الكلاسيكيين والرحالة المستشرقين، إلى جانب بعض الأبحاث المتعلقة بالتجارة ومسالكها في جنوب الجزيرة العربية.

ويقسم هذا البحث إلى مبحثين يتناول أولهما نشوء التجارة المحلية في جنوب الجزيرة العربية وأهم مراكزها التجارية والسلع الأكثر رواجًا، ويتناول المبحث الثاني مسارات طرق التجارة البرية الحيوية في حضرموت التي ربطت العاصمة شبوة بمناطق إنتاج اللبان الواقعة في شرق وجنوب المملكة من جهة، وبموانئها الرئيسة من جهة أخرى، إلى جانب تتبع طرق التجارة البديلة بين شبوة وعواصم الممالك العربية الجنوبية المجاورة.

البحث الأول:

نشوء التجارة المحلية في جنوب الجزيرة العربية.

تشير المعطيات الأثرية إلى أن أقدم عمليات التبادل التجاري في جنوب الجزيرة العربية ترجع إلى مرحلة العصر الحجري الحديث في حوالي الألف الخامس قبل الميلاد، وقد تنوعت السلع المتبادلة بين أقاليم جنوب الجزيرة العربية وكانت مادة حجر الأوبسيديان من بين أبرز المواد التي راج تبادلها محليًا في هيئة مادتها الخام أو على شكل أدوات مصنعة ومتعددة الاستخدامات مثل المكاشط والشفرات وبعض خرز الزينة التي تم العثور على بعضها في موقع متفرقة في وسط الجزيرة العربية وجنوبها وشرقها، كظفار في شرق حضرموت وذمار وريده وعسير في منطقة المرتفعات، وقطر على الساحل الشرقي للجزيرة العربية([2]).

وقد تطلب تبادل تلك المواد نشوء عدد من المسالك البرية التي ربطت أقدم التجمعات السكانية والمستوطنات البشرية الواقعة في شرق الجزيرة العربية وجنوبها غربها، وتم عبرها نقل مختلف المنتجات التي لم يعثر الآثاريون منها إلا على بعض المواد التي قاومت عوادي الزمن وعوامل التلف، مثل بعض الخرز والمكاشط وقليل من أدوات الزينة المصنوعة من الأوبسيديان والأحجار الكريمة وشبه الكريمة والأصداف التي تم الكشف عنها في مناطق متفرقة وفي أماكن بعيدة عن مناطق إنتاجها، حيث لم يستدل في مناطق العثور عليها على أي مناجم أو ورش لإنتاج تلك الأدوات، وهي إشارة واضحة إلى أنه تم نقل تلك المواد من أماكن إنتاجها وورش صناعتها الأصلية([3]).

ففي المطهفة بظفار شرق حضرموت مثلًا دلت التحقيقات الأثرية والتحاليل الكيميائية على أن مصدر تلك المواد هو منطقتي ذمار وريدة في المرتفعات الغربية، كما تم الكشف عن سبع خرزات من الأوبسيديان في قبرين شرق قطر يؤرخ لهما بالألف الخامس قبل الميلاد، وتبين بعد الكشف الكيميائي عن تلكم الخرزات السبع أن مصدرها منطقة عسير، وهو ما يشير كما يبدو إلى ارتباط جنوب الجزيرة العربية بشرقها عبر شبكة من الطرق التجارية امتد بعضها لمسافات تصل إلى (1500كم) عبر الصحراء إبان مرحلة العصر الحجري الحديث([4]).

