من هم الأغالبة؟ (184-296هـ/ 800-909م) (1)

من هم الأغالبة؟

(184-296هـ/ 800-909م)

(الجزء الأول)

أسرة عربية تنتسب إلى قبيلة تميم، حكمت إفريقية (تونس والقسم الأكبر من المغرب العربي) من نهاية القرن الثاني الهجري حتى نهاية القرن الثالث/ القرن التاسع الميلادي. وكانت حدود دولة الأغالبة تتسع وتتقلص بحسب قوة أمرائها وضعفهم. أسس الدولة إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عِقال بن خفاجة التميمي. وكان والده الأغلب ـ الذي سميت الدولة باسمه ـ أول من دخل إفريقية من هذه الأسرة، التي كانت قد استقرت في مَرْو الرُّوذ في خراسان، منذ الفتح الإسلامي. وكان قيام هذه الدولة في عهد الخليفة هارون الرشيد. وقد تلقب حكام هذه الدولة بالأمراء، وظلوا خاضعين لسلطة الخلفاء العباسيين اسمياً، فسكوا النقود باسمهم، وخطبوا لهم على المنابر، من دون أن يسمحوا لهم بالتدخل في شؤونهم الداخلية.

تأسيس الإمارة وأشهر حكامها:

دخل الأغلب بن سالم إفريقية مع قوات محمد بن الأشعث سنة 144هـ/ 761م، وعهد إليه الخليفة العباسي المنصور بولاية إفريقية (تونس) سنة 148هـ/ 765م، ولكن سهماً أصابه سنة 150هـ/ 767م أدى إلى وفاته فعرف بالشهيد، وكان ابنه إبراهيم صغيراً، لم يتجاوز عمره عشر سنين، فقضى صباه في الدرس والتحصيل في الفسطاط (مصر). ولما شبّ دخل في جند مصر، ثم أتيح له دخول المغرب في ولاية الفضل بن روح فيما بين 177- 179هـ/ 794-796م، وتوصل بفضل شجاعته وحسن تدبيره إلى تولي منطقة الزاب في ولاية هَرْثَمة بن أَعْينِ لإفريقية، ثم قام بنصرة واليها الجديد محمد بن مُقاتِل بعد أن تغلب عليه أحد عماله سنة 181هـ/ 798م، ورده إلى إمارته. ولما علم الخليفة هارون الرشيد بحسن بلائه وإخلاصه للخلافة، جعله والياً على البلاد في مستهل سنة 184هـ/ 800م، بعد أن تعهد بدفع أربعين ألف دينار سنوياً إلى بيت مال الخلافة في بغداد، والاستغناء عن المعونة السنوية التي كانت تقدمها مصر إلى إفْرِيِقيّة ومقدارها مئة ألف دينار.

بدأ إبراهيم ولايته ببناء مدينة العبّاسية أو القصر القديم سنة 184-185هـ/ 800 -801م في الجنوب الشرقي من القَيروَان، واتخذها عاصمة له، ونقل إليها السلاح والعدد، ثم انتقل إليها بأهله وحرمه وعبيده وأهل الثقة من جنده. وكان يقصد بذلك التحرر من تسلط الجند المشاغبين ومدافعتهم، وكان من بين التدابير التي لجأ إليها ليحقق ذلك أنه راح يشتري أفراداً من السودان بحجة استخدامهم في الصناعة تخفيفاً على الناس من أعبائها، لكنه استخدمهم في الجيش ودربهم على حمل السلاح.

على أن الثورات في المغرب لم تلبث أن عادت سيرتها الأولى، وحدث ماكان يخشاه إبراهيم بن الأغلب، إذ ثار خريش بن عبد الرحمن الكنْدي سنة 186هـ/ 802م، وخرج على الأغالبة والعباسيين في آن واحد ونزع السواد شعار العباسيين، فأرسل إبراهيم جيشه لقتاله عند سبخة تونس، وانتصر عليه وفرض الأمن فيها. وفي سنة 189هـ/ 805م ثار عليه أهل طرابلس، وكانت تابعة له، وأخرجوا منها واليه سفيان بن المضاء لسوء معاملته لهم. فأرسل إبراهيم جيشاً أحضر الثوار إلى القيروان، ثم عفا عنهم وأعادهم إلى بلادهم. ومع ذلك فإن الفتن والثورات لم تهدأ في طرابُلس، فكانت تهيج بين الحين والآخر، ولا سيما قتال الرستميين للأغالبة، حتى نزل لهم الأغالبة عن المناطق التي يحتلونها جنوبي طرابلس.

