نظام الرهائن في اليمن 1918 - 1962م (1)

ملتقى المؤرخين اليمنيين

الندوة الثانية

27شعبان 1443/ 30 مارس2022م

نظام الرهائن في اليمن 1918 - 1962م

ضيف الندوة: د. أمين محمـد الجـبر.

مدير الندوة: د. أمل الحميـري.

القسـم الأول

التـقديم والمحـاضرة

تقديم مدير الندوة

الدكتور د. أمل الحميري

مقدمة الندوة:

الزملاء والأساتذة الحضور والمؤرخون الأكارم، حياكم الله.

نرحب بكم أجمل ترحيب في ثاني ندوة يعقدها ملتقى المؤرخين اليمنيين بعد انطلاق أولى فاعلياته، والتي كانت بعنوان الحرب الروسية الأوكرانية «أسبابها وتأثيراتها على المستويين العالمي والعربي» وفي هذه الندوة نمضي من أوروبا الشرقية إلى جنوب الجزيرة العربية؛ بالتحديد ربوع العربية السعيدة –جغرافيا- ومنتصف القرن العشرين –زمنا- لنلقي الضوء على موضوع من مواضيع التاريخ الاجتماعي والسياسي، ألا وهو ظاهرة الرهائن في عهد المملكة المتوكلية اليمنية 1918 -1962م.

وتعد ظاهرة الرهائن وسيلة لجأ إليها الحكام من الأئمة، لفرض سيادتهم وسلطتهم، وضمان إخلاص القبائل والجهات اليمنية المختلفة وطاعتها، وقد برزت هذه الظاهرة في عهد الإمام يحيى وخلفه، واستمرت طوال عهدهم، لإيمانهم بها باعتبارها طريقة حكيمة في فرض نفوذه، وضمان ولاء الأسر والقبائل القوية التي يخشاها الحاكم.

سنتعرف في هذه الندوة إلى المعنى العام للرهينة، ومتى بدأ استخدامها فعليا كنظام اتخذته الحكومات اليمنية.

كما نتعرف على موقف المؤرخين منها وفلسفتهم الاجتماعية حيالها بين مستهجن ومبرر لها على منهج الميكافيلية، ودورها في المجتمع كظاهرة وجودها مقترن بوجود القبيلة، تاركين الميدان مفتوحا لفارس هذه الندوة لتناول الظاهرة بالتفسير والتحليل لها ولآراء المؤرخين حولها.

محاور الندوة:

تتكون الندوة من مقدمة وخمسة محاور وخاتمة تتضمن الاستخلاصات.

  • المقدمة: التعريف بنظام الرهائن.
  • المحور الأول: أنواع الرهائن.
  • المحور الثاني: نظام الرهائن عند العثمانيين.
  • المحور الثالث: نظام الرهائن عند الأئمة والإدريسي والإنجليز.
  • المحور الرابع: تطبيق نظام الرهائن وآليته.
  • المحور الخامس: أثر نظام الرهائن على الحكم الملكي.
  • الخاتمة: وتشمل أهم الاستخلاصات عن نظام الرهائن.

يقدمها لنا الدكتور أمين محمد الجبر أستاذ التاريخ الحديث والإعلام المعاصر المشارك، نائب عميد كلية الآداب للشؤون الأكاديمية - جامعة ذمار.

متمنيين للجميع قضاء وقت ماتع بين واحة التاريخ والمعرفة العلمية المؤصلة.

موضوع الندوة

نظام الرهائن في اليمن المعاصر

تقديم / د. أمين محمد الجبر

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسوله الأمين، سعيد جدًّا باستضافتي في منتدى المؤرخين اليمنيين، وأشكر مؤسس المنتدى الشيخ محمد سالم بن جابر، كما أشكر مديرة اللقاء زميلتي العزيزة الدكتورة أمل الحميري، وكذلك زميلي المتألق الدكتور أحمد المصري.

مقدمة:

ليس ثمة ظاهرة سياسية اجتماعية حظيت باستهجان ونقد معظم الكتاب والمؤرخين، مثل نظام الرهائن (Hostage system) في المملكة المتوكلية اليمانية (1918-1962)، ولم تلق هذه الظاهرة قبولًا سوى من بعض من أرَّخَ للإمامة من جانب رسمي.

ومع أن الدلائل تؤكد أن الرهائن هي ظاهرة قديمة ليست في اليمن فحسب، ولكن في دول وحضارات أخرى، في عهد الدولة المتوكلية تحول إلى نظام قائم بذاته، حيث تميز بوسائله المتعددة ومقاصده وغاياته التي تتلخص في تثبيت النظام وفرض الولاء للإمام والمذهب.

ومع نهاية عهد العثمانيين في اليمن سنة 1918م، أظهر الإمام طموحا في زيادة المساحة التي تقع تحت نفوذه منذ صلح دعان 1911م، وشجعه على ذلك أنه بعد خروج الأتراك لم تكن هناك قوة حقيقية تستطيع منافسته، ومع ذلك وجد الإمام نفسه بحاجة إلى إعمال القوة لبسط سيطرته ونفوذه على سائر البلاد، فكان أن استخدم نظام الرهائن على نطاق واسع.

ويبدو أن دوافعه إلى ذلك ليست فقط فرض السيطرة السياسية، ولكن أيضا فرض الزعامة الروحية من خلال حمل اليمنيين على الانضواء تحت راية المذهب الزيدي - وان لم يفرضه قسرا- ومن ثم الولاء لآل البيت الذين ينتمي إليهم الإمام.

