الحرب الروسية الأوكرانية – أسبابها وتـأثيراتها علـى المستـويين العالمي والعربي (1)

 ملتقى المؤرخين اليمنيين

الندوة الأولى

13شعبان 1443/ 16 مارس2022م

الحرب الروسية الأوكرانية – أسبابها وتـأثيراتها

علـى المستـويين العالمي والعربي

 مدير الندوة: د. رياض الصـفوانـي.

ضيف الندوة: د. إسـماعيل قـحطان.   

القسم الأول / التقديم والمحاضرة

مقدمة الندوة: 

 يقدمها مدير الندوة الدكتور د. رياض الصفواني

 بسـم الله الرحـمن الرحيـم

الزملاء والأسـاتذة المـؤرخون الكرام ،،، أســعد الله مسـاءكم.

نرحب بكم في أول ندوة يستهلها ملتقى المؤرخين اليمنيين ضمن انطلاق بثه التجريبي، بمناسبة تدشين الملتقى في الواقع الافتراضي، كخطوة أولى على عتبات تنفيذ مشروع ملتقى المؤرخين اليمنيين على أرض الواقع، وهو طموح علمي وطني مشروع، نسعى في الهيئة التأسيسية للملتقى لتحقيقه بعون الله بدعم ومؤازرة كافة المؤرخين داخل الوطن وخارجه حين تواتي الظروف، وإنا لنرجو أن يتحقق ذلك قريباً في إطار تعافي وطننا من أوجاعه واستعادة استقراره ورفعته.

موضوع ندوتنا لهذا المساء موضوع حيوي ساخن على جانب كبير من الأهمية، يمس واقع المجتمعات العالمية على نحو عام ومجتمعنا العربي بصفة خاصة.

الحرب الدائرة في أوكرانيا والأجواء المشحونة بالاستقطابات الدولية تعيد إلى الأذهان اليوم ذكريات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، تلك الحرب التي دشنتها متغيرات وتحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت واحدة من مخاضاتها الكبرى، التي أفضت إلى اقتسام العالم بين المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ومنطقتنا العربية كانت بالضرورة ضمن معادلة الصراع والاستقطابات بين المعسكرين، وتأثرت بها سياسياً واقتصاديا وعسكرياً وأيديولوجياً.

 انتهت الحرب الباردة كما نعلم بانتصار المعسكر الرأسمالي الغربي وسقوط المنظومة الشيوعية الشرقية في معقلها عام ١٩٨٩ /٩٠م، وتفرد المعسكر الغربي بصياغة معالم النظام العالمي الجديد (نظام العولمة) وفق مصالحه القومية الاستراتيجية، فصار العالم منذ ذلك التاريخ يشهد واقع القطبية الأحادية، الأمر الذي أدى إلى اختلال في ثنائية توازن القوى التي أطّرت العالم لأربعة عقود ونيْف من التاريخ المعاصر، ولعل الحرب الروسية الأوكرانية اليوم لا تخرج عن هذا الإطار إن لم تشكل الحرب الباردة خلفية سياسية تاريخية لها.

محاور الندوة:

- المـحور الأول: أوكرانيا - (الموقع الجغرافي - الخلفية التاريخية).

- المـحور الثاني: التأثيرات الاقتصادية.

- المـحور الثالث: التأثيرات السياسية - الاستراتيجية.

- المـحور الرابع: التأثيرات الاجتماعية.

- المحور الخامس: التأثيرات الثقافية.

ضيف ندوتنا هو الدكتور إسماعيل قحطان، الباحث في التاريخ المعاصر، والمتابع للشؤون السياسية الأوروبية وتأثيراتها، والذي سيثري محاور الندوة ويجيب على ما سيُطرح من تساؤلات، على ان تبدأ التساؤلات وكذا المداخلات والتعقيبات عقب فراغ الضيف من طرح ما لديه.

نبذة تعريفية عن الضيف:

إسماعيل عبده قحطان.

مواليد العدين .. اب.

بكالوريوس جامعة صنعاء 1994م.

