الحاكم والفقراء: جهود سلاطين المماليك لتوفير الاحتياجات الأساسية للفقراء في مصر أوقات الرخاء ونوبات الغلاء (7)

الحاكم والفقراء

جهود سلاطين المماليك لتوفير الإحتياجات الأساسية للفقراء في مصر

أوقات الرخاء ونوبات الغلاء

(الجزء السابع)

وكان التسعير لا يعجب الجلبان وبعض التجار والمضاربين؛ لأن لديهم مخزونًا يريدون بيعه بأعلى الأسعار، والتسعير يحد من ذلك، فاختلقوا أزمات عدة منها في سنة 891هـ حيث ثار جماعة من الجلبان وتوجهوا إلى بيت بدر الدين بن مزهر المحتسب، وقصدوا حرق بيته "...بسبب تسعير البضائع من اللحم والجبن وغير ذلك.. "فتصدى لهم السلطان بنفسه"([1]). وفي سنة 919هـ نزل الزيني بركات بن موسى المحتسب وأشهر المناداة على لسان السلطان بتسعير البضائع حتى الدقيق، ففرح الناس وعز ذلك على السوقة وغلقوا الدكاكين أيامًا، واضطربت بسبب ذلك القاهرة، ثم امتثلوا كذلك وسكن الاضطراب([2]). وهذا يؤكد ثانية بأن التسعير لم يكن يرقى لبعض الفئات الاحتكارية والانتهازية التي كانت تستميت لتُفشل عملية التسعير بإخفاء البضائع، لذا لم يكن التسعير يفشل حين يُفرَض إلا بسبب الإهمال أو التقصير في توفير كميات كبيرة من الغلال والسلع الاحتكارية، وعدم التحكم في أسعار الغلال عند المحتكرين من التجار والأمراء فتشتد الأسعار ارتفاعًا.

على أية حال، فقد كان الخبازون والطحانون يتعرضون للعقوبات البدنية بشتى ضروبها في حالة تسببهم في الأزمة. فمن المعروف أن المحتسب كان يتولى مراقبة الأسعار، ومراقبة عمليات البيع والشراء، وحين يمتنع أصحاب المطاحن والمخابز عن البيع لأمر ما، يعاقبهم بأبشع صنوف العقاب، ويوجه إليهم إنذارًا بفتح حوانيتهم "وأن يبيعوا بسعر الله" ويهددهم بنهب محلاتهم([3]). وفي هذا الصدد، أوردت المصادر أمثلة تدل على فعالية هذا الدور على مدار فترات طويلة؛ وقد أدت تلك الطريقة إلى تواجد السلع الغذائية بالأسواق بعد اختفائها([4]). فعلى الرغم من التدهور الذي أصاب كافة وجوه الحياة في مصر أواخر الدولة إلا أن وظيفة المحتسب ظلت لها كثير من قيمتها – رغم انفلات أمرها – ولم يخف مؤرخو العصر ذلك، فكلما ظهر أحد المحتسبين ومارس أمور وظيفته بدقة وحرص ونجح في القضاء على الأزمة سجلتها أقلامهم، فعندما نجح المحتسب إينال الششماني سنة 833هـ في القضاء على الغلاء الذي لاحت بوادره، وانخفض السعر، وتوافر الخبز بالحوانيت بعد فقده أيامًا، قال المعاصرون: "...فانحل السعر ولله الحمد، وربما صحت الأجسام بعد العلل..."([5]). في إشارة إلى دور المحتسب.