وهو ما جعلنا نجزم بأن نظام الرهائن مثَّل واحدًا من أبرز مظاهر العنف السياسي للنظام الإمامي الملكي.

والجدير بالملاحظة أن نظام الرهائن في عهد الدولة العثمانية كان جزءًا من المهام التي أشرف على تطبيقها بعض الولاة الأتراك كما تذكر المصادر التاريخية، في حين أن الأئمة العلويين توسعوا في ممارسة هذا النظام لا سيما في عهد المطهر بن شرف الدين (ت980هـ-1573م)، خلافًا لما كان عليه في العهد العثماني.

وهذا التوسع في تطبيق نطام الرهائن سرعان ما أصبح منهجا أشد وضوحا منذ تسليم الإمام يحيى (ت1367هـ-1948م) مقاليد السلطة والحكم في صنعاء عام 1918م، وإن كان قد مارسه قبل هذا التاريخ عندما كان يمارس نفوذه باعتباره إمامًا وزعيمًا وروحيًا للطائفة الزيدية.

إن التلازم بين نظام الرهائن وخضوع أهل اليمن لسلطة الأئمة الحكام، قد شكل مع مرور الأيام عبئا ثقيلا على كاهل الناس، وبدأ قطاع واسع منهم يعبرون عن ضيقهم من السياسة المركزية المفرطة التي يتبعها الإمام، حتى تطور الأمر إلى إعلان بعض القبائل الخروج على السلطة الإمامية.

ولعل المقاومة القبلية المسلحة التي شهدها الريف اليمني منذ عقد العشرينيات في حاشد والزرانيق والمقاطرة والضالع وريمة ومراد والبيضاء، وخولان ...إلخ، دليل قاطع على رفض سياسات الإمام التي يمثل نظام الرهائن أسوأ مظاهرها على الإطلاق.

ومنذ أوائل الأربعينيات اتخذ التعبير عن رفض نظام الرهائن من قبل بعض شيوخ القبائل منحًى جديدًا، تمثل في الخروج على سلطة الإمام من خلال الانضمام إلى صفوف المعارضة التي بدأت تتشكل آنذاك من مجموعة من المثقفين الذين نزحوا إلى مدينة عدن.

وإذا كان الأئمة الحكام قد أسهموا في جعل نظام الرهائن أحد أعمدة حكمهم، فإن هذا النظام قد ساهم بدوره في زعزعة الأمن والاستقرار بسبب رفضه ومقاومته من القوى القبلية، كما أن حركة المعارضة اليمنية عملت كل ما بوسعها على التشهير بهذا النظام من خلال صحفها وأدبياتها.

لقد طبق هذا النظام على شريحة من السكان، وخاصة أبناء زعماء القبائل اليمنية، الذين اعتقلتهم السلطات الإمامية، لضمان ولاء ذويهم، وحرصت على إعادة تنشئتهم العقائدية السياسية على أسس ثقافية تدين بالولاء لشخص الإمام، ليتم إلحاقهم في مرحلة الشباب بالجهاز الإداري والجيشين الدفاعي والبراني.

تعريف نظام الرهائن:

الرهينة في اللغة: مصدر مأخوذ من الفعل الماضي (رَهَنَ) ورَهَنَ الشيء معناه احتجزه وحبسه وأبقاه لأسباب مختلفة. والرهينة على وزن فعيلة، تعني الشيء المحبوس.

أما في الاصطلاح فثمة معانٍ ودلالات لمصطلح رهينة، تختلف باختلاف الشيء المرهون وسبب الرهن، ويمكن هنا التمييز بين نوعين من الرهائن: الرهينة المالية، ورهينة الأشخاص. فالرهينة المالية تكون لضمان مالٍ للدائن في ذمة المدين، وهو ما يعرف في المعاملات بعقد الرهن، وتتميز عن رهينة الأشخاص بكونها تؤخذ بالتراضي، أما رهينة الأشخاص فتتميز بطابعها القسري، وتقوم على ضدين: الأول ما تحجزه الأفراد أو الجماعات بهدف فدية مالية، أو تحقيق مطالب سياسية تجاه الدولة ونحوها. والثاني أشخاص تأخذهم السلطة من رعاياها ضمانًا للسلوك والطاعة وعدم التمرد.

وفي إطار هذا المعنى عرف المؤرخ (قطب الدين النهروالي) الرهينة - بأنها تسمية تطلق على شخص يقدمه المغلوب للغالب ليبقى محبوسًا عنده ضمانًا لولاء المغلوب وطاعته للغالب، أو بمعنى آخر هو الشخص الذي تأخذه السلطة قسرًا من أجل الولاء والطاعة وعدم التمرد، من زعيم القبيلة أو أمير المنطقة أو من زعامة الشعب أثناء الحرب والسلم.