الماجستير.. جامعة صنعاء شعبة التاريخ الحديث والمعاصر، عن موضوع: تطور الفكر السياسي في اليمن 1930 الى 1962م.

الدكتوراه.. جامعة عين شمس شعبة التاريخ الحديث والمعاصر، عن موضوع: حركة القوميين العرب في اليمن 1959 الى 1967م.

للباحث مجموعة من الدراسات والبحوث أهمها: -

- كتاب تطور الفكر السياسي في اليمن.

- كتاب حركة القوميين العرب ودورها في ثورتي سبتمبر واكتوبر في اليمن.

- بحث عدن منطلق النهضة الثقافية في اليمن الحديث والمعاصر (عصر النهضة العدنية).

إلى جانب بحوث أخرى منشورة.

مُـجدداً أرحب بضيفنا وبجميـع الحـاضـرين معنا.

موضوع الندوة 

الحرب الروسية الأوكرانية - أسبابها وتأثيراتها على المستويين العالمي والعربي

تقديم / د. اسماعيل قحطان:

- هناك من يرى ان أسباب هذه الحرب رغبة بوتين وروسيا بالظهور بمظهر القوة والعودة الى مركز الهيمنة العالمية. وأنها تمثل انقلابا على الرأسمالية العالمية.

- وهناك من يرى أن هذه الحرب اصطنعتها الولايات المتحدة لتخيف بها أوروبا وتعيد جمعها من حولها لمواجهة روسيا وتستعيد الولايات المتحدة هيمنتها وتشيطن روسيا.

فيما سياتي ستتضح لنا الصورة بجلاء حول حقيقة هذه الحرب واسبابها الحقيقية، وستظهر لنا الجهة الواقفة وراء اشعال هذه الحرب.

أما بالنسبة للنتائج فالجميع يعرف نتائج الحروب وانعكاساتها على الشعوب والدول والاقتصاد والسياسة. وفي مجملها انعكاسات سلبية.

الموقع الجغرافي – والخلفية التاريخية للبلدين:

تقع الدولتين روسيا وأوكرانيا في الجانب الشرقي من قارة أوروبا، متجاورتان تمتد حدودهما المشتركة حوالي 1576كم. تعتبر روسيا أكبر بلد أوروبي وتليها أوكرانيا في الترتيب من حيث المساحة، وفي حين تبلغ مساحة أوكرانيا حوالي 604 ألف كيلو تقريبا فان مساحة روسيا أكبر منها بكثير حيث تبلغ 17 مليون كيلو متر تقريباً.

الأصول السكانية والقبلية للدولتين:

يشترك الروس والأوكرانيون في نفس الأصل العرقي وهو السلاف أو السلافي مثلهم مثل البلغار ورومانيا والألبان ويوغسلافيا.

حتى القرن الخامس عشر الميلادي كان الاوكرانيون جزء من التجمع السلافي الشرقي القديم الذي انحدر منه الروس والبلاروس. لكن منذ ذلك التاريخ (ق 15) بدأت الهوية الأوكرانية تتشكل بحيث تميزت عن باقي السلاف الشرقيين. يعرف شعب أوكرانيا تاريخيا باسم الروثينيين بمعنى الروس الصغار. وتعتبر ثاني أكبر دولة سلافية بعد روسيا.

منذ مطلع القرن السادس عشر لعب البولنديون والنمساويون دوراً هاماً في الفصل والتفريق بين القبائل السلافية وتحديدا بين الروس والروس الصغار وتم استبدال عبارة ليتل روسيا أو روس الجنوب بمصطلح أوكرانيا. ومن هنا بدأت الهوية الأوكرانية تظهر وتتشكل، وبدأت تلك القوى الخارجية تثير النعرات بين الأطراف الروسية وتغذي في روس كييف (الاوكرانيين) بأنهم الروس الأصليون بينما سكان روس موسكو (روسيا) مشكوك في أصلهم السلافي.