وبنهاية تلك المرحلة مرت المنطقة بتغيرات مناخية قلَّت معه الأمطار الساقطة عليها ما أدى إلى حدوث هجرة تدريجية للسكان الرعاة، بعضهم توغل نحو مناطق المرتفعات الغربية لليمن التي احتفظت بنسبة رطوبة أكثر من غيرها، والبعض الآخر استقر في الشريط المحاذي لأطراف رملة السبعتين من الجنوب والغرب، معتمدين على استغلال مياه الأمطار المنحدرة من الجبال الجنوبية والغربية، وفي زمن لاحق من العصر البرونزي في اليمن (2600-1800 قبل الميلاد) ظهرت أولى المستوطنات في مناطق خولان الطيال جنوب شرق صنعاء، في دلالة على بدء حياة الاستقرار([5]) التي أدت بالضرورة إلى مزاولة سكان تلك المستوطنات لبعض الحرف، مثل صنع الفخار الذي تم إنتاجه بأشكال وأحجام متنوعة، وبكميات تجارية هائلة في موقع صبر شمال عدن، الذي كشف فيه عن أكبر معامل لصناعة الفخار في الجزيرة العربية يعود تاريخها إلى عصر البرونز([6]).

وفي مجال الزراعة، تم العثور على بذور القمح والشعير والذرة، وبطبيعة الحال، فإن هكذا نشاطات أدت إلى وجود فائض في المنتجات الزراعية والحيوانية شجع على نشوء نوع من التبادل تجاري للسلع بين التجمعات السكانية الصغيرة، يمكن لنا أن نتصور أنه كان متواضعا في بداياته، ولكنه ما لبث مع مرور الزمن أن ازدهر مؤديًا إلى ظهور طرق بسيطة كانت تسلكها الحمير كأقدم حيوان نقل وركوب، حيث كانت هناك اتصالات وتبادل للسلع الرئيسة كالذرة والقمح والتمر بين مناطق جنوب الجزيرة العربية إبَّان عصر البرونز([7]).

لا شك أن استئناس الجمل الأسرع والأقوى والأكثر تحملًا في المدة ما بين منتصف الألف الثالث وبداية الألف الثاني قبل الميلاد في منطقة جنوب غرب الجزيرة العربية([8]) أدى إلى تحسن سرعة وكثافة التبادل التجاري في تلك المرحلة ونشوء الطرق التجارية الطويلة بين جنوب وشمال الجزيرة، وفي سياق متصل، تشير المعطيات التاريخية والأثرية إلى رواج التجارة الداخلية بشكل ملحوظ منذ بداية العصور التاريخية في اليمن في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد تقريبًا، وتجلى ذلك في زيادة حركة نقل البضائع وتبادلها بمختلف أنواعها بين مدن جنوب الجزيرة العربية وحواضرها الواقعة على الحواف الجنوبية لرملة السبعتين التي كانت تمثل مركز الثقل السياسي والاقتصادي لجنوب الجزيرة العربية حتى ظهور الميلاد، وقد أدى رواج التجارة المحلية إلى شيوع مناخ من التواصل والتعايش والتفاعل بين سكان المجتمعات المحلية، إذ تشير بعض النقوش القتبانية مثل (RES4329;4337) إلى أن مدن مثل تمنع وهربت في وادي حريب كانت مستقرًا لعدد من الجماعات (الجاليات) السبئية والمعينية التي كانت تشتغل بالتجارة مع القتبانيين([9]).

ومن نافلة القول إن ازدهار تجارة جنوب الجزيرة العربية قد ارتبط بزيادة الطلب على مواد البخور العطرية لاسيما اللبان والمر من مختلف المراكز الحضارية في الشرق القديم، لذلك ظهرت بوادر الضعف في تجارة اليمن الدولية عندما قل الطلب على مواد البخور بعد أن تبنت الإمبراطورية الرومانية الديانة المسيحية كدين رسمي للدولة في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي. وترتب على ذلك ترك المعتقدات الوثنية القديمة وهو ما أدى إلى العزوف عن استخدام البخور (العربي) في المراسم والاحتفالات الدينية والطقوس الجنائزية، ولم يؤثر ذلك على اقتصاد ممالك اليمن القديم فحسب بل تضرر منه اقتصاد الإمبراطورية الرومانية نفسها وأصيب بالركود، ومما زاد الأمر سوءًا، اكتشاف حركة الرياح الموسمية في مياه البحر الأحمر والمحيط الهندي، وتنامي حركة النقل البحري على حساب حركة التجارة عبر الطرق البرية([10])، والذي أدى بدوره إلى تدني أهمية حواضر ممالك الجنوب الواقعة على تخوم الصحراء على الطريق الرئيس للتجارة (طريق اللبان)، فانتقلت السيطرة من تلك الحواضر إلى منطقة الهضبة أو المرتفعات الغربية([11])، أضف إلى ذلك، أن احتدام الصراعات الداخلية بين ممالك اليمن القديم خلال تلك المرحلة أسهم في تدني اقتصادات تلك الممالك بشكل تدريجي حتى تلاشى الدور الريادي لتجار جنوب الجزيرة العربية في نقل التجارة، مع سقوط آخر الممالك الجنوبية على يد الأحباش في بداية القرن السادس الميلادي، وانتقال السيطرة على التجارة الدولية ومسالكها إلى قبيلة قريش في وسط الجزيرة العربية([12]).