  • جلب الغلال من الريف للمدن:

وقد بذلت السلطة مجهودًا يذكر لتوفير الغذاء إذا ما حدثت غلوة أو حالة من فقد السلع الغذائية من سوقها، فكانت الدولة تلجأ إلى جلب الغلال من الأرياف وإقطاعات الأمراء من نواحي البلاد المختلفة أي الاستيراد الداخلي للقاهرة؛ فقد رسم الناصر محمد سنة 736هـ أن يُكتب إلى سائر ولاة الأقاليم أن يركب كل بنفسه إلى كل بلد وضيعة من عمل إقليمه، ويحمل سائر ما فيها، ولا يدع غلة في مطمورة ولا مخزنًا، ولا أحد عنده غلة حتى يحمل ذلك كله إلى مصر، ويحضر أربابها لأخذ أثمانها عن كل إردب مبلغ ثلاثين درهمًا وهو ما قرره السلطان لسعر القمح([6]).

وعندما اعترض أحد كبار تجار الصعيد، ويدعى محمد بن علي بن السديد، على أمر والي قوص له ببيع ما عنده من الغلال وهي تزيد على ألفين وخمسمائة إردب بالسعر المذكور، تنفيذًا لمنشور السلطان، كتب الوالي للناصر محمد يعرفه الأمر، فأمره السلطان باستعمال الشدة مع التاجر ومصادرته وإرساله وغلاله إليه بالقاهرة([7]). ولما حدث ذلك وأشيع أمره "...خشيت أهل البلاد والتجار، فباعت غلالها في الأقاليم..." وقدمت أحمال كثيرة من الغلال من بلاد الصعيد، وتبعها الحمل في البر والبحر من الشرقية والغربية والبحيرة، ولم ينسلخ رمضان حتى قدم بوادر المغل الجديد وبيع الخبز ثمانية أرطال بدرهم، حتى كانوا يطلعون الخبز من مصر على الطبالي ويشهدونه فيها([8]).

وحينما غلا السعر في عهد المؤيد شيخ سنة 818هـ، وفُقد الخبز، ركب المحتسب بنفسه "...إلى البلاد الغربية، وتتبع مخازن القمح وألزم أصحابها بالبيع..."([9]). ولما قدم السلطان من غيبته بالبلاد الحلبية تولى النظر في الأسعار بنفسه وسير خازنداره ومعه السمسار بمال جزيل إلى الصعيد ليشتروا به قمحًا ويحضروه بسرعة ليكثر بالقاهرة، وتبطل المزاحمة على الخبز([10]). وعندما حضر الخازندار ومعه الغلال كان السعر قد انخفض بالفعل، فأمره المؤيد بأن يبيع ما معه بالسعر الحاضر ولو خسر فيه النصف([11]).

  • جلب الغلال من خارج مصر:

ومن جهة أخرى، سعت السلطة المماليكية لاستيراد الغذاء من خارج بلاد السلطنة إذا ما دعت الحاجة([12]). فنجد في سنة 695هـ عندما ألم الغلاء والمجاعة بالبلاد المصرية، ركن السلطان العادل كتبغا على مخزون الغذاء المتواجد ببلاد الكرك لتخفيف ويلات الغلاء، وكان ببلاد الكرك والشوبك وبلاد الساحل لما يرصد لمهمات البواكر والحملات والحرب عامة ما ينيف على عشرين ألف غرارة، فحملت إلى الأمصار المملوكية([13]). وفي الوقت نفسه "... تواصلت الغلال إلى الإسكندرية وتواترت من جزيرة صقلية والقسطنطينية وبلاد الفرنجة، حتى إن الواصل إليها نيف على ثلاثمائة ألف إردب قمحًا..."([14]).

وفي سنة 700هـ وقع فناء في الأبقار بالديار المصرية، فقلّت اللحوم في الأسواق وتعطلت الصناعات الغذائية القائمة عليها لا سيما إدارة دواليب السكر وطحن الحبوب. فكتب إلى نائب الشام بأن يجهز إليهم أبقار شامية فوصلت أبقار كثيرة([15]). وعندما عم الغلاء عام 736هـ وقلت المؤونة "...فكتب السلطان –الناصر محمد- بحمل الغلال من غزة والكرك والشوبك وبلاد دمشق ولا يترك بها غلة مخزونة حتى تحمل إلى القاهرة..."([16]). ومثل هذا حدث سنة 741هـ عندما توجه الأمير طيبغا المجدي إلى الكرك وأحضر جميع ما فيها من المحاصيل([17]). ولما ألمّ بالبلاد الغلاء الشديد الذي ظل بمصر منذ سنة 853هـ حتى سنة 855هـ، جهز السلطان أحد الأمراء "...إلى جزيرة قبرص من بلاد الفرنج ليشري منها مغلًا يجيء به معه إلى القاهرة، وأحاله بثمنه على صاحب قبرص، مما عليه من الجزية، بل ودفع له أيضًا مبلغًا..."([18]).