وقد وردت في اللغة اليمنية القديمة كلمة (رهينة) بمعنى تقديم رهون، أي إعطاء ضمانات على ولاء. أي أن الرهينة -هنا- عبارة عن شخص يسلم إلى السلطة إظهارًا لحسن نية أو لضمان ولاء. كما ورد في الموسوعة البريطانية، أن الرهينة تعني تسليم شخص في حالة الحرب إلى طرف آخر لاحتجازه ضمانًا لتنفيذ اتفاقية ما، أو منع نقض قانون الحرب. وورد - أيضا- في الموسوعة اليمنية أن الرهينة شخص يودعه الشيخ الذي يرتاب الإمام في ولائه، لدى الإمام، وغالبًا يكون ولد الشيخ أو أحد أقربائه، فإذا خلع الشيخ ولاءه للإمام، أو أنكره تصرف الإمام في الرهينة كيف يشاء؛ ولهذا يحجم الشيخ عن معارضة الإمام والخروج عن طاعته لعلمه المسبق بالمصير السيئ لرهينته.

أنواع الرهائن:

ابتكرت الإمامة مسميات عديدة لنظام الرهائن تخدم الغاية نفسها، وتحقق الأهداف ذاتها، وهي الخضوع المطلق لسلطة الإمام وعدم التمرد عليه أو عصيانه.

ومن هذه المسميات رهينة الضمان، حيث كانت القبيلة تقبل مكرهة على تسليم رهائنها فور وصول ممثلي الحكومة إلى القرية أو المحل في حالة السلم، لاسيما وأن البديل في حالة الرفض كان الخطاط، كما كان يطلق عليها أيضا رهينة (الطاعة)، أو الفداء، أو الأمانة، وكلها تندرج تحت معنى واحد، وتسلمها القبائل الموالية للسلطة أثناء السلم. أما في حالة الحرب بين القبيلة والحكومة، فإن القبيلة تقدم بصورة استثنائية رهينة أخرى تدعى (رهينة العطف) أو (التمرد) حتى لا تتمادى مرة أخرى في معارضة السلطة المركزية، وقد طبق مثل هذا النوع في كثير من مناطق اليمن، لاسيما بعد كل معركة كان يخوضها الجيش المتوكلي؛ حيث كانت تلك المعارك تنتهي بجلب العديد من الرهائن.

كما أن هناك رهائن لا تختلف كثيرًا عن رهينة العطف، تسمى رهينة (الاحتياط) وكانت تجلب عند وقوع مجرد إشاعة أو وشاية. بالإضافة إلى رهائن (الجهاد) والتي كانت تسلم من ضمن شروط القبول في الجيش، وخوض عملية الجهاد، حيث كان المشايخ الأقوياء يرهنون أبناءهم لدى الحكومة أيام الحرب ضمانًا لعدم تبديل مواقفهم.

غير أن أكثر أنواع الرهائن استهجانًا من قبل القبائل كانت رهائن (الشمل) والتي كانت تؤخذ من جميع الوحدات القبلية الصغيرة المتفرعة من القبيلة الكبيرة، ويتم تسليمها عن طريق القرعة، ثم يستمر بعد ذلك التناوب في تسليم الرهينة، وكذلك رهائن (الستر) التي كانت تؤخذ من المناطق التي لا يلتزم أبناؤها بتحجيب المرأة، حيث كانت النساء في بعض المناطق غير محجبات، ولهذا فرض الإمام على تلك المناطق رهائن (ستر) مقابل التزامهم بعدم الإخلال بتوجيهات وتعاليم الإمام في الالتزام بالحجاب الشرعي للنساء، ومن المناطق التي فرض عليها الإمام رهائن الستر بلاد (آل عمار) محافظة صعدة، وكذلك (آل عمالسة) في محافظة صعدة أيضا، و(آل سالم أهل غرير) من المحافظة نفسها. كما ابتدعت الإمامة نوعًا جديدًا من الرهائن كان يطلق عليه (الرهن الإداري)، حيث طلب الإمام يحيى حميد الدين من الشيخ (حميد بن علي باشا)، عندما عينه عاملًا على ماوية، أن يرهن ولدين من أبنائه، أحدهما رهينة طاعة، والآخر رهينة وظيفة. بالإضافة إلى أن هناك رهائن كانت تأخذها الحكومة على كل فردين من أفراد الجيش، خصوصًا عندما كانت تصرف لهم بعض السلاح وذلك ضمانًا لعدم هروبهما أو بيع سلاحهما.

أ- نظام الرهائن عند العثمانيين:

لقد بالغ العثمانيون (1538-1872/1635-1918) في استخدام نظام الرهائن عندما طبقوه، لضمان الحصول على التأييد والتسليم بسلطتهم المركزية، وفرض سلطة الأمن والاستقرار في عموم البلاد، حيث عمدوا إلى أخذ الرهينة مثلثة العدد، زوجة وبنتًا وذكرًا من الولد، خاصة عندما كانت الانتفاضات تتفجر في المناطق الجبلية.

كما فعل حسن باشا (996-1025) بعد إخماد انتفاضات ريمة والحجرية ويافع، حينذاك وصلت الرهائن بالآلاف.

إن العثمانيين استخدموا رجال الدين في عملية أخذ الرهائن من القبائل، وإخضاعهم لسلطتهم، كما استخدموا في ذلك العنف والقوة لكسر شوكة القبائل وضمان ولائها، وللحيلولة دون إمكانية تحالفها مع الإمامة الزيدية في شمال البلاد. برز ذلك مع بعض قبائل الشمال (خارف، بني صريم، خيار). لأنه من الملاحظ هنا أن القبائل في حالة أن ترهن للعثمانيين لا يحق للإمام أن يتدخل في شئونها، وكذلك العكس بالنسبة للعثمانيين، الأمر الذي خلق نوعًا من التنافس والتوتر بين الطرفين، فيما يخص جلب الرهائن، وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية أخذت المزيد من الرهائن، فإن الأوضاع لم تستتب، ولم تستكن القبائل بسهولة، فقد تتواصل الحروب لمدة طويلة.

