المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث وضرورة دراسة نتاجهم العلمي (2)

المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث وضرورة دراسة نتاجهم العلمي

(المؤرخ: المطهر بن محمد الجرموزي (1594م ‍/1666م) أنموذجًا)

(الجزء الثاني)

الجرموزي مؤرخًا:

مما لا شك فيه أن الفترة التاريخية التي عاشها المؤرخ الجرموزي (1003-1077ه‍/1594-1666م)، كان لها بالغ الأثر في صقل شخصه كسياسي ومؤرخ، فالنبت غالبًا ما ينمُّ عن التربة التي تحمله، فكذلك الشخوص عن محيطاتهم الاجتماعية، والجرموزي تنقل في نموّه عبر مراحل متناغمة الإيقاع والموقع، تكاملية الفعل والمحصلة، فسني طفولته التي عاشها في كنف والده أسست للبذرة الأولى في شخصيته التي ازدهرت في السنين اللاحقة من عمره، فكان للشخصية المحاربة التي عرف بها والده كأحد المقاتلين في صفوف جيش الإمام القاسم، إبان ثورته ضد العثمانيين (1006-1029ه‍/1597-1619م) أثرها البالغ في رسم المعالم الأولى لشخص مؤرخنا، وعندما شب عن الطوق عاش وضعًا سياسيًا حافلًا بالأحداث لتلك الفترة([1]) -الصراع بين الأئمة والعثمانيين- التي اشتدت أوضاعها السياسية تأزمًا في عهد الإمام المؤيد بالله محمد، وانتهت بالجلاء العثماني الأول عن اليمن في عام (1635م)، وبعد وفاة المؤيد (1054ه‍/ 1644م) تسنّم سدة الحكم من بعده أخوه الإمام المتوكل على الله إسماعيل الذي بسط نفوذ الدولة على مناطق اليمن قاطبة"([2]).

وقد تظافرت عدة عوامل أثرت على نتاجه الفكري وفي رفع شأنه كمؤرخ، منها قرابته للأئمة الزيدية -أسرة القاسم- وارتباطه المباشر بأركان الدولة القاسمية كونه أحد المسؤولين فيها، ومثلت سيره الثلاث التي كتبها عن الإمام القاسم بن محمد وولديه الإمام المؤيد بالله محمد، والإمام المتوكل على الله إسماعيل مصدرًا مهمًا وموثوقًا به في التاريخ اليمني الحديث، وكانت تلك السير: "تاريخًا حافلًا لليمن وللأئمة الثلاثة ودولهم وتراجم لمعاصريهم من العلماء والفقهاء والأدباء"([3]) كان الجرموزي ممن شاهدها أو عاصرها([4])، ودوّن وقائعها، وهو بذلك قد: "رسم لنا صورة شاملة واضحة لمجريات أحداث تلك الفترة بكل ظروفها وملابساتها السياسية"([5]) وهي تساعد حسب مؤرخ معاصر: "باستمرار على توضيح وجهات النظر المختلفة مما كان يعمق في النهاية لتطور الأحداث"([6]).

وفي حقيقة الأمر فإن المؤرخ الجرموزي يعد أحد النماذج البارزة بين مؤرخي عصره وذلك لغزارة مادته التاريخية ولعمق نظرته وتحليلاته، فقد سجل المؤرخ الجرموزي أحداثًا تاريخية وسياسية وعسكرية واجتماعية قد نقف عليها للمرة الأولى، وأسهب في تفاصيل دقيقة عن حياة الإمام المؤيد محمد بن القاسم وإخوته ورجال دولته، وعرض نظام حكم الولاة العثمانيين وسياستهم، وشرح التفاصيل التاريخية، والمعارك العسكرية التي جرت في ذلك العصر، وباعتبار أن مؤرخنا كان شاهد عيان على تلك الفترة التاريخية ومن المقربين للإمامة والسلطة، وتحمله بعض المهام والوظائف الإدارية والسياسية فقد رسم وسجّل كل الأحداث التاريخية بدقة ورؤية تاريخية حيَّة وصادقة ([7]).