  • العمل على تأمين السلع المجلوبة:

وثمة أمر أخر اتبعته السلطة المملوكية في أثناء الغلوات، وهو تأمين الواصل أو المتواجد من السلع والمواد الغذائية من نهب الجلبان أو الحرافيش والفئات الكادحة من المصريين، وتوزيع المتواجد والواصل على الطحانين والخبازين لضمان وجود الخبز أمام أعين الناظرين فتهدأ الأمور؛ فقد أمر نائب الغيبة في ذي القعدة سنة 818هـ، أن يكون على كل فرن جماعة من المماليك السلطانية يدفعون الناس من الزحام والنهب([19])، وواكب ذلك تأمين تفرقة القمح وتوزيعه على الطحانين في ساحل بولاق التي تباع فيها كل الغلال القادمة من الأقاليم، فكان يقف بساحل بولاق المحتسب بنفسه يوزع مقادير الاحتياجات على الطحانين ومعه بعض الأمراء والجنود للحماية من النهب([20]) وفي ذلك يقول ابن حجر([21]) عن المحتسب: "واجتهد في ذلك حتى رأى الخبز على الحوانيت". والشاهد هنا هو محاولة تأمين وصول القمح باعتباره الغذاء الأول للطحانين ثم العمل على حماية الطحانين أنفسهم والخبازين ووقوف فرق المماليك ليس لتأمين الخبازين، بل لتأمين السلعة الاستراتيجية التي يعملون في صناعتها.

وفي بعض الأحيان عملت السلطة على حماية الغذاء من نهب الجلبان، فكثيرا ما نقرأ عن مهاجمة الأجلاب للتجار ومراكب القمح ومواد الغذاء الواصلة من الأقاليم مما كان يتسبب في رفع السعر؛ كما يمتنع التجار عن التجارة فيعظم الغلاء، وحينما حدث ذلك سنة 854هـ أرسل السلطان الأمير مرجان العادلي نائب مقدم المماليك السلطانية ومعه عدة مراكب، لحماية شون الأمراء، حتى يباع ما فيها من الغلال حسب ما رسم به السلطان ولملاقاة التجار وسفن الغلال القادمة في النيل، ومنع الأجلاب من ذلك فكفّوا([22]). وفي سنة 891هـ أقام الأجلاب فتنة لنهب المواد الغذائية بسبب التسعير، فركب السلطان لهم بنفسه وتوجه إلى بولاق - مركز تجمع الغلال - فلما رأوه فروا من وجهه([23])، وعلى الرغم من أن ذلك يشير إلى تردي الأوضاع وفساد المماليك وقلة حرمة السلطان وقراراته عندهم، فإننا إذا ما وضعنا ذلك في إطار التدهور الشامل لكافة جوانب الحياة في مصر آنذاك، يمكننا القول إن ذلك التصرف يعد محاولة من السلطة في أسوأ حالاتها، لتأمين وجود المواد الغذائية بالأسواق.

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)

(الجزء الخامس)

(الجزء السادس)

(الجزء الثامن)


([1]) ابن إياس، بدائع الزهور، ج3، ص233.

([2]) ابن إياس، بدائع الزهور، ج4، ص305.

([3]) قاسم، دراسات، ص176.