الديانة:

تعتبر المسيحية الأرثوذكسية هي الديانة الرسمية للبلدين وهي تختلف عن المسيحية الكاثوليكية المنتشرة في غرب أوروبا وبين الطرفين الشرقي والغربي (الأرثوذكسية - الكاثوليكية) صراع مرير حول المعتقدات الدينية، وهذا الصراع ما يزال ممتد حتى يومنا هذا.

دخلت الأرثوذكسية الى المناطق الروسية عن طريق الكنيسة الأرثوذكسية في القسطنطينية في عهد فلاديمير الأول امير كييف الروسية وتحديداً عام 988م والذي كان وثنيا وبدأ يقود الشعب الروسي نحو التحول من الوثنية الى المسيحية الأرثوذكسية. وتعددت الروايات حول كيفية هذا الدخول. لكن المتفق عليه ان أول دخول كان الى مدينة كييف والتي اعتبرها معظم الروس مدينة مقدسة لهم

العلاقات الروسية الأوربية:

والمقصود هنا بالأوربية هي غرب أوروبا. فالعلاقات بين الطرفين يشوبها العداء منذ قرون بعيدة عداء عرقي وعداء ديني. وتشكل العداء الديني بين الطرفين منذ انقسام الكنيسة المسيحية الى قسمين شرقي وغربي الكنيسة الرومانية الكاثوليكية والكنيسة الشرقية الارثوذكسية ثم تطور هذا الانشقاق وهو ما عرف بالانشقاق العظيم عام 1054م، حين منعت كل كنيسة اتباع الكنيسة الأخرى من ممارسة طقوسها في أراضيها وتم اغلاق الكنائس الارثوذكسية في الغرب وبالمقابل تم اغلاق الكنائس الكاثوليكية في الشرق.. وتعمقت الهوة بين الطرفين في لاحق الأيام وازداد الخلاف بين الطرفين. وتعمق الاختلاف بين الكنيستين عقائديا ولاهوتيا ولغوياً وسياسياً وجغرافياً. وجاءت الحروب الصليبية لتعمق هذا الخلاف حيث قادت الكنيسة الكاثوليكية حرباً في مناطق نفوذ الكنيسة الأرثوذكسية وتعمق الصراع بينهما في الحملة الصليبية الرابعة عام 1204م التي استولت على القسطنطينية ونهبتها وفرضت بطاركة لاتينيين في المناطق الأرثوذكسية وخاصة انطاكية والقدس والقسطنطينية.

العودة الى الأصل العرقي والديانة للبلدين تجعلنا نؤكد ان الدولتين تمثلان جسداً واحد، وتختلفان تماماً عن دول أوروبا الغربية من حيث الأصول العرقية والديانة. ففي غرب أوروبا تهيمن الأصول الجرمانية والانجلوسكسونية على تلك المناطق كما تختلف الديانة اختلافا جذريا حيث يتبع الغربيون الكنيسة الكاثوليكية وتطورها البروتستانتية.

مما سبق ذكره يتضح لنا أمرين:

- الأول: علاقة التشابك والترابط الروسي الأوكراني في مختلف النواحي الاجتماعية والدينية، ويمثلان امة واحدة هي الامة الروسية.

- الثاني: وجود اختلاف كبير بين هاتين المنطقتين السلافيتين الروسيتين الشرقيتين وبين باقي أوروبا الغربية دينياً وعرقياً.

هذا التوحد بين روسيا وأوكرانيا من حيث العرق السكاني والديانة الارثوذكسية، مع امتلاكهما مساحات شاسعة وعدد كبير من السكان الى جانب الإمكانات الاقتصادية الهائلة. جعل القوى العظمى منذ مطلع العصر الحديث تركز على هذه المنطقة وتعمل على التفريق بين المنطقتين ودعم سكان الجنوب الروسي بالاستقلال تحت مسى جديد هو أوكرانيا. فقد كانت الإمبراطورية النمساوية أول قوة سعت للتفريق بين البلدين، وساندهم البولنديون. وانتقل الخوف الى باقي دول غرب أوروبا من وجود روسيا التاريخية. فاستمرت هذه النزعة العدائية لدى دول غرب أوروبا حتى وقتنا الحاضر. ونتيجة هذه السياسة الغربية وصل البلدين ذو الأصل العرقي الواحد والمذهب الديني الواحد الى الحرب والاقتتال. فالحرب الحاصلة حاليا تصب في إطار تلك الفكرة القديمة.

