قصة إسلام يثرب (1)

قصة إسلام يثرب

(الجزء الأول)

لقد كان لدور مصعب بن عمير في يثرب أثرٌ كبيرٌ في إسلام الكثير من أهل يثرب، فهو بحقٍّ كان خير سفيرٍ لرسول الله وللإسلام أجمع، وكان أول فاتحٍ ومخططٍ لدولة الإسلام في المدينة، فعلى يديه أسلم أسيد بن حضير وسعد بن معاذ سيدا بني عبد الأشهل من قبيلة الأوس ومن بعدهما قبيلتهما، ثم إنَّه لم تبق دارٌ من دور الأنصار إلَّا وفيها رجالٌ ونساءٌ مسلمون.

وهناك رواية ثانية تصف قصَّة إسلام يثرب، وهي عند الطبراني وأبي نعيم، واللفظ للطبراني، وفيها يروي عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عروة بن الزبير رحمه الله قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَ الْمَوْسِمُ حَجَّ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بني مَالِكِ بن النَّجَّارِ مِنْهُمْ: معاذ ابْنُ عَفْرَاءَ، وأسعدُ بن زُرَارَةَ، وَمِنْ بني زُرَيْقٍ: رَافِعُ بن مَالِكٍ، وَذَكْوَانُ بن عَبْدِ قَيْسٍ، وَمِنْ بني عَبْدِ الأَشْهَلِ: أَبُو الْهَيْثمَّ بن التَّيْهَانِ، وَمِنْ بني عَمْرِو بن عَوْفٍ: عُوَيْمُ بن سَاعِدَةَ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ الَّذِي اصْطَفَاهُ اللهُ مِنْ نُبُوَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ أَنْصَتُوا، وَاطْمَأَنَّتْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى دَعْوَتِهِ وَعَرَفُوا مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ بِصِفَتِهِ، وَمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَصَدَّقُوا وَآمَنُوا بِهِ، وَكَانُوا مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مِنَ الدِّمَاءِ، وَنَحْنُ نُحِبُّ مَا أَرْشَدَ اللهُ بِهِ وَأَمَرَكَ[1]، وَنَحْنُ للهِ وَلَكَ مُجْتَهِدُونَ، وَإِنَّا نُشِيرُ عَلَيْكَ بِمَا تَرَى[2]، فَامْكُثْ عَلَى اسْمِ اللهِ حَتَّى نَرْجِعَ إِلَى قَوْمِنَا فَنُخْبِرَهُمْ بِشَأْنِكَ، وَنَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَلَعَلَّ اللهَ يُصْلِحُ بَيْنَنَا وَيَجْمَعُ أَمْرَنَا، فَإِنَّا الْيَوْمَ مُتَبَاعِدُونَ مُتَبَاغِضُونَ، وَإِنْ تَقْدَمْ عَلَيْنَا الْيَوْمَ وَلَمْ نَصْطَلِحْ لَمْ يَكُنْ لَنَا جَمَاعَةٌ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ نُوَاعِدُكَ الْمَوْسِمَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. فَرَضِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي قَالُوا، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ سِرًّا وَأَخْبَرُوهُمْ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي بَعَثَهُ اللهُ بِهِ، وَدَعَا إِلَيْهِ بِالْقُرْآنِ حَتَّى قَلَّ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلا أَسْلَمَ فِيهَا نَاسٌ لا مَحَالَةَ، ثمَّ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا مِنْ قِبَلِكَ فَيَدْعُو النَّاسَ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنَّهُ أَدْنَى أَنْ يُتَّبَعَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُصْعَبَ بن عُمَيْرٍ أَخَا بني عَبْدِ الدَّارِ، فَنَزَلَ فِي بني غَنْمٍ عَلَى أَسْعَدَ بن زُرَارَةَ، فَجَعَلَ يَدْعُو النَّاسَ سِرًّا، وَيَفْشُو الإِسْلامُ، وَيَكْثُرُ أَهْلُهُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ مُسْتَخْفُونَ بِدُعَائِهِمْ، ثمَّ إِنَّ أَسْعَدَ بن زُرَارَةَ أَقْبَلَ هُوَ وَمُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ حَتَّى أَتَيَا بِئْرَ مُرِّيٍّ[3] أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَجَلَسْنَا[4] هُنَالِكَ وَبَعَثَا إِلَى رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ[5] فَأَتَوْهُمْ مُسْتَخْفِينَ، فَبَيْنَمَا مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ يُحَدِّثُهُمْ وَيَقُصُّ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ أُخْبِرَ بِهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَأَتَاهُمْ فِي لأمته مَعَهُ الرُّمْحُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: عَلامَ يَأْتِينَا فِي دُورِنَا بِهَذَا الْوَحِيدِ الْفَرِيدِ الطَّرِيحِ الْغَرِيبِ، يُسَفِّهُ ضُعَفَاءَنَا بِالْبَاطِلِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ؟ لا أَرَاكُمْ بَعْدَهَا بِشَيْءٍ مِنْ جِوَارِنَا. فَرَجَعُوا، ثمَّ إِنَّهُمْ عَادُوا الثَّانِيَةَ بِبِئْرِ مُرِّيٍ[6] أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَأُخْبِرَ بِهِمْ سعد بن معاذ الثَّانِيَةَ، فَوَاعَدَهُمْ بِوَعِيدٍ دُونَ الْوَعِيدِ الأَوَّلِ، فَلَمَّا رَأَى أَسْعَدُ مِنْهُ ليِنًا، قَالَ: يَا ابْنَ خَالَةِ اسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَإِنْ سَمِعْتَ مُنْكَرًا، فَارْدُدْهُ يَا هَذَا مِنْهُ[7]، وَإِنْ سَمِعْتَ خَيْرًا فَأَجِبْ إِلَيْهِ. فَقَالَ: مَاذَا يَقُولُ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ [الزخرف: 1-3]، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: مَا أَسْمَعُ إِلا مَا أَعْرِفُ، فَرَجَعَ وَقَدْ هَدَاهُ اللهُ، وَلَمْ يُظْهِرْ لَهُمُ الإِسْلامَ حَتَّى رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَدَعَا بني عَبْدِ الأَشْهَلِ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَظْهَرَ إِسْلامَهُ وَقَالَ: مَنْ شَكَّ فِيهِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَلْيَأْتِنَا بِأَهْدَى مِنْهُ نَأْخُذْ بِهِ، فَوَاللهِ لَقَدْ جَاءَ أَمْرٌ لَتُحَزَّنَّ فِيهِ الرِّقَابُ. فَأَسْلَمَتْ بنو عَبْدِ الأَشْهَلِ عِنْدَ إِسْلامِ سَعْدٍ وَدُعَائِهِ إِلا مَنْ لا يُذْكَرُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ دُورٍ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ أَسْلَمَتْ بِأَسْرِهَا، ثمَّ إِنَّ بني النَّجَّارِ أَخْرَجُوا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَاشْتَدُّوا عَلَى أسعد بن زرارة، فَانْتَقَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَدْعُو وَيَهْدِي اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، حَتَّى قَلَّ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلَّا أَسْلَمَ فِيهَا نَاسٌ لا مَحَالَةَ، وَأَسْلَمَ أَشْرَافُهُمْ، وَأَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، وَكُسِرَتَ أَصْنَامُهُمْ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ أَعَزَّ أَهْلِهَا، وَصَلُحَ أَمَرُهُمْ، وَرَجَعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ يُدْعَى الْمُقْرِئَ[8].