([4]) مثلًا تشير المصادر سنة 736هـ إلى تواجد مواد الغذاء بالأسواق بعد ضرب المحتسب لكثير من الخبازين والطحانين بالمقارع، وتكرر الأمر أكثر من مرة. انظر: ابن الفرات (ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم ت. 807هـ)، تاريخ ابن الفرات، ج9، تحقيق قسطنطين رزيق، ونجلاء، المطبعة الأمريكية، بيروت، 1942م، ص387، 424، 435؛ اليوسفي، نزهة الناظر، ص294؛ المقريزي، السلوك، ج2، ص39-392؛ ابن الصيرفي، إنباء الهصر، ص477؛ ابن إياس، بدائع الزهور، ج3، ص238.

([5]) المقريزي، السلوك، ج4، ص820؛ ابن الصيرفي، إنباء الهصر، ج3، ص436؛ نزهة النفوس، ج3، ص181.

([6]) اليوسفي، نزهة الناظر، ص299؛ المقريزي، السلوك، ج2، ص396.

([7]) الأدفوي (أبو الفضل جعفر بن ثعلب ت. 748هـ)،الطالع السعيد الجامع لأسماء نجباء الصعيد، تحقيق: سعد محمد حسن، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1966م، ص545.

([8]) اليوسفي، نزهة الناظر، ص299؛ المقريزي، السلوك، ج2، ص397.

([9]) ابن حجر، إنباء الغمر، ج3 ص71، 72.

([10]) ابن حجر، إنباء الغمر، ج3 ص71، 72؛ العيني، السيف المهند في سيرة الملك المؤيد، تحقيق فهيم شلتوت، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2003م، ص341، 342.

([11]) ابن حجر، إنباء الغمر، ج3، ص86.

([12]) ذكر ابن العبري في سرده لحوادث عام 661هـ أن البندقدار صاحب مصر-أي بيبرس– سير لحاتم ملك الأرمن بحيث يدخل في طاعة بيبرس ويحمل الجزية ويمكّن الناس من مشترى الخيل والبغال والحنطة والشعير... من بلده وهم أيضًا يخرجون إلى الشام ويتاجرون ويشترون ويبيعون، وفي هذا النص إشارة إلى عمل مؤسس دولة المماليك على تقوية الاقتصاد وترويجه للتجارة من ناحية، وأن مصر كانت تستورد القمح والحاصلات الغذائية الأخرى من هذه البلاد في أيام الاستقرار وبالتالي تكرر في أوقات الشدة. انظر: مخطوطة تاريخ الأزمنة، ترجمة: شادية توفيق، المركز القومي للترجمة، القاهرة،2007م، ص232.

([13]) المقريزي، إغاثة الأمة، ص34.

([14]) المنصوري، زبدة الفكر، ص305-307؛ العيني، عقد الجمان، ج3، ص276.

([15]) العيني، عقد الجمان، ج4 ص138.

([16]) اليوسفي، نزهة الناظر، ص300؛ أبو الفداء (عماد الدين إسماعيل ت. 732هـ)، المختصر في أخبار البشر، تحقيق: محمد زينهم عزب، ويحيى سيد حسين، دار المعارف، القاهرة، 1999م، ج4، ص57؛ المقريزي، السلوك، ج2، ص394.

([17]) المقريزي، السلوك، ج2، ص515.

([18]) السخاوي، التبر المسوك، ج3، ص31.

([19]) ابن تغري بردي، النجوم، ج14، ص39؛ ابن الصيرفي، نزهة النفوس، ج2، ص357.

([20]) المقريزي، السلوك، ج4، ص343.

([21]) ابن حجر، إنباء الغمر، ج3، ص70-71.

([22]) ابن تغري بردي، حوادث الدهور، ج1، ص235؛ السخاوي، التبر المسبوك في ذيل السلوك، ج3، تحقيق لبيبة إبراهيم ونجوى مصطفى، دار الكتب والوثائق، القاهرة، 2007م، ص290.

التعليقات (0)