موضوعات عن العمارة في جنوب شبة الجزيرة العربية (اليمن القديم) (2)

موضوعات عن العمارة في جنوب شبة الجزيرة العربية (اليمن القديم) (2)

استعرضنا في الموضوع السابق البدايات الأولى لنشوء عمارة جنوب شبة الجزيرة العربية، ومن خلال تتبعنا لاستمراريتها، أمكننا التأكيد على أن تلك العمارة هي عمارة محلية نشأت في جنوب شبة الجزيرة العربية؛ نتيجة مخاض طويل لتجارب معمارية تمتد جذورها في عمق التاريخ منذُ العصور الحجرية الأولى(القديمة، الوسطى)، تجلت بداياتها في العصور الحجرية الحديثة، وترسخت أقدامها في العصر البرونزي مرورًا بالعصر الحديدي وصولاً إلى العصور التاريخية، وسوف نستعرض هنا تخطيط مدن ممالك جنوب شبة الجزيرة العربية القديمة للتأكيد على ذلك، وفي موضوع لاحق – إن شاء الله – سوف نستعرض أساليب البناء تقنياته التي تؤكد أصالة هذه العمارة.

التخطيط المعماري لمدن جنوب شبة الجزيرة العربية القديمة:

نشأت مدن ممالك جنوب شبه الجزيرة العربية في مناطق توافرت فيها كل المقومات الطبيعية اللازمة للحياة والاستمرار؛ إذ أقيمت المدن على سفوح الجبال وعلى منحدرات وقيعان المرتفعات وعلى أطراف الوديان الشرقية، وعلى السهول الساحلية، وفي المرتفعات الغربية، والأودية الداخلية عندما انتقل الثقل السياسي إليها؛ بفضل انتعاش الملاحة البحرية، ويرجع بدايات تاريخ معظم هذه المدن إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد (de Maigret, & Robin, 1989,P.280-282).

يطلق على المدينة القديمة في لغة المسند – لغة جنوب شبة الجزيرة العربية – لفظ (هجر أو هجرن)، وقد ترددت هذه التسمية في كثيرٍ من النصوص النقشية، ووفقاً لدلالتها القديمة كانت – تلك التسمية – تشمل أنماطاً مختلفة من المدن، منها: هجر المدينة عاصمة الدولة، مثل: تمنع عاصمة مملكة قتبان، ورد اسمهـا في النقش(Ja629) باسم (تمنع؛ ت م ن ع)( بافقيه، 1985م، ص207)، وشبوة عاصمة مملكة حضرموت ذكرت في النقش (أرياني 13) باسم (شبوت ؛ ش ب و ت)( الارياني، 1990م، ص112)، ومارب عاصمة مملكة سبأ ذكرت في النقش (G1719) باسم هجر مريب (ه ج ر / م ر ي ب) المدينة مارب(عبدالله، 1992م، ص806)، ومنها: هجر المدينة عاصمة الإقليم أو المخلاف حيث يقيم القيـل أو الكبيـر، مثل: هجـر وعــلان(ه ج ر/و ع ل ن) مدينة وعلان (بيستون وآخرون، 1982، ص 27)، ومنها هجر المدينة الدينية، مثل: يثل (براقش) المدينة الدينية لمملكة معين(Breton,1994, P.109-111) ومنها هجر المدينة الميناء، مثل: قنأ الميناء الرئيس لمملكة حضرموت التي ذكرت في النقشين (الإرياني 13), (Ry533) (الارياني، 1990م، ص114 ؛.Ryckmans,1955, P.298)، وتمتد هذه الصفة لتشمل مدن أصغر من ذلك.