الأسباب التي أدت الى الحرب بين البلدين:

أولاً/ الأسباب الدينية:

تشير الاحداث الى ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يظهر اهتماما ملحوظا بالنواحي الدينية وبدأ بالتقرب من الكنيسة وعمل على تقوية العلاقات معها، وفي المقابل قدمت الكنيسة الدعم لبوتين في توجهاته السياسية. وكان بوتين قد اتخذ مجموعة من السياسات الدينية التي تظهره او تؤهله ليكون حامي الكنيسة الارثوذكسية والشعوب المنضوية تحتها حينما عمل على استعادة مقتنيات الكنائس وبناء الاف الكتدرائيات وادراج الثقافة الأرثوذكسية في المناهج الدراسية. الى جانب انه ربط الجيش بالكنيسة حين أقام كنائس خاصة بالجيش الروسي. كما وقف بوتين مشجعاً لقيم الأسرة التقليدية ورافضاً ومقاوماً للمثلية واعتبار المثلية أنها مما تخالف تعاليم الكنيسة.

هذا الاهتمام البوتيني بالكنيسة الأرثوذكسية والدعم من الكنيسة له أدى الى زيادة المشاعر المؤيدة لموسكو لدى المسيحيين الأرثوذكس في مختلف انحاء العالم، بل ووجد الأرثوذكسيون في خطوة بوتين أنها تقوي ديانتهم بحيث أصبحت قوة موازية للكاثوليكية التي يستند عليها العالم الغربي.

وهذا التغير لدى الشعوب الأرثوذكسية والشعور بالقوة الموازية للغرب بالتأكيد يبعث الخوف لدى الغرب من عودة الكنيسة الارثوذكسية بقوة وتعود للمواجهة والصراع مع الغرب. الامر الذي سيعيد روسيا الى مركز الصدارة مرة أخرى بعد ان كانت قد خرجت من عالم الأقطاب الكبيرة. بل وسيجعل كنيسة موسكو اقوى ثالث كنيسة في العالم المسيحي بعد روما والقسطنطينية. ويصبح بوتن هو الحامي للأرثوذكس والشعوب الروسية المنطوية تحت هذه الكنيسة. وستصبح الكنيسة الارثوذكسية أداة قوية وسلاحا قويا وفعالا في يد بوتن في رفع شان القومية الروسية، وهو الأمر الذي قد يعيد روسيا لتكون قوة عظمى، وهو الأمر الذي يخشاه الغرب وعليهم إيقافه قبل أن يستفحل.

وفي الجانب الروسي لابد أن يسعى بوتن لاستكمال كل متطلبات الرمزية الدينية ومن بينها الاستيلاء على مدينة كييف. حيث تعتبر مدينة كييف مهبط الديانة الأرثوذكسية والمكان المقدس الأول لكل الروس والذي نبعت منه الديانة الارثوذكسية الى الشعب الروسي. وعليه فإن روسيا تطمح للإستيلاء على (كييف) المدينة المقدسة. وفي خطوة غير متوقعة جاء تحول حكومة أوكرانيا نحو حلف شمال الأطلسي الأمر الذي يفقد الروس مدينتهم المقدسة لصالح عدوهم التاريخي الكاثوليك، ويفقد بوتن مصدر من مصادر قوته، الأمر الذي يقتضي إعادة هذه المدينة الى الحضن الروسي بأي شكل من الاشكال وباي ثمن حتى ولو بالحرب. ومن هذا المنطلق هناك من يرى أن العامل الديني هو العامل الرئيسي للصراع بين البلدين.