أما في حالة تقديم القبيلة خدمة عسكرية للدولة، كأن تحارب منطقة أخرى خارجة عن الطاعة فإن الدولة في هذه الحالة تطلق الرهائن لهذه القبيلة مقابل تلك الخدمة، بيد أنها في حالة رفض القبيلة وشيخها تسليم رهينة، كانت تعمل على مطاردة شيخ القبيلة ونفيه، وإذا تمكنت من إلقاء القبض عليه قتلته؛ كما فعلت مع أحد مشايخ الحجرية في لواء تعز عندما رفض تسليم ولديه رهائن، وأبت نفسه فعل ذلك.

لقد استغل العثمانيون الرهائن في العديد من الأعمال الشاقة، والخدمات العامة، مثل بناء البساتين والمزارع، وحفر القنوات وبناء المنازل، بالإضافة إلى كل هذا كان العثمانيون يفرضون على الرهائن بعض الغرامات المالية التي فرضها حراس السجون تحت اسم (الرسامة) وهي ضريبة من المال يدفعها الرهائن. كما كانوا يدفعون أحيانًا لبعض أوليائهم جرايات وملحقات (نوع من النقود العثماني) لكي يحافظوا على ولائهم.

إن الاعتساف والجور الذي مارسه الأتراك على الرهائن وعلى الشعب اليمني، إلى جانب العديد من الأعمال الأخرى، أدت إلى قيام العديد من الانتفاضات والتمردات، فقد سجل لنا التاريخ العديد من الانتفاضات اليمنية الكبرى، في مختلف المناطق، بما فيها مدينة تعز والقرى المحيطة بها، وفي تهامة والمخلاف السليماني، بل في عموم اليمن، ليس مجال حصرها هنا، بالإضافة إلى تلك التمردات التي قام بها الرهائن أنفسهم في المعتقلات والسجون كتمرد الرهائن في بندر عدن على الأتراك سنة 1008هـ/1600م، عندما قتلوا حارسهم واستولوا على الأسلحة من داخل السجن وكادت العملية أن تتطور لولا لجوء الحاكم التركي إلى إطلاق سراحهم. هذه الانتفاضات والتمردات جعلت العثمانيين يبتكرون أساليب وطرقًا متعددة في تعاملهم مع الرهائن، مثل عملية النفي والإبعاد إلى أماكن بعيدة، فقد قام الوالي العثماني حسن باشا سنة 1586م بأسر الإمام الحسن بن داؤود الذي وصل إلى الإمامة، بعد وفاة المطهر، وأمر بنفيه مع عدد من أعيان البلاد، ونفي أبناء المطهر إلى (الأستانة) عاصمة الدولة العثمانية، كما قام أحمد فيضي بنفي عدد من اليمنيين على شكل رهائن، إلى جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى ما قامت به الدولة العثمانية مع بعض مشايخ القبائل من باجل وإرسالهم –كرهائن- إلى جزيرة رودس وطرابلس الغرب.

إننا نجد أن نظام الرهائن -رغم شيوعه في اليمن بشكل عام- فإنه كان يزداد استخدامه عندما ننتقل إلى المناطق الجبلية الأكثر قابلية للانتفاضات، بسبب صعوبة إخضاعها والسيطرة عليها، لذلك نجد أن (بهرام باشا 978-982هـ/ 1570-1575م) على سبيل المثال أخذ الكثير من الرهائن من منطقة (ريمة) المعقدة المسالك والممرات، وعندما سيطر (سنان باشا) على المناطق الشمالية المشهورة بجغرافيتها الصعبة وبتمرداتها أخذ الرهائن بأعداد كبيرة.

ب- نظام الرهائن عند الأئمة:

لا يختلف استخدام نظام الرهائن عند الأئمة، عن غيرهم ممن حكم اليمن، قديمًا وحديثًا، فقد مارسوه على نطاق واسع شمل معظم مناطق البلاد، التي حكموها، وذلك بهدف فرض الولاء والطاعة كما هو المعتاد، لكنهم إلى جانب ذلك استخدموه لغايات أخرى، تمثلت في ادعائهم تطبيق الشريعة الإسلامية ومحاربة الطاغوت (العرف القبلي). ومهما تكن صحة هذه الادعاءات أو مجانبتها للحقيقة، فإن الكتابات الإمامية الرسمية قد صورت لنا العديد من الأحداث التي كانت تعتبر حركة الجيوش المرسلة إلى المناطق بمثابة الغزوات الجهادية، وأن القبائل المهزومة لابد من أن تسلم أبناءها رهائن للدولة برهانًا على الامتثال لأحكام الشريعة المطهرة، وإذا رفضت ذلك فإنها تعد - في نظر الإمامة - خارجة عن الطاعة ومحتكمة للطاغوت الذي يتنافى وأحكام الشريعة الإسلامية.

إن المتتبع لسيرة الأئمة يجد أن معظمهم استخدم نظام الرهائن، وإن تفاوتت نسبة التطبيق وتنوعت الغاية، ففي عهد الإمام شرف الدين (1506-1557م) نجد أن ابنه المطهر قد قام بالقتل الجماعي للأسرى والرهائن، من القبائل الثائرة ضد حكم أبيه؛ حيث أصدر أوامره عقب انتفاضة خولان عام 935هـ/1528م، بقطع أيدي ثمانين رهينة وأقدامهم، وقيل ثلاثمائة، في سجن قلعة غمدان قبل أن يعمل جيشه في هذه القبيلة قتلًا ودمارًا، وإثر حملة أخرى قادها المطهر ضد الطاهريين، عاد وبصحبته نحو ألف وخمس مائة (1500) رهينة، يحمل كل واحد منهم رأسًا مقطوعًا في يده، وبجانب كل رهينة حارس موكل به، وعندما وصل بهم إلى أمام قصر أبيه الإمام شرف الدين أمر كل حارس أن يضرب أسيره بصورة وحشية، لم يستطع أمامها والده السيطرة على أعصابه من بشاعة المنظر، إذ روي أنه قال: «اللهم أني أبرأ إليك مما فعله المطهر».

وفي نفس الاتجاه أخذ الأئمة رهائن ثنائية العدد ولدًا وزوجة، حصل ذلك أثناء معاهدة الصلح بين الإمام أحمد بن الحسين (646-656هـ) والسلطان الرسولي يوسف بن عمر بن علي سنة 650هـ/1252م عقب استيلاء الإمام على حصن (براش)، حيث طلب الإمام من السلطان الرسولي رهن ولده وزوجته ضمانًا لتنفيذ تلك المعاهدة.

إن هذا من الرهائن، والمخالف للتقاليد والأعراف اليمنية، قد يكون فيه شيء من المبالغة؛ إذ كيف تقبل القبائل بمثله، مهما كانت درجة الإكراه والتعسف، ولكنه لا يخلو من الحقيقة في بعضه، لا لأنه ورد ضمن الكتابات الرسمية المتصفة بالانحياز التام تجاه كل ما هو رسمي فحسب، وإنما لأن هذه الكتابات كانت تعمل على تحسين صورة الحاكم وإظهاره بمظهر القديس والمعصوم من كل الأخطاء، لاسيما الكتابات الرسمية الإمامية التي تستند إلى خلفية فكرية تراثية، تماثل الفقه السياسي الشيعي.

إن الإمامة كانت تهدف من وراء استخدام نظام الرهائن، إلى جانب فرض الولاء، غاية أخرى أيدولوجية، هي فرض العقيدة المذهبية «السيرة المهدية»، برز ذلك أثناء حملة الإمام أحمد بن الحسن (1317هـ/1899م) على مأرب عندما شرط عليهم العهود والمراسيم المتعلقة بذلك «ودخلوا في مراسيمه وامتثلوا أحكامه وقطعوا ذكر الخليفة من بني العباس في الخطبة والتزموا بمذهب العدلية، وأذنوا بحي على خير العمل». كما أقرنت مسألة تسليم الرهائن بالشريعة الإسلامية واعتبرت تسليمها نوعًا من الالتزام بها، بل نوعًا من أنواع التوبة، وهذا ما حدث بالفعل أيام الإمام محمد المنصور (322هـ/1904م) أثناء حملة ابنه سيف الإسلام يحيى إلى البلاد السودة، وما كان من أمر أحد أبناء تلك البلاد (بن ناشر)، وكيف كانت نهايته على يد قوات الإمام وبذله رهينة الطاعة بالقوة؛ برهانًا على الالتزام بأحكام الشريعة، وما كان -أيضا- من أمر مشايخ (آل كياس) من رجال سمار لواء المحويت، وما بذلوه من رهائن وانصياعهم القسري لأوامر الشريعة المطهرة، ناهيك عن أنها جعلت مسألة تسليم الرهينة بمثابة إعلان القبول في الجيش الإمامي، وخوض عملية الجهاد، فضلا عن ما كان يصاحب عملية أخذ الرهائن تلك، من العهود والمواثيق والأيمان المغلظة، لإن عملية تقديم الرهائن بهذه الصورة لم تشفع للأهالي، ولم تجنبهم عمليات السلب والنهب وخراب المنازل، لذا نلحظ أن مسألة الرهائن كانت تتضمن العديد من الاتفاقيات والعهود، التي كانت تبرم بين الأئمة وخصومهم السياسيين، مثل اتفاقية الصلح بين الإمام أحمد بن الحسين وقبيلة سنحان عام 649هـ في لواء صنعاء؛ حيث ورد في بعض بنودها ضرورة تسليم رهائن معينة من كبار سنحان وورد - أيضا - في أحد بنود الصلح المبرم بين الإمام المهدي أحمد بن الحسين وقبائل حاشد وبكيل إخراج الرهائن من الحبس، وكذلك ضمن شروط الصلح بين الإمام المنصور محمد بن يحيى والأتراك، عندما شرط عليهم تسليم رهائن التزامًا لتنفيذ بنود الصلح، كما نجد في صلح دعان عام 1911م أن الأتراك شرطوا على الإمام يحيى في بند من بنود الاتفاق إطلاق الرهائن الموجودة عنده من أهالي صنعاء وما جاورها وحراز وعمران لمدة عشر سنوات، وهي مدة الاتفاقية بين الجانبين، ومن الجدير ذكره أن الإمامة في بعض فترات تاريخها كانت توكل أحيانًا مهمة أخذ الرهائن من القبائل بعض المشايخ المهمين في نظرها، فقد كلف الإمام محمد المنصور الشيخ علي المقداد شيخ آنس مهمة أخذ الرهائن من بقية مشايخ تلك البلاد ومن عتمة ووصابين، على أن يسلم بدوره سلفًا الرهائن للإمام ضمانًا لتنفيذ تلك المهمة، وهو الأمر الذي خلق نوعًا من التنافس بين المشايخ أنفسهم، وحال دون إمكانية توحدهم ضد الدولة.