ولنا على هذه الرواية بعض التعليقات؛ حيث إنها من جانبٍ تتعارض من بعض الوجوه مع رواية ابن إسحاق السابقة؛ بينما تدعمها من جانبٍ آخر في بعض المظاهر:

أولًا: هناك خلط واضح في هذه الرواية بين اللقاء الأول الذي حضره ستة من الخزرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الحادي عشر من البعثة، وبين بيعة العقبة الأولى التي تمَّت في العام الثاني عشر من البعثة، حيث تذكر هذه الرواية موقف سماع الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم للمرَّة الأولى، مع أنَّه ليست كلُّ الأسماء الموجودة في الرواية قد شهدت اللقاء الأول، فنجد في الرواية على سبيل المثال اثنان من الأوس؛ هما: أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة رضي الله عنهما؛ بينما تُجمِع المصادر تقريبًا على أنَّ اللقاء الأول مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خزرجيًّا خالصًا، وهذان الصحابيان كانا من أهل بيعة العقبة الأولى، ونجد في اللقاء كذلك ذكوان بن عبد قيس رضي الله عنه، وهذا لم يحضر اللقاء الأول إنَّما كان في بيعة العقبة الأولى أيضًا، ومثله يُقال عن معاذ ابن عفراء، وهو معاذ بن الحارث بن رفاعة، وهو كذلك من أهل بيعة العقبة الأولى، وبالإضافة إلى هذه الملاحظات فقد ذكرت الرواية أن هذا اللقاء كان في موسم الحج، والواقع أن الذي كان في موسم الحج هو بيعة العقبة الأولى؛ بينما كان اللقاء الأول للخزرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب من العام الحادي عشر من البعثة، وليس في موسم الحج كما جاء في هذه الرواية. ويُؤَكِّد هذا الخلط أن هذه الرواية ذكرت أمورًا عند أول لقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكرت أمورًا أخرى عن مصعب بن عمير رضي الله عنه ودعوته في المدينة، ولم تذكر شيئًا عن بيعة العقبة الأولى، وهي بينهما لا محالة، فإن مصعبًا رضي الله عنه لم يذهب إلى يثرب إلا بعد بيعة العقبة الأولى، فوضح أن أحد الرواة أسقط جانبًا من بيعة العقبة الأولى، وهو المتعلِّق ببنود البيعة؛ ولكنه أثبت أسماء المشاركين فيها ظانًّا أنهم الأنصار الذين التقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرَّة الأولى.

ثانيًا: تُبَيِّن الرواية الفكر التحضيري والإعدادي للأنصار رضي الله عنهم من أول أيامهم في الإسلام، فهم لم يندفعوا لاستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة في ظروف قد لا يتمكَّنُون فيها من توفير كل أسباب الأمان والراحة له وللمسلمين المهاجرين معه، فقالوا له كلامًا أحسبُه من أنفس ما قاله الأنصار في كل قصتهم، وهي كلها نفيسة! لقد قالوا في منتهى الأمانة والمصداقية: «قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مِنَ الدِّمَاءِ، وَنَحْنُ نُحِبُّ مَا أَرْشَدَ اللهُ بِهِ وأَمَرَكَ، وَنَحْنُ للهِ وَلَكَ مُجْتَهِدُونَ، وَإِنَّا نُشِيرُ عَلَيْكَ بِمَا تَرَى، فَامْكُثْ عَلَى اسْمِ اللهِ حَتَّى نَرْجِعَ إِلَى قَوْمِنَا فَنُخْبِرَهُمْ بِشَأْنِكَ، وَنَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَلَعَلَّ اللهَ يُصْلِحُ بَيْنَنَا وَيَجْمَعُ أَمْرَنَا، فَإِنَّا الْيَوْمَ مُتَبَاعِدُونَ مُتَبَاغِضُونَ، وَإِنْ تَقْدَمْ عَلَيْنَا الْيَوْمَ وَلَمْ نَصْطَلِحْ لَمْ يَكُنْ لَنَا جَمَاعَةٌ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ نُوَاعِدُكَ الْمَوْسِمَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ». إن قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأجواء المضطربة في يثرب قد لا يُعطِي له فرصة جيدة للحديث عن الإسلام والعقيدة الجديدة، وقد تؤمن به إحدى القبائل وترفض الأخرى عنادًا واستكبارًا، وليس هذا إلا للشحناء التي بين الناس، فكانت رؤية الأنصار أنه إذا كان الهدف من المرحلة هو استقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين في مكة إلى يثرب للإقامة في منعة لمدَّة طويلة لا يعلمها إلا الله؛ فلا بُدَّ من التمهيد الجيد لذلك الأمر الخطير، وهذا التمهيد في ترتيبهم يحتاج في الأساس إلى القيام بعملين جليلين؛ أمَّا الأول فهو تعريف الناس بدعوة الإسلام، وأما الثاني فهو محاولة الإصلاح بين المتخاصمين، ولم يكتفِ الأنصار بذلك؛ بل وضعوا في منتهى الحِرَفِيَّة جدولًا زمنيًّا واضحًا لهذه الأعمال، فقالوا: إنَّ هذا يتطلَّب عامًا من العمل؛ ومن ثَمَّ كان الموعد الذي ضربوه لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو موسم الحج من العام القادم؛ أي من العام الثالث عشر من البعثة!