أما أخطر هذه الثورات فثورة قائد إبراهيم ووزيره عمران بن مجالد سنة 194هـ/ 810م الذي شعر بقوته بعد الخدمات الكبيرة التي قدمها لولي أمره إبراهيم بن الأغلب، فاستولى على القيروان، وغلب على معظم بلاد إفريقية، واستمرت الثورة عاماً كاملاً حتى استعاد إبراهيم سلطته بعد أن دفع عطاء الجند الخارجين عليه، واضطر عمران إلى الفرار إلى بلاد الزاب، ودخل إبراهيم القيروان، فقلع أبوابها، وهدم أسوارها حتى لا تعود إلى الثورة.

تطلع إبراهيم إلى المغرب الأقصى حيث الدولة الإدريسية فاضطر إدريس إلى إرضائه، وسؤاله الكف عنه. وقد بلغ من استقلال إبراهيم بما تحت يده وقوة نفوذه أنه استقبل شارلمان في العباسية حاضرة الإمارة، وعقد هدنة مع حاكم صقلية قسطنطين نصت على مفاداة الأسرى.

توفي إبراهيم بن الأغلب سنة 196هـ/ 812م، بعد أن حكم إفريقية مدة اثنتي عشرة سنة. وكان فقيهاً، أديباً، شاعراً، خطيباً، ذا رأي ونجدة. وخلفه في الحكم ابنه أبو العباس عبد الله بن إبراهيم (196-201هـ/ 812 -817م) الذي كان يلي طرابُلُس لأبيه، فأخذ أخوه زيادة الله البيعة له من رؤساء الجند، ثم دخل القيروان سنة 197هـ/ 812م وأقره الخليفة المأمون على ما بيده من إفريقية.

عامل عبد الله سكان البلاد معاملة تنطوي على الكثير من العنت والجور، ولم يصغ إلى نصائح أهل الرأي فيها. وعدّل نظام الضرائب فجعل العشر ضريبة مالية ثابتة، حتى لا يتأثر الدخل السنوي بالخصب والجدب، فسخط الناس عليه، وطالبوا بإلغائها والعودة إلى نظام العشر الذي اعتادوه، كما عامل أخاه زيادة الله معاملة سيئة، وكذلك فعل مع أهل بيته. وكانت وفاته في سنة 201هـ/817م. فتولى الإمارة بعده أخوه زيادة الله بن إبراهيم (201- 223هـ/ 817 -837م) وكان أفصح أهل بيته لساناً وأكثرهم أدباً، وكان يقول الشعر، ويرعى الشعراء.

كثرت حركات الخروج عن الطاعة في أيام زيادة الله حتى إنه لم يعد يسيطر في بعض السنوات إلا على حاضرته وما يحيط بها، وترجع أسباب الاضطراب إلى استمرار زيادة الله على سياسة أخيه الجائرة مع الناس واستخفافه بالجند. ومن الثورات التي قامت في وجهه ثورة ابن الصقلبية في سنة 207هـ/ 822م في باجة التي قضى عليها بسهولة، وثورة عمرو بن معاوية القيسي سنة 208هـ/ 823م التي عرفت بثورة القصرين، فقضى عليها أيضاً، ثم ثورة منصور الطَنْبذي سنة 209هـ/ 824م في تونس التي كادت تودي بالدولة الأغلبية. واستطاع زعيمها إلحاق هزيمة قوات زيادة الله أكثر من مرة، حتى خرجت مدن كثيرة عن طاعته، واستبد بها القواد الذين دخلوا في طاعة الطنبذي، ومنها باجة والجزيرة وصَطْفورة وبَنْزَرْت والأرس وغيرها. ولم يبقَ في يد زيادة الله سوى عدد قليل من المدن، كما حاول الطنبذي احتلال القيروان نفسها، وإنهاء حكم زيادة الله سنة 209هـ/ 824م فلم ينجح، وضرب منصور الطنبذي السكة باسمه.

