التفسير الديني للتاريخ دراسة مقارنة بين الإسلام والغرب (2)

التفسير الديني للتاريخ

دراسة مقارنة بين الإسلام والغرب

(ملخص كتاب القوانين للمؤلف)

(الجزء الثاني)

والأمر الذي أكّد عليه الباحثون؛ أن العديد من رواد هذه المدارس، هم من اليهود الذين لعبوا دوراً كبيراً في إفساد التصورات، ونشر الضلالات، للسيطرة على اقتصاد العالم، مستغلين أوضاع أوربا السيئة، وصدامها مع الكنيسة، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين.

وفي بروتوكولات حكماء صهيون، جاء في البرتوكول الثالث عشر: "سنحاول أن نوجه العقل العام نحو كل نوع من النظريات المبهرجة، التي يمكن أن تبدو تقدمية أو تحررية". وجاء في البروتوكول الرابع عشر: " لن نبيح قيام أي دين غير ديننا ". وجاء في البروتوكول الثالث ما معناه، أننا سنتبنى الشيوعية لضرب الدين.

كما أن لقادة الماسونية أقوالاً مشابهة لأقوال قادة الصهيونية؛ فقد جاء في قول أحد أقطابهم في المحفل الماسوني لعام 1923 م ".. يجب سحق عدونا الأزلي الذي هو الدين". وجاء في أقوالهم أن الماسونية وجدت في المبادئ الاشتراكية خير عوان لها. وقد جاء في عبارات ماركس معلم الشيوعية الأول، وأقوال لينين وستالين رواد الثورة الاشتراكية في الإتحاد السوفيتي، أن الدين والأخلاق أوهام تتستر خلفها المصالح، والدين هو أفيون الشعوب.

وهكذا نجد أن التاريخ الأوربي في العصر الحديث تأثر بالإلحاد والشيوعية، وتأثر بالعلمانية، وما من شك في تأثير الصهيونية اليهودية على الفكر الأوربي آنذاك. وهكذا يتفق الجميع على نبذ الدين.

ثالثاً: التفسير الديني للتاريخ عند المسلمين:

التفسير الديني للتاريخ عند المسلمين ليس قضية ثقافية أو فكرية تربط بشخص ما؛ بل قضية عَقَدية ترتبط بالإنسان وأصله بدايته ونهايته، ودوره. وترتبط بالكون وبدايته ونهايته، وترتبط بالسنن الربانية وجريانها. فالرؤية التاريخية في الإسلام ترتبط بمنهج رباني.

ومن هنا اختلف التفسير الديني للتاريخ عند المسلمين عن تفسيرات المدارس الغربية؛ لأن مصادر التلقي عند المسلمين ربانية وحيية، وعند الآخرين، نظرية احتمالية مبنية على أسس ليست رصينة، إن لم تكن واهية.

إن التفسير الديني أو الإسلامي للتاريخ مراده الإنسان. فهو ينطلق من منطق عقدي، وتربوي، وعلمي. فهناك محاور لتقويم هذا الإنسان أو الحضارات.

المحور الأول: هل حقق هذا الإنسان العبودية في الأرض ؟ مصداقاً لقوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.

المحور الثاني: هل قام هذا الإنسان بعمارة الأرض حسب ما أراده الله ؟ مصداقاً لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.

المحور الثالث: هل أدى الإنسان دوره ؟ مصداقاً لقوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }.

فالإجابة على هذه الأسئلة؛ هي معايير تقويم الإنسان والحضارات عند الله.

وفي هذا المبحث سيتم الحديث عن: القرآن والتاريخ، وخط سير التاريخ، والسنن الربانية في التاريخ، وسقوط الدول أو الحضارات.

وسنحاول الخروج بقواعد وأسس مهمة تسيّر حركة التاريخ.

أ: القرآن والتاريخ:

أعطى القرآن الكريم للمسألة التاريخية مساحة واسعة واتجاهات عديدة اندرجت بين الإجمال أو العرض والتفصيل وبين استخلاص العبر والدروس، وتوضيح السنن الربانية التي تحكم حركة الأمم والجماعات عبر الزمان والمكان؛ فقدّم أصول منهج متكامل في التعامل مع التاريخ البشري، والانتقال به من مرحلة العرض والتجميع إلى استخلاص القوانين التي تحْكم الظواهر الاجتماعية.