ووجهة النظر هذه تجد لدينا القبول حيث أنه في عام 2018م أعلنت الكنيسة الأوكرانية انفصالها عن الكنيسة الروسية، وساعدها في هذا الانفصال بطريرك القسطنطينية الذي أصدر مرسوماً بالاعتراف بهذا الانفصال كونه البطريرك الأعلى للكنائس الأرثوذكسية. الأمر الذي يشكل تحدياً قوياً لموسكو. ويؤكد وجود دعم خارجي لإبعاد (كييف) عن روسيا. وهو الامر الذي يفقد موسكو كثير من الاتباع الأرثوذكس المنتمين لكنيسة (كييف) ويشكل نقطة ضعف في الجانب الديني لموسكو. ونقطة ضعف للرئيس بوتين وسياسته الدينية.

ولأهمية دور كنيسة كييف في التاريخ الروسي كان لابد لروسيا العمل على المحافظة عليها ضمن نطاق الشعوب الروسية وحتى لو أدى ذلك الى اشتعال الصراع حولها. وبذلك أصبحت كييف بين قوتين الغرب الطامح لإبعاد بوتين عن السيطرة عليها، وبين بوتين الذي يجد فيها مصدر قوة تضاف الى مصادر قواه الأخرى.

إذن فقد أصبح الهاجس الروسي يتمثل في الخوف من دخول أوكرانيا في حلف الناتو لأنه يعني دخول أوكرانيا ضمن العالم الكاثوليكي وهذا بدوره يبعث الخوف في نفوس الروس من تمدد سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على حساب الكنيسة الارثوذكسية وإخضاع الشعوب السلافية للغرب وكنيسته الكاثوليكية حيث ستتمكن الكنيسة الكاثوليكية من نشر كنائسها وأديرتها في المناطق الأرثوذكسية وتقود تحولا دينيا في أوكرانيا لصالح الكنيسة الكاثوليكية والغرب.

ثانيًا/ العامل القومي:

ترتبط روسيا وأوكرانيا بالرباط السلافي الروسي كما أشرنا سابقاً والذي ربط الدولتين منذ نشوء أول امارة قومية للدولتين باسم (كييف روس) والتي كان لها دور خلق الهوية الروسية ثم ادخال الديانة المسيحية الأرثوذكسية على يد فلاديمير الأول. لكن هذه الإمارة سقطت على أيدي المغول لتتأسس بعدها إمارة روسية جديدة هي امارة موسكو والتي منها تكونت الإمبراطورية الروسية فيما بعد وأصبحت حامي الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية حتى سقوطها على أيدي البلاشفة.

وفي العهد العثماني وتحديداً في القرن التاسع عشر واجهت القومية السلافية الإمبراطورية العثمانية وكانت الإمبراطورية الروسية هي الحامية للشعوب السلافية. وبالعودة للإرث التاريخي فان القومية السلافية هي مصدر قوة لمن يمكن أن يستغلها ويسخرها لنفوذه ومن الواضح أن صراع بوتين مع الغرب في الوقت الحالي يكمن في الخوف من أن يركب بوتن الموجة السلافية وإعادة روسيا الى مربع القوة مرة أخرى.

وفي ظل حكم البلاشفة اختفت القومية الروسية ثم عادت على استحياء بعد عام 1991م بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. وفي فترة الضعف التي طالت الاتحاد السوفيتي ومحاولة كل دولة من دول الكومنولث الروسي ان تخلق دولتها الجديدة فقد فشلت أوكرانيا في خلق هويتها المختلفة عن روسيا بسبب التطابق في الدين والعادات والتقاليد والجذور التاريخية مع اختلاف بسيط في اللغة المستخدمة حيث اندثرت اللغة الأوكرانية وكانت اللغة الروسية هي المسيطرة. وعدم مقدرة أوكرانيا على خلق هويتها بسهولة اثار ذلك مخاوف الغرب من عودة أوكرانيا الى الحضن الروسي وتكوين روسيا التاريخية. لذلك سعى الغرب لتقديم الدعم والمساندة لأوكرانيا في خلق هويتها على حين غفلة من روسيا التي كانت مازالت تتخبط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحكم الرئيس بوريس يلسن.