ولعل ذلك يتضح جليًّا في كتاباته، نورد منها على سبيل المثال ما ذكره عن معركة دارت أحداثها في صعدة إبان فترة الإمام القاسم بن محمد في مخطوطته النبذة المشيرة التي اخترناها أنموذجًا لمؤلفاته في موضوع دراستنا هذه - بين القوات الإمامية والقوات العثمانية في سنة (1023ه‍/1614م)، في أثناء محاصرة علي ابن الإمام القاسم لقوات جعفر باشا لبسط نفوذ الإمام على صعدة، حيث يقول: "وأما أصحاب مولانا علي... فإنهم لما سمعوا الحرب عادوا ناشرين رايتهم يضربون مرفعهم مجدّين وقد خالطهم الشجن على مولانا علي..." ([8]).

وهو في جانب آخر، يتطرق إلى ذكر الصلح الذي عقد بين الإمام القاسم وجعفر باشا في سنة (1025ه‍/1616م) قائلًا: "ثم حصلت المكاتبة بهذا الصلح سرًا فما عرف الناس إلا والسيد العلامة جمال الدين عامر بن محمد الذماري قد تقدم إلى صنعاء لعقد الصلح وتحليف الباشا جعفر.." ([9]).

ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن مؤلفاته التاريخية لم تقتصر في محتوياتها على الجانب السياسي، وإن هو حظي بالنصيب الأكبر والأوفر من اهتمام المؤلف، بل تناولت الجانب الاقتصادي كذلك، حيث يذكر على سبيل المثال في مؤلفه -النبذة المشيرة- ضمن أحداث عام (1028ه‍/1618م) أن أسعار الغذاء -الحبوب- قد ارتفعت نتيجة لقلة الأمطار في أغلب مناطق البلاد، حيث يقول: "أما المطر فلا عهد لها به والظواهر مثلًا والبلاد الإمامية يعني مشارقها أقل، وارتفعت الأسعار وكاد الطعام يعدم"([10]).

وأما الجانب الاجتماعي، فقد حرص المؤرخ الجرموزي على تضمين مؤلفه -النبذة المشيرة- بعضًا من عادات الأهالي وتقاليدهم، أو ما كان سائدًا في أوساط الناس من طقوس اجتماعية أو معتقدات، فهو يشير -على سبيل المثال- إلى واحدة من المعتقدات وهي ظاهرة التبرك بالموجودات، حيث يذكر أن الأهالي تداعوا للتبرك بإحدى الأشجار العملاقة الواقعة في منطقة المير، وعمدوا إلى زيارتها، ويوضح ذلك بقوله: "إنه كان في الفراع من أعلى المير وما يقرب من شام صور شجرة عظيمة من أجناس شجر مجموعة من ثلاثة أنواع أو أكثر فكان يقصدها البدوان من الشام واليمن البلاد المقاربة للزيارة والذبائح من الإبل والبقر والغنم"([11]).

كما اهتم الجرموزي -أيضًا- بالجانب العمراني وذلك بتدوينه كل ما بُني أو أُصلح ورُمِّم من المساجد والمدارس، مما كان موضع اهتمام الإمام القاسم، فهو يذكر الأعمال العمرانية التي أُنجزت في مدينة شَهَارة حيث يقول: "أسّس الإمام.. مسجده الجامع في محروس شهارة في رابع شهر محرم عام خمسة عشر وألف.... وساق معظم حجارته من خارج الباب"([12]).

ولم يقتصر المؤرخ الجرموزي على ذكر النواحي الإقتصادية والإجتماعية والعمرانية في مؤلفاته فحسب، بل إنه عمد إلى تضمينها الظواهر الطبيعية التي حدثت في تلك الفترة من الزمن، ومن ذلك تتبعه لسير أحد النجوم حيث يقول: "طلع النجم ذو الذنب المشهور وصفته أنه طلع نجم مع الفجر له رأس كالسنان المرتفع، وله نور يطلع قبله، ثم لا زال يطلع حتى انتهى إلى نحو ثلث السماء أو يزيد، وهو يطلع قبل الفجر نوره في كل يوم حتى انتهى إلى ما ذكرناه"([13]).

ولم تصرف اهتمامات مؤرخنا الجرموزي التاريخية عن الأدب، حيث اتخذ له مساحة لا بأس بها من اهتماماته عامة([14])، ولقد ضمن مؤلفاته العديد من القصائد التي قيلت سواء كانت مدحًا في الإمام القاسم أو ابتهاجًا بالانتصارات التي حققتها قواته على الجانب العثماني أو غيرها من المناسبات كما تناولتها مؤلفاته.