إن علم تخطــيط المدن في العصور القديمة لم يكن معروفــا بمفاهيمــه ونظرياتــه المعاصرة، ويختلف كل الاخـتلاف عن ما هو معروف في الزمن الحالي، فالمدينة القديمة تستمد أصالتها مـن خـلال بيئتها الحضارية المرتكزة على البيئة الطبيعية المحيطة بها، التي تكـاد لا تختلف على مر العصور، والبيئة الثقافية المتغيرة بتغير المؤثرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافيـة والدينية، وقد تميزت المدن القديمة في جنوب شبة الجزيرة العربية بخصوصيات تخطيطها المعماري التي تميزها عن غيرها من مدن الحضارات المعاصرة لها، وباتجاهات تخطيطية وعمرانية كانـت وليـدة لاحتياجات وظروف سكانها، تعكس مدى استجابة كل مدينة للتفاعل والتطور وفقاً للظروف والعوامل المحيطة بها، الأمر الذي انعكس على مستوى أدائها للدور الوظيفي الذي وجدت من أجله، وأكسبها سمات معينة تنفرد بها، وجعلها مركز انطلاق للنشاطات البشرية من ثقافية اقتصادية وسياسية، أسهمت مع غيرها من مدن العالم القديم في صياغة معالم الحضارات الراقية وأدت دوراً مهماً في عملية الربط بين تلك الحضارات.

وللتأكيد على تميز تخطيط المدن القديمة في جنوب شبة الجزيرة العربية عن غيرها من مدن الحضارات القديمة، التي نشأت في مختلف أنحاء العالم القديم، وهي لا تزال ظاهرة للعين تشهد على التطور التخطيطي والعمراني الذي أبدعه الإنسان في تلك المدن، سنقوم بعرض تخطيط المدن المميز لبعض تلك الحضارات، منها:

تخطيط المدينة البابلية:

امتاز تخطيط المدن البابلية بوجود ساحة واسعة تشكل مركزاً للمدينة تضم المباني المهمة أهمها: المعبد والقصر أو زيقورة، وتتوزع المباني الأخرى حولها بشكل مربعات أو مستطيلات تفصلها ممرات هندسية منتظمة ومتقاطعة(شكل 1).

 تخطيط المدينة بلاد وادي النيل:

يشار إلى كلمة المدينة في اللغة الهيروغليفية (اللغة المصرية القديمة) بـ دائرة تحيط بطريقين متقاطعين في مركزها(شكل 2)، وقد اعتمدت مدن الفراعنة على التخطيط الشبكي الإشعاعي، إذ تتميز المدينة بوجود شوارع رئيسة، تبتدئ هذه الشوارع من قصر الملك الذي يمثل مركز انطلاق الشعاع، وتقسم الأراضي بأشكال رباعية تشكل شبكة من الممرات الفرعية تقاطع مع الشوارع الرئيسة، وتستخدم هذه الأراضي للبناء مثل مدينة أخيتاتون.

ويمكن ملاحظة ذلك اليوم في تخطيط بعض ميادين مدينة القاهرة؛ إذ حل الميدان بديلاً عن قصر الملك ليكون مركز انطلاق الشعاع.

تخطيط المدينة الإغريقية:

تعتمد المدن الإغريقية، التخطيط الشبكي الشطرنجي، إذ كان للمدينة شارعان رئيسيان متعامدان غير منصفان يمثلان محور المدينة، هما أعرض من بقية شوارع المدينة وممراتها، وفي مركز تقاطعهما تتشكل ساحة رئيسة، يطلق عليها اسم "Agora" وهي ساحة مخصصة لعبور المشاة فقط، يحيط بالساحة أروقة مسقوفة تضم الأسواق مثل مدينة ميليتوس.

وقد فرض هذا التخطيط حتى على شبكه الشوارع ذات التضاريس الحادة، الأمر الذي أدى إلى وجود عدد من المنحدرات التي تحتاج إلى سلالم، وفرض عدم مرور المركبات فيها لصعوبة السير(شكل3،4).