كما كان خوف الغرب من ترسانة الأسلحة التي تمتلكها أوكرانيا من ان تصبح عامل قوة ودعم لروسيا التاريخية فتَّم الاتفاق على إعادة جزء منها لروسيا وتدمير الجزء الآخر. وبذلك تَّم تقليم أظافر أوكرانيا وتجريدها من أي قوة وقدم الغرب نفسه بأنه الحامي لها من الهيمنة الروسية، وقد نجح الغرب في هذه النقطة، ووقعت كل من روسيا وأوكرانيا في الفخ.

في عهد الرئيس بوتن بدأت روسيا البحث عن هويتها الروسية والبحث عن تاريخها القديم للعودة الى مركز القوة وكما سعى بوتن للتقارب مع الكنيسة كمصدر من مصادر القوة بدأ بالعمل على إحياء السلافية وروسيا التاريخية في الوقت الذي ينشط فيه الكثير من الروس والبلاروس والصرب والسولوفاك لإحياء القومية السلافية.

لذلك كان على الغرب أن يقف في مواجهة هذه الحركة ومنع عودة روسيا الى مركز القوة فكرس الغرب نفوذه وقوته في دعم أوكرانيا لإبعادها عن روسيا كونها ثاني أكبر دولة سلافية كما أن موقع أوكرانيا موقع متوسط مطل على معظم البلدان السلافية ومن يسيطر عليها يمكنه مَد سيطرته الى بقية البلدان السلافية. ولهذا حرص الغرب الأوربي والولايات المتحدة على منع روسيا من الاستفادة من هذا الموقع.

لماذا بعد كل هذه المحاولات الغربية لجذب أوكرانيا اليها توقفت عن تقديم الدعم والمساندة لها؟

هناك سببين رئيسيين يمنعان التدخل الغربي الأمريكي في هذه الحرب:

 السبب الأول: عدم قدرة الغرب والولايات المتحدة على شن أي حرب أو تدخل عسكري لأنها ستكلف ميزانياتهم الشيء الكثير الذي لم يعد بمقدورهم تحمله. كما أن تكاليف الحرب مع روسيا قد تؤدي الى ما لا يحمد عقباه لذلك تتجنب دول الغرب التدخل لمساعدة أوكرانيا.

السبب الثاني: سير الغرب والولايات المتحدة في منهجيتها الجديدة في الحروب بنظام وأسلوب الفوضى الخلاقة والتدمير من الداخل وبأيدي أبناء البلاد. وهذه السياسة لا تحمل الغرب التكاليف الباهظة. كما أن تأثيرها التدميري يكون أقوى من الحرب العسكرية حيث تعمل الفوضى الخلاقة على نشر الصراع في كل مفاصل البلاد وتدمير البنية التحتية وخلق الشعور العدائي بين الجماعات المتقاتلة كما ان مدتها الزمنية طويلة قد تمتد لما أكثر من عشر سنوات مما يطيل في عمر الغرب كقوة سياسية مسيطرة على العالم.

من الذي ابتدأ الحرب؟ هل فعلا روسيا هي من اشعلت الحرب ام أوكرانيا والغرب هم من أشعلوا الحرب؟

من المؤشرات السابقة يمكن القول كانت النية مبيته لدى الطرفين في إشعال الحرب، من الجانب الروسي كان الرئيس بوتين يسعى للحرب لفرض وجهة نظره، والسبب في ذلك ادراكه أن الغرب لم يعد ذلك الغرب الذي يستطيع أن يدخل في معركة عسكرية فوجد أن الظروف موائمة لعمل عسكري قوي يسقط هيبة الغرب ويعيد روسيا للصدارة كقوة عظمى.