ولعل ما أوضحناه -آنفًا- يؤكد تأكيدًا جليًّا سعة اطلاع مؤرخنا الجرموزي ومعرفته بعلوم عصره، ويتبين ذلك -على سبيل المثال- من مؤلفه -النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة- فهو إلى جانب اهتمامه بالتاريخ وتتبعه بالرصد لمجريات العصر وأحداثه كان على جانب كبير من الإلمام بالعلوم الأخرى، حيث نجد كتابه زاخرًا بالاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فضلًا عن قصائد الشعر والأمثال، ولعله بذلك حسب مؤرخ محدث: "شأنه شأن غيره من معاصريه الذين تشبعوا بالثقافة الإسلامية التي سادت في تلك الفترة الزمنية"([15]).

مؤلفات المؤرخ الجرموزي:

كتب مؤرخنا الجرموزي في سني حياته أربعة مؤلفات، أرّخ في ثلاثة منها للدولة القاسمية، وهي سير للأئمة الثلاثة: الإمام القاسم بن محمد، وولديه الإمام المؤيد بالله محمد، والإمام المتوكل على الله إسماعيل، فيما خصص مؤلفه الرابع للحديث عن أخبار ملوك اليمن منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى زمانه، ونتناول فيما يلي بالتفصيل نتاجه الفكري:

- النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة:

تناول فيه الجرموزي سيرة الإمام القاسم بن محمد (ت1029ه‍/1619م) وهناك مسمىً آخر لهذه السيرة تحت عنوان (الدرة المضيئة في السيرة القاسمية)([16]). وقد تناول -المؤرخ- فيه جوانب حياة الإمام القاسم الشخصية والعلمية والسياسية والحربية([17]).

وبين الجرموزي في مقدمة كتابه الدافع من تأليفه لهذا الكتاب مؤكدًا حرصه على تدوين أحداث الفترة -الإمام القاسم- ووقائعها وجمع أخبارها ممن شاهد أو شارك أو اتصل بالأحداث في حينها([18]) حيث قال: "...فإني قد سمعت كثيرًا من أخبار مولانا وإمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد فأخذ النسيان أكثره، فرأيت أن أعلق في هذا المختصر ما أمكن مما بقي، وأجعل في هذه الأوراق اليسيرة توقيعًا لما أمكن من الجمل"([19]).

وقد ضمن المؤرخ الجرموزي في كتابه (النبذة المشيرة) العديد من الرسائل التي تبادلها الإمام القاسم بن محمد مع مؤيديه ومناصريه، وبعض العهود لتعيينات بعض أبنائه وكبار رجال إمامته ممن تولوا مهام تسيير الأمور في الأقاليم التابعة لنفوذه"([20]). كما تطرق كذلك إلى تلك الإصلاحات التي قام بها الإمام في مجالات عدة كبناء المدارس وشق قنوات المياه المستخرجة من الينابيع([21]). وسنجد أنه أبدى اهتمامًا كبيرًا لثورة الإمام القاسم، وهو الجزء الهام في أحداث هذه السيرة، حيث أفرد أغلبه للحديث مفصلًا تفصيلًا دقيقًا لدعوة الإمام وثورته التي خاضها ضد الوجود العثماني الأول في اليمن.

ووثق مؤرخنا في مؤلفه تلك الرسائل التي تبادلها الإمام مع بعض الولاة العثمانيين الذين تولوا ولاية اليمن في فترة الإمام القاسم، وأورد كل اتفاقيات الصلح التي وقعها -الإمام- مع هؤلاء الولاة. كما أنه أورد تراجم لعدد من العلماء والفقهاء، وغيرهم من الأدباء ممن عاصروا الإمام القاسم.

وتناول مؤرخنا في كتابه كذلك العلاقات الخارجية التي كانت قائمة بين الإمام وبعض زعماء دول الجوار([22]). من خلال الرسائل التي كان يبعثها إليهم.

ومن الأهمية بمكان ان نذكر أن مؤرخنا كان قد سجل مجريات الأحداث لمؤلفه (النبذة المشيرة) في سنوات حكم الإمام المتوكل على الله إسماعيل وهو ما أشار إليه في نهاية كتابه بقوله: "حررت في أيام مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله إسماعيل لعشر بقين من شهر ربيع الأول خمس وستين وألف من الهجرة النبوية"([23]).