(الجزء الثاني)

(الحزء الثالث)

(الجزء الرابع)

(الجزء الخامس)

(الجزء السادس)


([1]) أستاذ مشارك في قسم الآثار بكلية الآداب- جامعة عدن.

([2]) زارنس، يورس، أرض اللبان- دراسة ميدانية أثرية في محافظة ظفار بسلطنة عمان، تحرير وترجمة معاوية إبراهيم وعلي التجاني الماحي، منشورات جامعة السلطان قابوس، سلسلة علوم الآثار والتراث الثقافي، مجلد(1)، (2001)، ص64-65.

([3])دي ميجرية، اليساندرو، عصر البرونز في المرتفعات، في: اليمن، في بلاد ملكة سبأ، ترجمة بدر الدين عرودكي، مراجعة يوسف محمد عبدالله، معهد العالم العربي، باريس، ودار الأهالي، دمشــق،(1999)، ص36؛ إدريس، جمال الدين محمد، قراءة في عصور ما قبل التاريخ حول نشأة المدينة في مرتفعات اليمن الوسطى، مجلة كلية الآداب، عدد 4، يوليو، كلية الآداب، جامعة عدن،(2007)، ص286.

([4]) زارنس، أرض اللبان، ص64-65.

([5]) Fedelel.F,"Man,Land. and Climate: Emerging Interactions from the Holocene of the Yemen Highlands" in: Man's Role in Shaping of the Eastern Mediterranean Landscape ,S. Bottema, G. Entjes-Nieborg and and W. va Zeist (eds), Balkema, Rotterdam, ( 990), p.38-39

([6]) ينظر: دي ميغريه، عصر البرونز، ص34-39؛ فوكت، بوركهارت وسيدوف، اليكسندر، ثقافة صبر على الشاطئ اليمني: اليمن، في بلاد ملكة سبأ، ترجمة بدر الدين عرودكي، مراجعة يوسف محمد عبدالله، معهد العالم العربي، باريس، ودار الأهالي، دمشـق، (1999)، ص42- 48.

([7]) زارنس، أرض اللبان، ص81.

([8]) باعليان، محمد عوض، حيوانات النقل والحرب في اليمن القديم، دراسة في ضوء النقوش والآثار، أطروحة دكتوراه (غير منشورة)، كلية الآداب، جامعة عدن(2012) ، ص46.

([9]) بافقيه محمد عبد القادر، بيستون، الفرد، روبان، كريستيان، الغول، محمود، مختارات من النقوش اليمنية القديمة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس،( 1985)، ص302؛ القدسي، بشير حميد، الطرق التجاري موزع- ظفار، أطروحة دكتوراه (غير منشورة)، قسم الآثار، جامعة صنعاء، (2016)، ص49.

([10]) الجرو، أسمهان سعيد، دراسات في التاريخ الحضاري لليمن القديم، دار الكتاب الحديث، القاهرة،( 2003)، ص114.

([11]) عربش، منير، و فونتين، اوج، اليمن: مدن الكتابات المسندية، المركز الفرنسي للآثار والدراسات الاجتماعية، صنعاء، (2006)، ص26.

([12]) الجرو، دراسات ، ص115.

التعليقات (0)