إن الموقف الإسلامي من التاريخ يتميز بالمرونة والبعد عن التوتر المذهبي والتعصب الديني الذي يسعى إلى قولبة الوقائع التاريخية وصبها في هيكله؛ مما يوقعها في انحرافات وأخطاء. فهناك عدة نصوص قرآنية تحث الإنسان على التأمل والتفكر والبحث والتحرّي ومعرفة السنن منها: قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}. وقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. وعلى سبيل المثال، نجد أن القرآن عالج المسألة التاريخية في كلٍ من غزوة بدر، وأحد، والخندق، وحنين. كما صوّر الظروف والأجواء العامة التي وقعت في هذه الغزوات وبين أسباب النصر والهزيمة، والدروس المستفادة منها خاصة فيما يتعلق بالسمع والطاعة لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم في سورة آل عمران وسورة الأحزاب وغيرهما، مما نزلت فيها أحكام فقهية استنبط العلماء منها فوائد جمة، وحكم عديدة. ومن أشهر من كتب في هذا المجال، ابن القيم (ت751هـ) في كتابه زاد المعاد.

لكن القرآن لا يقدم لنا تفصيلات المعارك بين المسلمين وغيرهم من الأمم، إنما نجد ذلك في كتب التفسير الموثوقة التي فصلت في الأحداث مستعينة بالتاريخ والسيرة، وحتى الإسرائيليات أحياناً؛ مالم تخالف شرعنا كما قرره العلماء.

ب: التفسير الديني لخط سير التاريخ أو حركة التاريخ كما هو في الإسلام:

إن خط سير التاريخ عند المسلمين يبدأ منذ أن خلق الله آدم عليه السلام. قال تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ }. فغاية خلق الإنسان؛ العبادة ثم الخلافة في الأرض. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ}.

وحتى يصبح للوجود الإنساني معناه قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ}. وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} وقوله تعالى:{أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً}. إن التفسيرات الوضعية للتاريخ انحرفت في الفكر والتصور عن الإنسان وخلقه ومقصد وجوده وحقيقة الربوبية والألوهية (ضلت وأضلت)؛ لأنها تهْرف بما لا تعرف، فأخدت ترجم بالغيب وتتخبط في الظنون والأوهام بعيدة عن الوحي. فكتابات المؤرخ (ويلز) صاحب كتاب (معالم تاريخ الإنسانية) عندما يتكلم عن أصل الإنسان ومراحله، يبحث في القردة وأشباه الإنسان والانسان الحجري والجليدي، معتمداً في ذلك على الأحافير والهياكل تاركاً الوحي الرباني.

إن التفسير الإسلامي للتاريخ ينظر إلى أن حركة التاريخ تجري بقدر ووفق سنة الله التي أجراها في الخلق والحياة والكون، وتحقيق السنن الربانية مرتبة على سلوك البشر في الحياة الدنيا ومدى استجابتهم للأوامر والنواهي الشرعية.

رابعا: قواعد عامة في التفسير الديني للتاريخ:

من خلال إشارات العديد من الباحثين والمتخصصين، سنحاول ذكر أبرز القواعد في التفسير الديني أو الإسلامي لحركة التاريخ بإيجاز.

1- ضرورة تصحيح المفاهيم الأساسية في التصور عن الإنسان والكون والحياة.

فالتصور الصحيح عن أصل الإنسان والحكمة من وجوده وغايته وهدفه ورسالته وعمارته للأرض، لا يكون إلا وفق منهج الله وبالإيمان المطلق.

2- لا بد من مراعاة الحقائق التي جاء بها القرآن. ومن ذلك:

- أصل البشر: آدم عليه السلام، وفطرة الناس: الإسلام، وعقيدة البشر: التوحيد. قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}. أي كانوا أمة واحدة على التوحيد. وبعض كتب التاريخ القديمة تقول إن أول موحد في التاريخ هو الفرعون أخناتون لأنه دعا إلى عبادة الشمس دون غيرها. كما بين القرآن أن الإنسان خلق خلقاً سوياً قال تعالى:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.

- الأمة الإسلامية هي صاحبة الريادة. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. وقال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. فالمؤرخ المسلم يجب عليه أن يستوعب كليات التصور الديني للتاريخ ويلتزم بها ويرد كل النظريات الوضعية التي تخالف هذا التصور كنظرية دارون مثلاً.