إنَّ هذا الفكر -في الحقيقة- لهو من إبداعات الأنصار المتميِّزة، حيث عَلِموا الهدف من المرحلة، وعيَّنوا الوسائل المستخدَمة، وحدَّدوا البُعْد الزمني للخطَّة، وسيأتون للمتابعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انتهاء الزمن المحدَّد لهذه الخطَّة! فكان تخطيطهم أروع من الوصف وما أحسب ذلك التوفيق، إلا لصدقٍ علمه الله عز وجل في قلوبهم فأرشدهم وهداهم.

ثالثًا: تُصَرِّح هذه الرواية بأن الدعوة في هذه السنة الأولى في يثرب؛ بل وفي السنة الثانية كذلك بعد قدوم مصعب بن عمير رضي الله عنه، كانت دعوةً سرِّيَّةً غيرَ معلنة لعامَّة الناس، وهذا كان كذلك من توفيق الله عز وجل للأنصار، ولعلَّه كان بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث إن تاريخ الدعوة في مكة كان يسير في الخطوات نفسها، ولقد حدث بعد ذلك إعلان نسبي للدعوة بعد إسلام سعد بن معاذ رضي الله عنه، فجهر بعض المسلمين بتكسير بعض الأصنام كما تُبَيِّن الرواية، فكان إسلام سعد بن معاذ رضي الله عنه في يثرب -في ظنِّي- كإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مكة؛ حيث نقل الدعوة من مرحلة إلى مرحلة أخرى.

إنَّنا برؤية التكرار في مكة ويثرب لهذا المسار نعلم أنَّ أمر الدعوة إلى الله ليس أمرًا عشوائيًّا يسير وفق أهواء فردٍ أو جماعة، إنما هو نهج نبوي واضح، وطريقة شرعيَّة معروفة، كان فيها الإسرار في ظروف معينة، وسوف يكون بعد الإسرار إعلان نسبي يُعْلِن فيه بعضهم عن إسلامه؛ بينما يُخفي الإسلام آخرون، ثم ستأتي بعد ذلك مرحلة يُعْلِن فيها الجميع عقيدته. هذا المنهج المطرد يجعل على المسلمين لزامًا أن يدرسوا السيرة النبوية بعناية شديدة؛ لأن أيَّ مخالفة لهذا الطريق النبوي الواضح لن يكون عاقبتها إلا الزيغ والضلال؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54].

