المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث وضرورة دراسة نتاجهم العلمي (4)

المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث وضرورة دراسة نتاجهم العلمي

(المؤرخ: المطهر بن محمد الجرموزي (1594م ‍/1666م) أنموذجًا)

(الجزء الرابع)

وقد سجل لنا المؤرخ كل المصاعب والمشاكل التي واجهت الإمام المؤيد محمد في أثناء الحرب وحصار المدن، وكيف تمكن الإمام المؤيد من حل كل تلك المصاعب والمشاكل وتدبرها، وكبح طموح الطامعين والمتطلعين للنفوذ والسلطة، وقد تطرقت المخطوطة لمختلف المواضيع الإقتصادية والزراعية والمناخية، فقد تعرضت لمواسم الأمطار والزراعة، وحلول فترات الجفاف والقحط والفاقة الإقتصادية والمعيشية التي واجهتها أقاليم مختلفة من اليمن، وشرح اهتمام الإمامة بالموانئ والتجارة، ووضع القوانين المنظمة لهذه الشؤون، وشرح اهتمام الحسن والحسين كذلك باستصلاح الأراضي الزراعية والتوسع في زراعتها خاصة زراعة البن، وقد اهتم الجرموزي بإبراز المآثر العمرانية التي حرص على إقامتها مختلف رجال السلطة في ذلك الحين وعلى رأسهم الإمام المؤيد والحسن والحسين أبناء الإمام القاسم، وكان للرسائل الكثيرة والمختلفة أهميتها التي حرص على تسجيلها المؤرخ الجرموزي في المخطوطة، وأسهمت تلك الرسائل في توضيح وجهات النظر المختلفة للإمام المؤيد محمد وللأطراف الأخرى التي حاول الإمام مراسلتها، إما لجمع الأنصار المؤيدة لدولته، أو لإقامة علاقات وطيدة تثبت سياسة دولته المستقلة. وقد تأثر المؤرخ بالوجود العثماني وأورد كثيرًا من المصطلحات العثمانية مثل: الجامكية والسباهية والباشلية والبلك، وأبرز المؤرخ في مؤلفه السيرة الشخصية للمؤيد محمد بن القاسم وحروبه ضد العثمانيين، وفترات الهدنة أو الصلح، واهتم بكل الأحداث التاريخية المتعلقة بحصار المدن وخروج العثمانيين منها، ونزوحهم إلى سواحل تهامة، ([1]).

لغة المؤرخ:

مما لا شك فيه أن اللغة هي وسيلة الكاتب المؤثر في محيطه، فبها يستشف المعاني والمفردات ويتغلغل في أعماق النفس البشرية، وبها يستلهم مفردات الحياة، وهي تكشف عن هويته على الدوام، ومن الأهمية بمكان أن يكون ملمًّا بقواعدها دارسًا لأبجدياتها عارفًا بجزئياتها وتركيبها وصياغتها؛ كونها أساس كل عمل كتابي قويم، فإن شابها خلل (ركاكة) في تناغم انسيابها أو اتساق مفرداتها أثرت بالتالي على محتويات مادتها.

وإلى ذلك نستطيع القول إن مؤرخنا الجرموزي كان ذا اطلاع ودراية وإلمام واسع بلغته العربية، نستشف ذلك حين نقرأ ما سطرته يداه من مؤلفات تؤكد: "مقدرته الفائقة على التصرف بألفاظها وتوظيفها في تحقيق ما يصبو إليه"([2]).

وفي حقيقة الأمر فقد كان لاطلاعه الواسع باللغة، أثرها على مؤلفاته التاريخية، فهو قد جعل قلمه ينساب في أثناء تدوينه لوقائع الأحداث ليسطر في أسلوب أدبي رائع عبارات جزيلة المعنى، رصينة المأخذ، رائقة الصفاء، ليترجم بها ما كان يؤمله، ويتضح ما ذهبنا إليه من عبارة كهذه: "...فكم له من موطن في الجهاد، تشهد له السيوف فيها أنه الذي أعطاها حقها، وأهداها من أعناق الإسلام إلى واضح طرقها..."([3]) هكذا يتضح لنا ولع مؤرخنا بجماليات اللغة وبمحسناتها البديعة من جناس وطباق ونحوهما([4])، وهو في عبارة أخرى يستخدم السجع، كما جرى عليه مؤرخو تلك الفترة.. حيث يقول: "...فلما ظهر فضل علمه على العلماء، وعمله على العملة الصلحاء، وإعراضه عن الدنيا وإقباله إلى الأخرى.."([5]).

ولقد أضفت قصائده التي تخللت كل مؤلفاته بعدًا أدبيًا وجماليًا حيكت أبياتها الشعرية في كل القصائد بإيقاعات جزيلة المعنى وحكت أحداث ذلك العصر([6]).