 وهنا الإمام  محمد المنصور يوضح في خطاب بعثه إلى الإدارة التركية في اليمن، سياسته بخصوص الرهائن، ويذهب إلى التأكيد بأن العنف وحده المقرون بأخذ الرهائن، هو الوسيلة المثلى لاستتباب الأمن والاستقرار، لأن بعض القبائل - حسب وصفه - لا تستكين ولا تخضع لسلطة الدولة المركزية، حتى وإن قتل المزيد من رجالها ومن رهائنها.

وهكذا مارس الأئمة نظام الرهائن -بشكل أو بآخر- على الشعب اليمني بهدف إخضاعه لسلطاتهم المركزية تحت مبررات عديدة ومسميات متنوعة، توزعت بين شرعنته حينًا وفرضه قسرًا حينًا آخر، ليصبح مع مرور الوقت نظامًا قائمًا بذاته، وهو ما طبق حرفيًّا في عهد المملكة المتوكلية.

ج-  الرهائن عند الإدريسي والإنجليز:

لم يقتصر استخدام نظام الرهائن على الأئمة والأتراك، بل امتد إلى المنطقتين اليمنيتين الأخريين، اللتين لم يمتد إليهما حكم الأئمة والأتراك.

المخلاف السليماني الذي كان يحكمه الأدارسة، وجنوب اليمن الذي كان يحكمه المستعمرون البريطانيون. فالأدارسة (1907-1938م) قد استخدموا هذا النظام مع القبائل لكي يأمنوا ردتهم وخيانتهم، لاسيما وأن بعض القبائل كانت تتنازع السيادة عليها كل من الإمامة الزيدية والإدريسي، والأتراك، فقد كان الإدريسي يبعث دعاته ورسله إلى مناطق تلك القبائل، لأخذ الرهائن منها، تأكيدًا لولائها وطاعتها، وبعد أخذ الرهائن يقوم بإرسال العمال والموظفين إلى تلك المناطق، وعندما دخلت جيوشه إلى بلاد (ريمة) و(أبهي) و(السراة)، ومعظم تهامة، أخذ الرهائن من أبناء هذه المناطق وأرسلهم إلى (الزيدية) ثم إلى (جيزان) للاحتفاظ بهم كرمز لدخول هذه القبائل تحت سيطرته، وكذلك عندما دخلت جيوش الإدريسي إلى الحديدة عام 1921م شرع مباشرة في أخذ الرهائن من أبنائها ونفي البعض الآخر إلى جيزان بغية حفظ الأمن والهدوء في المدينة، وكانت الجيوش ترسل إلى المناطق الأطراف بهدف جمع الرهائن واختبار السكان، هل لا زالوا باقين على العهد أم قد نكثوا، وقد يكون استخدام الرهائن في المنطقة التي سيطر عليها الإدريسي دلالة على عدم ثبات ولاء القبائل وتأرجحها بين الولاء للإدريسي، والإمام يحيى، لذلك عمد إلى أخذ أبنائهم رهائن لتثبيت الولاء له، خاصة أن ظروف القبائل الصعبة وطبيعتها جعلتها تتجه في ولائها إلى الأقوى اقتصاديًّا، حتى أن القبائل التي كانت تعتبر بالنسبة للإمام يحيى جيشه الذي يوجهه لإخضاع المناطق المضطربة أخذت تتسرب لتعلن ولاءها للإدريسي؛ مثل حاشد وبكيل اللتين اعتبرتا الإدريسي إمام الذهب، بينما الإمام يحيى إمام المذهب، إن الإدريسي استخدم رؤساء القبائل ووجهاءها كرهائن عندما احتجزهم عنده كضمان لطاعة قبائلهم، وشكل هؤلاء الشيوخ ووجهاؤها كتيبة حرس الشرف، ترافقه في موكبه، كقوة يحركها متى أراد ويكلفها بمهام الأمور، حتى أصبح وجودهم إلى جانبه مظهرًا من مظاهر القوة والسلطان.

أما البريطانيون في جنوب اليمن (1839-1967م) فقد استخدموا نظام الرهائن بهدف حماية، أو ضمان سلامة الطرق التجارية، المارة من عدن إلى مناطق المحميات، وعندما قاموا بضرب عدن بالقنابل لاحتلالها عام 1839م، لم يقبلوا التفاوض مع أهل المنطقة، ولم يطمئنوا لإعلانهم التسليم إلا بعد أن اشترط (هينس) قائد الحملة الإنجليزية على شيوخ القبائل إرسال ثلاثة من كبارهم لضمان سلمية، كما ورد في الخطاب الذي أرسله الكابتن (هينس) المعتمد السياسي البريطاني في عدن (1839-1854) إلى السلطان محسن العبدلي سلطان لحج، ما يؤكد استخدام البريطانيين لنظام الرهائن، وذكر حسن صالح شاب أن البريطانيين أخذوا رهائن من سلطان لحج لضمان اتفاقية السلام بينهم وبينه.