3- يجب تفسير دوافع السلوك عند المسلمين في صدر الإسلام تفسيراً يتوافق مع روحانية الزمان وأفضليته ويتوافق مع تزكية القرآن لهم ورضاء الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم، دون غلو أو تقديس. فالدراسات الاستشراقية عجزت عن فهم روحانية الإسلام وقوة الإيمان التي كانت دافعاً قوياً لسلوك الصدر الأول، فأخذت تقيس تلك الفترة بتاريخها الأوربي. فهم لا يدركون مدى أثر العقيدة والإيمان في دوافع السلوك عند المسلمين. فلا يمكن أن نفسر دوافع الفتوحات الإسلامية بأنها مادية كما تردده كتب المستشرقين وأذنابهم، بل إن حركة الفتوحات الإسلامية كانت عقدية دينية، تستند إلى أوامر شرعية من القرآن والسنة، تدعمها الشواهد العديدة من التاريخ الإسلامي، ويؤكدها ما ذهب إليه الفقهاء في أحكام الجهاد والفتح والغنائم والأسارى؛ مما يدّعم أن الجهاد كان من منطلق ديني، والمصالح المادية التي كسبها المسلمون جاءت ثمرة للجهاد.

4- تقويم الحضارة يرتبط بمدى ملاءمتها لعبادة الله، فلا نقيسها بالجوانب المادية:

فصاحب كتاب (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع) المؤرخ المعاصر(آدم متز)، يرى أن القرن الرابع الهجري يمثل أوج الحضارة الإسلامية، بينما يرى المؤرخ المسلم أن عصر صدر الإسلام هو أوج الحضارة؛ لأنه أكثر ملائمة لعبادة الله وتوحيده. وهذا يوافق قول النبي صلى الله عليه وسلم: في صحيح البخاري: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ).

5- رفض منطق التبرير تلمس الأعذار- كأساس لتفسير تاريخ صدر الإسلام.

ومن ذلك الأسلوب الاعتذاري الذي يستخدمه بعض المؤرخين المسلمين المعاصرين عند الكلام عن الجهاد أو الجزية ومحاولتهم تقديم التبرير عنها، كردة فعل للهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين. فمنطق التبرير؛ كان بسبب للقهر النفسي والفكري الذي أحدثه الغزو الفكري في عقولنا. وقد بين القرآن أن هزيمة المسلمين في أحد بسبب مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هزيمة المسلمين في غزوة حنين أول الأمر بسبب العجب بكثرة العدة والعتاد.

ولعلاج منطق التبرير؛ لابد أن نعتمد على المصادر الشرعية أولاً في التبرير ثم ننظر فيما يقوله الآخرون، فإن خالفونا نطرح تأويلاتهم ونرضى بشرعنا.

6-استعمال المصطلحات الشرعية في الكتابة التاريخية. لأنها ذات دلالة واضحة. فالقرآن الكريم قسم الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق، وبين صفاتهم، فلا ينبغي التلاعب بها أو استحداث مصطلحات غير شرعية كحزب يميني وحزب يساري، أو استخدام مصطلح التقدمية والرجعية بدلاً الخير والشر أو الحق والباطل. فالتقدمية تطلق غالباً على المتحررين، والرجعية تطلق على المتمسكين بأصول الدين. وهو ما نلمسه في الإعلام المعاصر. كما يخلط البعض بين مصطلح الديمقراطية، وبين مفهوم الشورى في الإسلام.

7- عند تفسير التاريخ لابد من فهم الواقع؛ لمعرفة العوامل التي شكلت المجتمع وتحكمت في حركته وموازنة ذلك بالأوامر والنواهي الشرعية. فالمنهج الإسلامي ليس تبريرياً يتلمس الأعذار فقط بل هو يبين الأخطاء ويناقشها.

8- مراعاة العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. عند الحديث عن الأسباب والنتائج، فالتفسير الديني لا يتعارض معها.

9- لا بد من معرفة الضوابط في الأخذ من كتب غير المسلمين (الإسرائيليات) وقد تكلم عنها العلماء في عدة مواضع من مؤلفاتهم، وعلى سبيل المثال فقد صدر ابن كثير في مقدمة تفسيره مجموعة من القواعد المتعلقة بالإسرائيليات، فإذا كانت الإسرائيليات مخالفة لشرعنا فلا يمكن قبولها بل يجب ردّها ورفضها.

10- ضرورة مراعاة السنن الربانية عند تحليل الظواهر الاجتماعية.

11- من يتصدى لقضية التفسير الديني، يجب عليه الاطلاع على القرآن والسنة، وتوخي الدقة في الأخذ من بعض الموسوعات العلمية، وزيادة ثقافته الشرعية.

(الجزء الأول)


(عن موقع أشراف الحجاز)

التعليقات (0)