أهمية مؤلفات المؤرخ المطهر الجرموزي:

مثلت المرحلة التي عنيت بها مؤلفات المؤرخ الجرموزي فترة تاريخية مهمة من تاريخ اليمن الحديث، حيث رسمت الخارطة السياسية للبلاد -وقتئذ- في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، وجملة الأحداث التي أفرزتها الظروف السياسية لتلك الفترة، كما أبرزت تلك المؤلفات الميزات الهامة والفريدة لهذه الفترة التي تمثلت في الحنكة السياسية والشخصية القوية للإمام القاسم بن محمد وولديه من بعده الإمام المؤيد بالله محمد والإمام المتوكل على الله إسماعيل الذين يعدون من أهم الشخصيات اليمنية في تاريخ اليمن الحديث؛ لدورهم الكبير في إرساء دعائم الدولة القاسمية([7]).

وفي حقيقة الأمر فإن تلك المؤلفات تكتسب أهميتها من أهمية الفترة التي أرّخت لها؛ كونها قد غطت جميع الأحداث التي دارت وقائعها -وقتئذ- بين الجانبين الإمامي والعثماني وفي فترة الاستقلال إبان حكم الإمام المتوكل على الله إسماعيل.

ولعل معاصرة مؤرخنا الجرموزي لوقائع تلك الفترة الزمنية، وجمع أخبارها من مصادرها ممن شارك أو اتصل بالأحداث في حينها، قد أضفى قدرًا كبيرًا من الأهمية على مؤلفاته.

وتبرز أهمية تلك المؤلفات لكونها قد تطرقت إلى تلك العلاقات التي كانت قائمة -وقتئذ- بين الإمام القاسم بن محمد وولديه الإمام المؤيد محمد والإمام المتوكل على الله إسماعيل وبعض الأقطار العربية، حيث اهتم الجرموزي بتوثيق الرسائل التي تبودلت بين الأئمة الثلاثة وأشراف مكة.

فيما نلمس أهمية تلك المؤلفات كذلك في أنها تناولت الجانب الإقتصادي، بتدوين المؤرخ لما حدث من جدب ومجاعات([8]) في الشمال الجبلي، وارتفاع للأسعار كمظهر لتردي الموارد الإقتصادية وشحّتها، كما أنها تناولت الجانب الإجتماعي، ويتضح ذلك من تطرق المؤرخ الجرموزي للعادات والتقاليد التي كانت سائدة في مجتمعه، فضلًا عن تناولها الجانب العمراني والإصلاحات العمرانية التي أقيمت في هذا المجال([9]).

وجانب آخر يكتسب قدرًا من الأهمية، هو الجانب العلمي، يتضح ذلك في ذكر المؤرخ لعدد كبير من العلماء والفقهاء([10]) الذين عاصروا الأئمة الثلاثة، وتدوينه للعديد من الرسائل التي كان يبعثون بها العلماء([11]).

وفي حقيقة الأمر فإن مؤلفات المؤرخ المطهر الجرموزي تمثّل تجسيدًا للوضع الراهن في ذلك الوقت نتيجة سيطرة الأئمة الزيدية على مجريات الأحداث السياسية والعسكرية والثقافية، ومنها حركة التأليف التاريخي التي شهدتها تلك الفترة، والتي يعد المؤرخ الجرموزي رمزًا من رموزها(86).

 في ختام هذا البحث نوصي بالآتي:

  • ضرورة الإهتمام بمؤلفات المؤرخين اليمنيين في تاريخ اليمن الحديث ودراسة نتاجهم العلمي.
  • توجيه طلاب الدراسات العليا في أقسام التاريخ (شعبة التاريخ الحديث والمعاصر) في الجامعات الحكومية والأهلية لتحقيق المخطوطات في هذا المجال؛ لإبراز الأحداث والوقائع التاريخية لهذه الفترة.
  • الإهتمام بمراكز الأبحاث العلمية وتقديم التسهيلات لنسخ المخطوطات التي في المكتبات العامة والخاصة وطباعتها.
  • الإهتمام بالمكتبات الخاصة المحتفظة بالمخطوطات، وتقديم وسائل الدعم لها للحفاظ عليها.
  • إعادة نسخ المخطوطات التي سربت للخارج وتوفيرها للمراكز البحثية.
  • إلزام وزارة التربية والتعليم بإدراج نبذة بسيطة عن أهمية المخطوطات وكيفية الحفاظ عليها في مناهج التعليم الإعدادي والثانوي بشكل يتناسب مع مداركهم ومفهومياتهم.
  • ضرورة التوعية الإعلامية بأهمية المخطوطات عبر أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
  • إقامة ندوات وفعاليات ثقافية بين الفينة والأخرى من قبل وزارة الثقافة للتعريف بأهمية تاريخ اليمن الحديث والمعاصر.

المصادر والمراجع:

أولًا: المخطوطات.

الجنداري، أحمد بن عبدالله: الجامع الوجيز في وفيات العلماء أولي تبريز، دار المخطوطات، المكتبة الغربية، صنعاء. رقم (2524).