- الجوهرة المنيرة في تاريخ الخلافة المؤيدية:

تناول مؤرخنا في مؤلفه (الجوهرة المنيرة) الحديث عن سيرة الإمام المؤيد بالله محمد([24]). منذ توليه الإمامة عقب وفاة أبيه الإمام القاسم سنة (1029ه‍/1619م) حتى وفاته سنة (1054ه‍/1635م). وأفرد الجرموزي جانبًا كبيرًا من كتابه لثورة الإمام المؤيد بالله محمد ضد العثمانيين، حيث سجّل وقائع الحروب وأحداثها التي خاضها معهم، انتهاءً بخروجهم وجلائهم عن اليمن سنة (1036ه‍/1635م)، كما أنه تطرق إلى تلك السياسة التي اتبعها الإمام المؤيد ضد معارضيه([25]).

وتحدث الجرموزي في مؤلفه عن العلماء والفقهاء والأدباء الذين عاصروا الإمام المؤيد ووالده الإمام القاسم، فضلًا عن رجال الدولة وحكام المناطق المختلفة في اليمن -في أثناء حكم المؤيد- الذين اشتركوا في القتال ضد العثمانيين أو المعارضين لحكم الإمام المؤيد بالله محمد([26]).

(الجزء الأول)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)


([1]) الجرموزي: تحفة الأسماع، ص 5.

([2]) الجرموزي: تحفة الأسماع، ص6.

([3]) العمري: مصادر التراث، ص 33.

([4]) نفس المصدر السابق والصفحة.

([5]) الجرموزي: تحفة الأسماع، ص 7.

([6]) سالم، سيد مصطفى: الفتح العثماني الأول لليمن (1538-1635)، ط3، مطبعة الجبلاوي، القاهرة، 1978م، ص 504.

([7]) سالم: المؤرخون اليمنيون، ص 77؛ الثور، أمة الملك إسماعيل قاسم: بناء الدولة القاسمية في اليمن في عهد الإمام المؤيد محمد بن القاسم (995-1054هـ/1583-1644م) مع تحقيق مخطوطة الجوهرة المنيرة في مجمل من عيون السيرة (جزآن) للمؤرخ المطهر بن محمد الجرموزي، صنعاء، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، الطبعة الأولى،1429هــ/2008م، 1/174.

([8]) الهجري، عبدالحكيم: ثورة الإمام القاسم بن محمد ضد الوجود العثماني الأول في اليمن (1006-1029هــ/1597-1620م) مع تحقيق النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة، للمؤرخ المطهر بن محمد الجرموزي، رسالة دكتوراه –لم تنشر-كلية الاداب، جامعة صنعاء1425هـ/2004م، ص 485.

([9]) المصدر السابق: ص924-926.

([10]) المصدر السابق: ص 991-992.

([11]) المصدر السابق: ص 802-803.

([12]) المصدر السابق: ص780-781.

([13]) المصدر السابق: ص999.

([14]) الجرموزي: تحفة الأسماع: ص 10.

([15]) المصدر السابق: ص 11؛ سالم: المؤرخون اليمنيون: ص75.

([16]) العمري: مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني: 88؛ الحبشي، عبد الله: مصادر الفكر الإسلامي: مركز الدراسات والبحوث، صنعاء، اليمن، 1978م، ص 429.

([17]) الجرموزي: تحفة الأسماع: ص11؛ السيد، أيمن فؤاد: مصادر تاريخ اليمن في العصر الإسلامي: ص236؛ الحييد، عبد الله: المطهر بن محمد الجرموزي ومؤلفاته عن الدولة القاسمية: ص61.

([18]) المصدر السابق: ص 62.

([19]) الهجري، عبدالحكيم: ثورة الإمام القاسم: ص 276.

([20]) المصدر السابق: ص 890-977.

([21]) المصدر السابق: ص656.

([22]) المصدر السابق: ص 207 -210.

([23]) المصدر السابق: ص 507-508.

([24]) الثور، أمة الملك: بناء الدولة القاسمية: 1/174.

([25]) الحييد، عبد الله حامد: المطهر بن محمد الجرموزي: ص 64؛ العمري: مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني، ص 87؛ سالم: المؤرخون اليمنيون: ص74؛ الواسعي، عبد الواسع بن يحيى: تاريخ اليمن المسمى فرجة الهموم والحزن في حوادث تاريخ اليمن: الطبعة الثانية، مكتبة اليمن الكبرى، صنعاء، 1991م، ص 229.

([26]) الجرموزي: تحفة الأسماع: ص37.

التعليقات (0)