وفي الجانب الاخر كان الغرب والولايات المتحدة يسعون لجر روسيا الى هذه الحرب وهدفهم من ذلك ضرب القوتين السلافيتين الأرثوذوكسيتين ببعض وحدوث مثل هذه المعركة سيساهم في اعتدال ميزان القوى حيث ستنهك هذه الحرب روسيا وتنهي فارق القوة الذي كان بدأ يتشكل. كما أن هذه الحرب تعني أنه أصبح من المستحيل عودة وقيام روسيا التاريخية. وأن الاختلاف في وجهات النظر التي كانت بين الروس والأوكرانيين قد تحولت الى دماء وثأر ودمار سيمنع أي تقارب حتى ولو بعد فترة طويلة من الزمن.

كما أن الغرب أصبح يتقن سياسة حروب الفوضى الخلاقة والتي تمتد لفترات زمنية طويلة هذه الحروب الطويلة تجعل الغرب يعيش في مأمن من أي تهديد قد يصيبه، وتحميه من ظهور أي قوة ترغب في الهيمنة.

انتهاء الحرب:

لا يمكن لأي محلل ان يتوقع نهاية هذه الحرب لأن أحداثها مازالت في التفاعل والاشتعال. وأمر إنهائها يكمن لدى أحد الطرفين:

أما خطة ذكية من بوتين تنهي الحرب مع الحفاظ على قوته وفرض إرادته.

أو تعقل لدى الولايات المتحدة والغرب والعمل على إحلال السلام وهذا في الغالب أمر مستبعد لأن هذه القوى تسعى دوماً لإشعال الحروب ولا تطفئها.

ومع استمرار الحرب وزيادة السيناريوهات المختلفة فيها هل يمكن القول ان روسيا قد تقع في نفس مستنقع أفغانستان أم أنها قد تعلمت من الدرس السابق. وفي حال استمرت الحرب هل سنرى الولايات المتحدة والغرب يسعى لتشكيل ميليشيات وقوات المرتزقة بنفس النمط الذي انتشر في الوطن الغربي بعد 2011م ما يعني أن العالم السلافي سيسير في نفس الطريق الذي سار فيه العالم العربي من الفوضى الخلاقة والدمار الشمال.

النتائج الأولية لهذه الحرب على مستوى العالم:

  • إنها فضحت الغرب وانتهازيته بشكل أكثر وضوحا عما قبل حيت استخدم أوكرانيا كطعم للإيقاع بروسيا في حرب لن يتكلف فيها الغرب شيء.
  • سقوط مفهوم الليبرالية والحرية التي ظل الغرب لسنين طويلة يدعيها ويتشدق بها، وفي أول اختبار لمدى ديمقراطيته ومصداقيته خسر الغرب تلك الشعارات حين مارس القمع والديكتاتورية حينما عمد الى إغلاق وسائل التواصل الاجتماعي عن روسيا. وأكدت هذه الحرب أن الغرب يستخدم مفهوم الحرية بما يتناسب مع مصالحه فقط.

أثر الحرب على الوطن العربي

من المؤكد أن أي حدث يحدث في العالم فلابد ان يكون له انعكاس أو أثر على العالم العربي كون هذه المنطقة من الأرض تشكل قلب العالم ففيها الثروات وفيها الأماكن المقدسة وفيها أبرز بؤرة صراع بين العرب والغرب وهو وجود إسرائيل.

لكن اللافت في الأمر تجنب كثير من البلدان العربية المؤثرة السير وراء السياسة الأمريكية وهذه نقطة تؤكد ما ذهبنا اليه سابقًا من أن الغرب الحالي لم يعد هو ذلك الغرب القديم القوي والمخيف. وكما يبدو أن أكثر من عشر سنوات من الحرب والدمار في الوطن العربي قد جعلت هذه الدول تتجنب الدخول أو الاشتراك في أي احداث ملتهبة.

الأقسام السابقة:

 الحرب الروسية الأوكرانية – أسبابها وتـأثيراتها علـى المستـويين العالمي والعربي (2)
الحرب الروسية الأوكرانية – أسبابها وتـأثيراتها علـى المستـويين العالمي والعربي (3)

التعليقات (0)