حاول علماء إفريقية التوسط بين زيادة الله والطنبذي كأبي محرز وأسد بن الفرات، ولكن الحرب لم تتوقف، إلى أن قام زيادة الله بهجوم كبير في منتصف جمادى الآخرة سنة 209هـ/ 12 تشرين الأول 824م، فانهزم الطنبذي إلى قصره بتونس، ولاذ رجاله بالفرار، ولكنه ما لبث أن استجمع قواه، وعاود القتال من جديد، وتضعضع حال زيادة الله ثانية، حتى كاد يخسر كل شيء، ولم يبق في يده إلا قابس ونفزاوة وطرابلس، ولم ينقذه إلا خلاف نشب بين منصور الطنبذي وعامر بن نافع أحد قادته، إذ انقلب عامر على الطنبذي واعتقله وسجنه في جزيرة جَرْبة ثم قتله. ولم تنتظم الأمور لعامر بن نافع فاضطر إلى الفرار بسبب التمزق في صفوف جنده، ولم تنته الفتنة إلا بوفاته، بعد مدة من الاضطراب دامت ثلاثة  عشر عاماً.

بعد أن استتب الأمر لزيادة الله الأغلبي قرر الشروع بفتح صقلية سنة 212هـ/ 827م، فجهز حملة أسند قيادتها إلى القاضي الفقيه أسد بن الفرات الذي كان على علمه فارساً شجاعاً، ونزلت الحملة في مَزارة على أقصى الشاطئ الجنوبي الغربي، وهي أول عملية إنزال في صقلية من سلسلة عمليات طويلة استمرت مدة اثنين وخمسين عاماً، وانتهت بفتح سرقوسة سنة 264هـ.

توفي زيادة الله سنة 223هـ/ 838م بعد ولاية حافلة بجلائل الأعمال والخطوب، استمرت أكثر من إحدى وعشرين سنة، وخلفه في الإمارة أخوه الأغلب أبو عقال المعروف بخَزَر أو خزرون (223-226هـ/ 838 -841م) وكان ثالث أبناء إبراهيم بن الأغلب الذين تولوا الإمارة على التوالي بعده، وأحسن سيرة من أخويه، فقد أجزل للعمال الأرزاق والصلات الكثيرة وتمتعت البلاد في زمنه بالأمن والاستقرار، بفضل الإجراءات التي اتخذها، فقد ألغى الضريبة الثابتة، وأعاد ضريبة العشر، وحرص على دفع عطاءات الجند في مواعيدها المقررة، وكف أيدي عماله عن التطاول على أموال الناس والمظالم بزيادة رواتبهم، ودفعها لهم في أوقاتها، كما منع صنع النبيذ والخمر في القيروان، وعاقب على بيعه وشربه. ولم يعكر صفو الأمن في عهده إلا حركة الخوارج في إقليم الجريد فيما بين مدينتي قفْصَة وقَسْطيلية (توزر) الذي تسكنه قبائل لواته وزواغة ومكناسة، فاضطر إلى إرسال جيش لقتالها سنة 224هـ/ 838م.

توفي الأغلب أبو عقال سنة 226هـ/ 841م، بعد أن حكم سنتين وتسعة أشهر وأياماً وكان في الثالثة والخمسين من عمره وخلفه ابنه أبو  العباس محمد (حكم 226-242هـ/ 841-856م) الذي كان من أطول أمراء الأغالبة عهداً، ولم يكن على شيء من العلم والدين، ولكنه كان مظفراً في حروبه. شاركه أخوه أحمد أمور الحكم في بدء عهده ثم خرج عليه وحاول أن يستقل بالحكم سنة 231هـ/ 844م، إلا أن محمداً كان له بالمرصاد فاستعاد سلطانه منه.

كانت أوضاع البلاد مستقرة في عهد محمد، ولم يعكر صفوها إلا بعض الاضطرابات التي قام بها قواد الجند في الزاب بقيادة سالم بن غلبون، وفي تونس بقيادة عمر بن سليم التجيبي الذي تفاقم أمره. وكان عصره عصر عظماء العلماء العبّاد مثل أبي محمد عبد الله بن أبي حسان اليحصبي (ت 227هـ/ 842م)، والبهلول بن عمر بن صالح (ت 231هـ/ 846م)، والإمام سحنون بن سعيد (ت 240هـ/ 854م) الذي تولى القضاء سنة  233هـ/ 847م، والذي يعود إليه نشر المذهب المالكي في إفريقية بفضل كتابه المعروف بالمدوَّنة، إلى جانب أعمال عمرانية متعددة.

أما عن السياسة الخارجية في عهد محمد بن الأغلب فأهمها استمرار الفتوح في صقلية، والاستيلاء على مناطق واسعة من قلورية (كلابرية) في جنوبي إيطالية حتى قاربت قواته رومة.