تخطيط المدينة الرومانية:

اعتمدت المدن الرومانية التخطيط الشبكي الشطرنجي – أيضًا – وساعدهم على ذلك طبيعة أرضهم المستوية؛ إذ كان يخترق المدينة محوران رئيسيان متعامدان ومنصفان لها، هما أعرض من باقي الممرات، يطلق عليهما اسم (السكاردو) و(الديكامينوس)، في مكان تقاطعهما تتشكل الساحة الرئيسية وتسمى "forum" وتحاط الساحة بالأبنية الحكومية والمعبد والمسرح، ويحدد الممر المؤدي إليها أشجار وأعمدة منحوتة من الطرفين، وهذا لم يكن موجوداً في المدينة الإغريقية، ويهيئ الشارع الواسع الطويل للإنسان مشاهده جزء كبير من المدينة على هيئه قطاع مستعرض في مستوى واحد(شكل5).

وقد أنتشر تخطيط المدن الإغريقية والرومانية في بلاد الشام وبلاد المغرب العربي.

تخطيط المدينة القديمة في جنوب شبة الجزيرة العربية:

وصل معماريو مدن جنوب شبة الجزيرة العربية القديمة منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، إلى مستوى رفيع من الإبداع الفني الخلاّق؛ إذ امتاز فنّهم المعماري بطابع خاص سواء من حيث التخطيط الهندسي للمدن ومنشآتها، أو من حيث أسلوب البناء ذاته، ويُعد الإطار الخارجي للمدينة القديمة (السور) هو المحدد الرئيس لشكلها والأساس المحوري لنمط تخطيطها.

وبنظرة أوليه إلى مخططات أسوار المدن التي عملت فيها البعثات الأثرية العاملة في الأراضي اليمنية نجد أنّ مهندسي المدن القديمة كانوا يضعون مخططًا خاصاً لكل مدينة، يختلف بحسب طبيعة المنطقة والتضاريس الخاصة بها، أي أنّ تضاريس المنطقة هي التي تتحكم في وضع ذلك المخطط؛ إذ أدت التضاريس الطبيعية دوراً كبيراً في تحديد شكل التخطيط الهندسي للمدينة ونمطه.

يعتمد التخطيط المعماري لمدن جنوب شبة الجزيرة العربية القديمة على مبدأ التكتل، وهو تقارب مباني المدينة وتراصها في صفوف متلاصقة متقابلة مع قلة الساحات الخارجية، ووجود شارع رئيس (محوري) طولي أو عرضي يبدأ من المدخل الرئيس للمدينة ، وينتهي في نهايتها أو عند المدخل المقابل – قد يوجد أكثر من شارع رئيس في بعض المدن، وغالباً ما كانت هذه الشوارع مبلطة بالأحجار– تتقاطع مع الشارع الرئيس حارات يتم الوصول إليها عبر شبكة من الأزقة الضيقة المتعرجة، وتشكل هذه الحارات أحياء المدينة المختلفة، يتميز كل حي فيها بخصائص معينة تختلف عن غيره من الأحياء، تخصص في مدخل المدينة ساحة واسعة يقام فيها سوق المدينة الرئيس، يشرف عليها قصر الملك أو الحاكم (حنشور، 2011م، ص 199، 200)(شكل6)، أما أهم ما يميز التخطيط الداخلي للمدن اليمنية القديمة هو تداخل مكوناتها وانسجام عناصرها التي تعبر عن إيقاعية لا تخرج عن وحدة متكاملة تشكلها مبانيها العالية بارتفاعاتها المختلفة وتعطيها شكلها المميز وظيفياً وبصرياً.