رابعًا: جاء في الرواية أن الأنصار قاموا بأمر الدعوة في يثرب «حَتَّى قَلَّ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلا أَسْلَمَ فِيهَا نَاسٌ لا مَحَالَةَ»، والمقصود «بالدار» هنا هو العائلة، وليس البيت الواحد الذي تسكن فيه أسرة واحدة؛ لأن المسلمين في يثرب قبل قدوم مصعب بن عمير رضي الله عنه كانوا قلَّة؛ ولكن هذه القلَّة كانت موزَّعة على كلِّ القبائل والبطون، ولم تكن خاصَّة بفرع دون آخر، وهذا من ترتيب ربِّ العالمين؛ لأن هذا الشيوع والانتشار كان سببًا في تسهيل مهمَّة مصعب بن عمير رضي الله عنه، ويُثْبِت أن كلمة «دار» يُقْصَد بها عائلة كاملة في هذا السياق ما جاء في آخر الرواية عند الحديث عن إسلامِ فرعِ بني عبد الأشهل من قبيلة الأوس؛ حيث قال الراوي: فَأَسْلَمَتْ بنو عَبْدِ الأَشْهَلِ عِنْدَ إِسْلامِ سَعْدٍ وَدُعَائِهِ إِلَّا مَنْ لا يُذْكَرُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ «دُورٍ» مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ أَسْلَمَتْ بِأَسْرِهَا.

خامسًا: تذكر هذه الرواية موقفًا لسعد بن معاذ رضي الله عنه رأى فيه مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة رضي الله عنهما في إحدى حدائق الأوس فطردهما دون أن يسمع شيئًا، ثم تكرَّر الموقف، وجاءا مرَّة ثانية إلى الحديقة فسمع منهما صدر سورة الزخرف، وهذا السياق منطقي، ويُكْمل الصورة التي في رواية ابن إسحاق، فسعد بن معاذ رضي الله عنه رفض السماع في مرَّة فلم يُرِدْ مصعب رضي الله عنه أن يضغط عليه أو يُكْرِهه على شيء لا يُحِبُّه، فهذا أدعى لسماعه في وقت آخر، وقد جاءت الفرصة الأخرى حين ذهبا مرَّة ثانية إلى الحديقة، فوجدا لينًا في كلام سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقرأ عندها مصعب رضي الله عنه القرآن. إن هذا يدلُّنا على مدى حصافة وذكاء الصحابيين الجليلين مصعب وأسعد رضي الله عنهما، وفقههما لفنون الدعوة ووسائلها، كما يُوَضِّح مدى الإصرار الذي تميَّزا به حيث عادا مرَّة ثانية إلى الحديقة لدعوة الأوس دون إحباط بعد طردهما في المرَّة الأولى.

سادسًا: أظهرت هذه الرواية -بالإضافة إلى رواية ابن إسحاق- شيئًا من طريقة سعد بن معاذ رضي الله عنه الفذَّة في إقناع قومه، وهذه الطريقة تُفَسِّر لنا السرَّ وراء قبول قومه لزعامة سعد رضي الله عنه للقبيلة مع كونه شابًّا في مقتبل العمر؛ فقد كان يمتلك من مواهب التأثير والقيادة الكثير.

لقد استخدم سعد بن معاذ رضي الله عنه أكثر من أسلوب ليصل إلى مراده، وهو قبول قومه للإسلام؛ وذلك دون جدالات كثيرة أو خصومات؛ فكان مما فعله ما يلي:

التذكير بمكانته رضي الله عنه فيهم، وتاريخه وتاريخ آبائه في قيادة القبيلة، ليلفت الأنظار إلى أنَّ عدم قبول الأسرة بالإسلام قد يُفْقِدها هذه القيادة الرشيدة، فقال لهم: يَا بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَوْصَلُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً. ولا يخفى علينا ذكاؤه رضي الله عنه حين استنطقهم بهذا الكلام، ولم يتطوَّع هو بذكره، فإن هذا يكون أبلغ حُجَّة عليهم.