مما تقدم يتضح أن نظام الرهائن كان وسيلة من الوسائل التي استخدمها الحكام على امتداد التاريخ اليمني القديم والوسيط والحديث لإخضاع الشعب، وضمان ولاء الأسر والقبائل القوية التي يخشى الحاكم أن تهدد حكمه، كما يتضح أن هذا النظام لم يقتصر على اليمن وحده، بل هو نظام مغرق في القدم مارسه الفراعنة والأشوريون والبابليون والفرس والروم، وغيرهم من الدول والحضارات القديمة.

مما يشير إلى أن التجربة الإنسانية متشابهة في كثير من ملامحها وتجاربها رغم اختلاف الزمن وتباين البلدان والحضارات.

تطبيق نظام الرهائن وآلياته:

تناول الباحثون والمؤرخون نظام الرهائن المعمول به في المملكة المتوكلية اليمنية بشيء من التباين والاختلاف، في طروحاتهم وتحليلاتهم، وذلك وفقًا لمفهومهم ومواقفهم من المؤسسة الإمامية الحاكمة.

إلا أنهم - في الغالب - يكادون يجمعون على أن هذه الظاهرة -السياسية الاجتماعية - مثلت - حقا - أهم أسس ومرتكزات النظام الإمامي المتوكلي، إن لم تكن -في نظرنا- الأساس العملي لمحاولة تأصيل مفردات الحكم الإمامي الكهنوتي (نقاء سلالي، ولاء ديني مذهبي ...الخ)، وغرس تلك المفاهيم في نفوس الرهائن، بل في نفوس عموم الشعب اليمني.

وإذا ما علمنا أن الرهائن كانت تؤخذ قسرًا وفي حالة إكراه، لاسيما رهينة العطف - كما مر بنا آنفا - والتي كانت تأخذها الإمامة في حالة الحرب وذلك من أجل فرض الطاعة، وتأمين وصول التزامات الفلاحين من (الأطراف) إلى خزينة السلطة (المركز)، فإن بعض الدارسين قد رأى أن نظام الرهائن كان يمثل نوعًا من أنواع العنف المنظم الذي مارسته السلطة الإمامية ضد الفرد والمجتمع، وهذا خلافًا لما ذهب إليه عبدالله البردوني، حيث اعتبر مسألة الرهانة، لاسيما رهانة الضمان، وسيلة من وسائل الوجاهة وعلو المشيخة ليس إلا مبررًا طرحه هذا بـ «شجار المشايخ فيما بينهم من أجل السباق على تسليم الرهينة»، والعائدات المادية والمعنوية التي كانوا يجنونها من وراء تسليم الرهينة، في حين رأى البعض أن المشايخ خصوصًا مشايخ الضمان كانوا جزءًا من المؤسسة الإمامية، أو ممثليها في مناطقهم باعتبارهم موظفين حكوميين وجواسيس للسلطة المركزية، وهو ما يتنافى مع طرح البردوني.

وفي الحقيقة فإن مسألة الرهانة كانت تشكل نوعًا من الارتهان وتسليم المصير في إرادتها ومشيئتها كيف يشاء، وكيفما تقتضيه الظروف السياسية، وهذا ما عبر عنه بوضوح أمين الريحاني، عندما وصف نظام الرهائن أثناء استقباله في مدينة يريم من قبل طلاب المدارس (الرهائن) خلال رحلته إلى صنعاء بقوله: «إنه لحكم عسكري قاسٍ شديد، بل حكم اشتباه وارتياب، فلا عجب إذا أخلص العمال لرئيسهم الأكبر ولكل واحد ولده عنده أو أخ أو قريب عزيز».

كما أن (هانز هولفريتز) في مؤلفه الذي ترجم إلى العربية بعنوان: «اليمن من الباب الخلفي»، اعتبر نظام الرهائن وسيلة من وسائل العنف، «حيث إن على كل كبير من الكبراء... وعلى كل شيخ قبيلة صغيرًا كان أو كبيرًا أن يسلم أحد أولاده أو إخوانه إلى الملك كرهينة على ولائه وحسن سلوكه»، ووصفه بأنه «طريقة بربرية في غرس الطمأنينة والثقة في الدولة والإخلاص للواجب». إلا أنه لم يغفل المغزى الأيديولوجي لنظام الرهائن، وما يمكن عمله في المستقبل من تسويغ وقبول طوعي للتبعية للعرش، حيث عده «أسلوبًا تثقيفيًّا يتطلب إثماره بعض الوقت»، وربما هذا ما نلمسه في طبيعة المنهج الدراسي الذي فرضته الإمامة على جميع الطلاب ومنهم الرهائن (أصول المذهب، وشرح الأزهار... إلخ)، وما يؤديه هذا المنهج من وظيفة أيديولوجية تخدم مصالح الطبقة الحاكمة، والمؤسسة الإمامية الثيوقراطية، وما يتحكم في توجيهات وأفكار الفرد، بهدف تطبيعه وتطويعه على المدى القريب والبعيد على «الطاعة والولاء والود لآل البيت»، بل ما يخلقه من جمود اجتماعي يحرم الثورة على الظالمين، بينما ذهب أمين الريحاني إلى أن الرهائن كانت مقتصرة على النخبة البيروقراطية - ملكيين وعسكريين - وهذا مما أثار استنكاره واستياءه؛ حيث إن على كل واحد من هؤلاء أن يسلم رهينة واحدة، ابنًا أو أخًا أو نسبًا عزيزًا، كفالة الإخلاص والوفاء والتبعية للعرش، بل إنه شكك في وطنية الأمة التي يؤخذ من أبنائها رهائن، لاسيما في فترة السلم؛ باعتبار أن نظام الرهائن أساس فاسد قامت عليه مؤسسة الحكم الإمامي.