ثانيًا: المصادر والمراجع:

- الأمير، أمة الغفور عبدالرحمن علي: الأوضاع السياسية في اليمن في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي (1054-1099هـ/1644-1688م)، مع تحقيق بهجة الزمن في تاريخ اليمن للمؤرخ يحيى بن الحسين بن القاسم، صنعاء، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، ط1، 1429هــ/2008م.

- الثور، أمة الملك إسماعيل قاسم: بناء الدولة القاسمية في اليمن في عهد الإمام المؤيد محمد بن القاسم (995-1054هـ/1583-1644م) مع تحقيق مخطوطة الجوهرة المنيرة في مجمل من عيون السيرة (جزآن) للمؤرخ المطهر بن محمد الجرموزي، ط1، 1429هـ/2008م.

- الجرموزي، المطهر بن محمد: تحفة الأسماع والأبصار بما في السيرة المتوكلية من غرائب الأخبار، تحقيق عبدالحكيم عبدالمجيد الهجري، مؤسسة الإمام زيد الثقافية، عمّان، 2001م.

- الحبشي، عبد الله محمد: مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن، مركز الدراسات والبحوث، صنعاء، اليمن، 1978م.

- الحداد، محمد يحيى: تاريخ اليمن السياسي: خمسة أجزاء، دار التنوير، بيروت، 1986م.

- زبارة، محمد بن علي: نبلاء اليمن في القرن الثاني عشر للهجرة (نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف)، ط2، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 1985م.

- سالم، سيد مصطفى: المؤرخون اليمنيون في العهد العثماني الأول (1538-1635)، المطبعة العالمية، القاهرة، 1971م.

- سالم، سيد مصطفى: الفتح العثماني الأول لليمن (1538-1635)، ط3، مطبعة الجبلاوي، القاهرة، 1978م.

- الشوكاني، محمد بن علي: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، تحقيق الدكتور حسين بن عبد الله العمري، جزآن، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1419هـ/ 1998م.

- العرشي، حسين أحمد: بلوغ المرام في شرح مسك الختام في من تولى اليمن من ملك وإمام، نشرها وحققها الأب، أنستاس ماري الكرملي، مطبعة البرتيري، القاهرة، 1939م.

- العمري، حسين بن عبد الله: مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني، دمشق، دار المختار،1980م.

- العمري، حسين بن عبد الله: مائة عام من تاريخ اليمن الحديث، دار الفكر، دمشق، 1984م.

- العمري، حسين بن عبد الله: المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث: دار الفكر المعاصر، دمشق، 1988م.

- المتوكل، إسماعيل بن أحمد: مختصر طيب أهل الكساء، تحقيق عبد الله الحبشي، مطابع المفضل، صنعاء، 1990م.

- المحبي، محمد أمين: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، الجزء الثالث، بيروت، دار صادر.

- الواسعي، عبد الواسع بن يحيى: تاريخ اليمن المسمى فرجة الهموم والحزن في حوادث تاريخ اليمن، الطبعة الثانية، مكتبة اليمن الكبرى، صنعاء، 1991م.

ثالثا-الرسائل العلمية:

- المصري، أحمد صالح: موقف المؤرخين اليمنيين المعاصرين للحكم العثماني الأول بين مؤيد ومخالف، مع دراسة و تحقيق مخطوطة (بلوغ المرام في تاريخ دولة مولانا بهرام) للمؤرخ محمد بن يحي المطيب، رسالة ماجستير (لم تنشر)، قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة صنعاء، 2006م.

- الهجري، عبدالحكيم: ثورة الإمام القاسم بن محمد ضد الوجود العثماني الأول في اليمن (1006-1029هــ/1597-1620م) مع تحقيق النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة، للمؤرخ المطهر بن محمد الجرموزي، رسالة دكتوراه – لم تنشر- قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة صنعاء، 1425هـ/2004م.

رابعًا-الدوريات:

الحييد، عبد الله حامد: المطهر بن محمد الجرموزي ومؤلفاته عن الدولة القاسمية، مجلة المؤرخ العربي، العدد الثامن، الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب، بغداد (د.ت).

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)


([1]) الهجري، عبدالحكيم: ثورة الإمام القاسم: ص 1001؛ الثور، أمة الملك: بناء الدولة القاسمية: 1/178.

([2]) الجرموزي: تحفة الأسماع: ص 30.

([3]) الهجري، عبدالحكيم: ثورة الإمام القاسم: ص 503.

([4]) الجرموزي: تحفة الأسماع: ص30.

([5]) الهجري، عبدالحكيم: ثورة الإمام القاسم: ص 403-405.

([6]) المصدر السابق: ص 312.

([7]) المصدر السابق: ص 1058.

([8]) الهجري، عبدالحكيم: ثورة الإمام القاسم: ص 1000.

([9]) المصدر السابق: ص 1007.

([10]) المصدر السابق: ص512.

([11]) المصدر السابق: ص 997.

(86) المصري، أحمد صالح: موقف المؤرخين اليمنيين المعاصرين للحكم العثماني الأول: ص 78.

التعليقات (0)