كان سعد بن معاذ رضي الله عنه عقلانيًّا إلى أقصى درجة عندما قال لقومه: «مَنْ شَكَّ فِيهِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَلْيَأْتِنَا بِأَهْدَى مِنْهُ نَأْخُذْ بِهِ». فأثبت لهم أنه ليس متعنِّتًا في رأيه، وليس ديكتاتورًا يفرض رأيه كزعيم، إنما هو يقبل الآراء الأخرى بسلاسة، شريطة أن تكون أهدى وأصوب، وكان يقول هذا الكلام وهو على يقين أن قومه لن يأتوا بشيء هو أهدى من القرآن الكريم؛ ومن ثَمَّ فهذه طريقة فذَّة للإقناع! وللعجب فهذه طريقة قرآنية في إقامة الحُجَّة لم يكن سعد رضي الله عنه يعرف وجودها في القرآن في ذلك الوقت؛ ولكن الله أجراها بفضله على لسانه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: 49].

استخدم سعد بن معاذ رضي الله عنه إلى جوار حواره العقلاني الهادئ لغةً تحذيرية مخيفة ليُرْغِم القوم على سرعة التفكير وأخذ القرار دون تسويف، فقال لهم: «فَوَاللهِ لَقَدْ جَاءَ أَمْرٌ لَتُحَزَّنَّ فِيهِ الرِّقَابُ». بمعنى أن أمر الإسلام أمر عظيم جليل سيكون له أتباع وجنود، وسيكون هناك على الطرف الآخر مقاومون له ومحاربون، فاختاروا لأنفسكم وضعًا تحبونه، فإنكم لن تستطيعوا أن تبقوا على الحياد كثيرًا؛ خاصَّة أن الإسلام ينتشر الآن في بلادكم، وستكونون حتمًا طرفًا في المعادلة، إن عاجلًا أو آجلًا.

أعلن سعد بن معاذ رضي الله عنه في منتهى الحسم قراره الذي وصل إليه، وهو قرار الإسلام، وكان هذا القرار مصحوبًا بقرار آخر لا يقلُّ خطورة عنه، وهو قرار مفاصلة قومه تمامًا إن لم يقبلوا بالإسلام. قال سعد رضي الله عنه: «فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ». إنه لا يُكْرِههم على اعتناق الدين الجديد؛ ولكنه يُخبرهم أن رفضهم للإسلام يعني أنهم اختاروا طريقًا غير طريقه، وأن هذا أمر لا رجعة فيه.

(الجزء الثاني)


[1] وفي رواية أبي نعيم: «وَنَحْنُ ثَمَّ نُحِبُّ مَا أَنْ نَشُدَّ بِهِ أَمْرَكَ».

[2] في رواية أبي نعيم: «نرى».

[3] في رواية أبي نعيم: «بِئْرَ مَرَقٍ».

[4] «فجلسنا» هكذا في رواية الطبراني، وفي رواية أبي نعيم: «فجلسا». وفي لفظ الهيثمي عن الطبراني: «فجلسوا».

[5] أي أهل الحائط من قبيلة الأوس.

[6] وفي رواية أبي نعيم: «لِبِئْرِ مَرَقٍ».

[7] وفي رواية أبي نعيم: «فَارْدُدْهُ بِأَهْدَى مِنْهُ».

[8] الطبراني: المعجم الكبير (17605)، أبو نعيم الأصبهاني: دلائل النبوة ص308، وقال الهيثمي: رواه الطبراني مرسلًا، فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات. انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 6/42، وقال الصوياني: سنده مرسل عند أبي نعيم وهو مرسل عروة، ورُوي مرسلًا عن الزهري؛ لكن للخبر شاهد عند ابن إسحاق (ابن هشام: السيرة النبوية 1/435-437 وهي الرواية السابقة): حدثني عبد الله بن المغيرة بن معيقب، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وهذان تابعيان ثقتان ولبعض الخبر شواهد صحيحة. انظر: الصوياني: السيرة النبوية 1/237.

التعليقات (0)