تختلف طرق إنشاء الشوارع الداخلية للمدينة (الأزقة) باختلاف المناطق الجغرافية، فنجدها في المدن الصحراوية تسير في مسارات ثابتة، ويكون الانتقال عمودياً على المسار، حيث تشكل الساحات ذات الأشكال شبه المنتظمة التي تقع على المسارات زوايا متعامدة وواضحة المداخل، تجعل الطرقات مظللة باستمرار، وتوفر التهوية المناسبة، كما في مدن شبوة القديمة، وشبام حضرموت، بينما تمتد الشوارع الداخلية لمدن المرتفعات في مسارات غير منتظمة، تتغير اتجاهات المسار في المدينة بشكل فجائي، وبزوايا مختلفة، وتأخذ الساحات التي تقع على المسارات أشكالاً مختلفة أيضاً، هذه الميزة التخطيطية تسمح لجميع الطرقات بالتعرض لأشعة الشمس أطول فترة ممكنة خلال النهار، وتوفر تيار هواء مناسباً للمنطقة الباردة، فضلاً عن تأمين العنصر الدفاعي للمدينة، كما في مدن مارب القديمة، وصنعاء (الأشكال7 - 10).

الخلاصة:

نشأت مدن جنوب شبة الجزيرة العربية القديمة وفق نظام وتخطيط معينين، الأول يلبّي الحاجة الوظيفية، والآخر تشابه المناخ الجغرافي النسبي في منطقة جنوب شبة الجزيرة العربية؛ إذ غلب عليها المناخ الصحراوي، فتشابه النسيج العمراني في تخطيط المدن، وعُرِف ما يسمى بالنسيج المتكتل المتراص، واتصفت عمارة مبانيها بالتصميم البيئي، من خلال تأكيدها على انفتاح المباني على الداخل حول باحة مكشوفة وانغلاقها عن الخارج، ومن هنا يمكننا القول بأن معماريو مدن جنوب شبة الجزيرة العربية القديمة كانت لديهم أفكاراً ناضجة في العمارة، بلوروا من خلالها نمط تخطيطي معماري وعمراني متكامل، يحمل هوية متجانسة ساد المدن قاطبة، تؤكد أصالتها.

                               

    

 

                                 

                                          

          

 

                                        

     

 


المراجع:

1- الارياني، مطهر على، 1990م، نقوش مسندية وتعليقات، مركز الدراسات والبحوث اليمني، الطبعة الثانية.

2- بافقيه، محمد عبدالقادر؛ بيستون، الفريد؛ روبان، كريستيان و الغول، محمد، 1985م، مختارات من النقوش اليمنية القديمة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إدارة الثقافة، تونس.

3- بيستون، أ . ف . ل؛ الغول، محمود؛ مولر، والتر وريكمانز، جاك، 1982م، المعجم السبئي، منشورات جامعة صنعاء، مكتبة لبنان، بيروت

4- حنشور، أحمد إبراهيم، 2011م، الخصائص المعمارية للمدينة اليمنية القديمة واستمراريتها، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، عدن.

5- طاهر، عبدالرقيب، ومجموعة باحثين في مركز الطاهر للاستشارات الهندسية، أسس التصميم المعماري والتخطيط الحضري في العصور الإسلامية المختلفة دراسة تحليلية على العاصمة صنعاء، منظمة العواصم والمدن الإسلامية، جدة، 2005م.

6- عبدالله، يوسف محمد، 1992م، مارب، الموسوعة اليمنية 2، مؤسسة العفيف الثقافية-صنعاء، دار الفكر المعاصر، لبنان- بيروت.

7- عبدالغني، الفت، عمارة بلاد ما بين النهرين، محاضرة تاريخ العمارة للفرقة الأولى، قسم الهندسة المعمارية، كلية الهندسة، جامعة حلوان، 2013م.

8- Breton, 1994, Avant Notre Ere, ABADY / Archaologisches Institut San’a, Mainz am Rhein.

9- de Maigret, A., Robin, Ch., 1989, Les fouilles italiennes de Yala (Yemen du Nord), Nouvelles données sur la chronologie de I'Arabie du Sud préislamique, Comptes Rendus des séances de l'Académie des Inscriptions et Belles-Lettres.

10- Ryckmans, G., 1955, Inscriptions Sud-Arabes,12 Série, Inscriptions Relevées aRayda (Yemen), Par le Professur F Geukens, Le Musén, Tome.68.

 

التعليقات (0)