توفي محمد بن الأغلب سنة 242هـ/ 856م بعد أن حكم خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأياماً، تاركاً الملك لابن أخيه أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب (حكم 242-249هـ/ 856-863م)، وكان حسن السيرة، كريم الأخلاق والأفعال، من أجود الناس وأسمحهم، وأرفقهم بالرعية، مع دين واجتناب للظلم على حداثة سنه، فانصرف إلى أعمال البر والخير، وجعل على قضاء القيروان أبا الربيع سليمان بن عمران بن أبي هاشم الملقب بخروفة. وكانت مدة حكم أبي إبراهيم أحمد هادئة، لم يعكر صفوها إلا اضطراب الأوضاع في منطقة طرابلس. أما عن الفتوح في صقلية، فقد كان مظفراً في حروبه فيها، فاستولى على قصريانه (كاسترو جيوفاني)، وهي من مدن صقلية المهمة، وكان للخليفة العباسي نصيب في مغانمها، مما يشير إلى أن الدولة الأغلبية كانت ما تزال تعترف بسيادة الخلافة العباسية، على الضعف الذي أصابها.

لم يطل حكم أحمد، فقد توفي سنة 249هـ/ 863م، وعمره ثمان وعشرون سنة، وخلفه في الإمارة أخوه أبو محمد زيادة الله الثاني (249 - 250هـ/ 863 -864م)، الذي كان عاقلاً حليماً حسن السيرة، جميل الأفعال، ذا رأي ونجدة وجود، نظم أمور صقلية، وأقر حاكمها الذي كان على عهد أخيه، ولم تقم ثورات في الداخل في عهده القصير، إذ حكم سنة واحدة وخلفه ابن أخيه أبو عبد الله محمد بن أحمد أبو الغرانيق (250-261هـ/ 864- 875م)، وكان أبو الغرانيق صغير السن حين تولى الإمارة إلا أنه كان حسن السيرة في الرعية جواداً، غلبت عليه اللذات والشراب والميل إلى الطرب والاشتغال بالصيد، ولاسيما صيد الغرانيق، فلقب بها، بنى قصراً في موضع السَهْلَين يخرج إليه لصيدها، وأنفق فيه ثلاثين ألف مثقال من الذهب وبدد أموال الدولة على لهوه فلم يترك لخلفه إلا خزانة فارغة. إلا أن حروبه في صقلية كانت مظفرة تخللتها بعض الانتكاسات، كما استطاع إعادة فتح جزيرة مالطة سنة 261هـ/ 874م، وأسر ملكها، بعد أن كانت قد خرجت من يده سنة 255هـ/ 869م.

لم تكن علاقات أبي الغرانيق جيدة مع الدولة الرستمية والقبائل الخاضعة لها، مما اضطره إلى إرسال جيش كبير لقتالها بقيادة أبي خفاجة محمد بن إسماعيل، وتمكن هذا الجيش من تحقيق الانتصار في البداية، وأطاعته القبائل في منطقة الزاب، وعبرت عن طاعتها بتقديم الرهائن، ماعدا بني كملان من قبائل هوارة، فاضطر لقتالهم وانتهت المعركة بكارثة لجيش الأغالبة، فقتل قائد الجيش وجماعة من كبار قادته وكثير من جنده.

توفي أبو الغرانيق سنة 261هـ/ 879م وقد حكم إفريقية وما يليها عشر سنين وخمسة أشهر ونصف، وعاصر من الخلفاء العباسيين، المستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد، وأقره كل منهم على ولايته. وخلفه في الحكم ابنه أبو عقال الأغلب وكان صغيراً فتولى عمه إبراهيم بن أحمد أبو إسحق الوصاية عليه، وحلف الأيمان على حسن الوصاية، ولكنه حنث بأيمانه واغتصب الولاية لنفسه، ولم يمض عليه في الإمارة غير أيام.

استقر إبراهيم بن أحمد (261-289هـ/ 875 -902م) في القصر الجديد بمدينة رقّادة، التي بناها، وحصل على بيعة مشايخ أهل القيروان ووجوه أهل إفرِيِقِيَّة وجماعة من بني الأغلب، وكان حكمه من أطول عهود أمراء الأغالبة. بدأ عهده بكف الظلم ونشر العدل، وكان يجلس بنفسه للمظالم في جامع القيروان يوم الخميس والاثنين من كل أسبوع.

(الجزء الثاني)

التعليقات (0)