أما بالنسبة لبعض الدارسين، وفي مقدمتهم فضل أبو غانم، فيعتبر نظام الرهائن ظاهرة قبلية تقليدية اعتادت عليها اليمن منذ القدم، حيث اقترن وجودها بوجود القبيلة نفسها، فحيثما وجدت القبيلة، كمؤسسة فاعلة في المجتمع، وجدت بالتالي هذه الظاهرة البارزة، والتي تعد جزءًا فاعلًا ضمن منظومة قبلية متكاملة لا يمكن الفكاك منها، أو تلاشيها إلا بتلاشي القبيلة ذاتها، إلا أنه في نهاية الأمر يؤكد أن الإمامة استخدمت هذا النظام لغاية واحدة هي «من أجل ضمان ولاء زعماء القبائل وعدم عصيانها السلطة»، كما أن سيد مصطفى سالم يصف ظاهرة الرهائن بالجمود والتأخر وأنها - حسب تعبيره - وسيلة بالية كان الغاية منها فرض السيادة وضمان إخلاص وطاعة القبائل ليس غير، وأرجع سبب استخدام نظام الرهائن إلى صعوبة الطبيعة الجغرافية الحائلة دون إمكانية تحقيق سلطة الدولة المركزية، حيث كان هذا النظام أمام تلك التضاريس الجغرافية الوسيلة المثلى والوحيدة لاستتباب الأمن، ولاسيما في حالة عدم وجود جيش منظم، وهو هنا يتفق - إلى حدٍّ ما - مع الرحالة العربي نزيه مؤيد العظم، الذي قال:

 "بأن نظام الرهائن طريقة اعتيادية ومألوفة سياسيًّا عند الأئمة وغيرهم من أمراء وملوك العرب، حيث اعتادوا في حكم البلاد على طريقة الرهائن، «فكانوا يأخذون ممن يولونه الحكم في صقع من الأصقاع ولدًا من أولاده، أو أخًا من أخوته فيحفظونه عندهم رهينة لكي يأمنوا شر ذلك الحاكم أو العامل، فلا يقوم على العصيان أو التمرد ...، ويأخذون أيضًا الرهائن من معظم وجوه البلاد النائية وشيوخها ليأمنوا شرهم».

أي أن الرهائن في هذه الحالة مهما تعددت أشكالها ومسمياتها، كانت تؤخذ من أجل ضمان الولاء والطاعة وعدم التمرد وحسب.

أما الرحالة الإيطالي سلفادور أبونتي في كتابه المترجم إلى العربية بعنوان «هذه هي اليمن السعيد»، فقد نحا منحى آخر، وربما يكون أقرب إلى التبرير منه إلى التحليل الموضوعي، فقد اعتبر نظام الرهائن بمثابة الضرورة السياسية الملحة، والتي لابد منها لاسيما في حالة انتفاء الوحدة الروحية، وارتكاز السلطة على شعور الشعب الديني، فلا بد للحاكم في هذه الحالة - من وجه نظره - أن يستغل نظام الرهائن «لكي يكون في مأمن من دسائس أقليات تخالفه في العقيدة الدينية».

 غير أن عبد العزيز المسعودي في معرض حديثه عن نظام الرهائن، قد تماثل بل وتلازم - من وجهة نظره - مفهوم نظام الرهائن بالاستخدام السافر للعنف والقوة العسكرية، حيث اعتبره بمثابة محاولة قسرية لإخضاع البلد - ريفه وحضره - لمشيئة الحاكم الإمام، حتى لا تفكر القبائل بالعصيان والتمرد عليه، إضافة إلى ذلك اعتبر هشام علي أن نظام الرهائن في اليمن لعنة الجغرافيا؛ حيث يدفع اليمنيون ثمن الموقع الجغرافي. أي أنه لصعوبة التضاريس وتباعد المناطق والسلسلة الجبلية الوعرة، تجعل الدولة لا تثق، بل لا تستطيع مد سيطرتها على كامل الخارطة اليمنية، الأمر الذي حتم عليها آنذاك استخدام نظام الرهائن كبديل طبيعي لإمكانية بسط سلطتها المركزية.

لقد تباينت الآراء والطروحات عند المؤرخين والباحثين، حول مفهوم نظام الرهائن وطبيعته، والغاية منه، إلا أنها في نهاية الأمر تلتقي عند نقطة واحدة، وهي أن نظام الرهائن ظاهرة اجتماعية وسياسية جديرة بالرصد والدراسة، وأنموذجٌ اجتماعيٌّ وسياسي كان الغاية منه إبقاء شخص لدى الحاكم (الإمام) لغرض ضمان الولاء والطاعة وعدم التمرد، بغض النظر عن مشروعيته من عدمها، بمعنى آخر هو نمط إنساني - اجتماعي محدد تاريخًا وسلوكًا، وشكل من أشكال ضمان سلطة الحاكم (الإمام) على القبائل والنواحي، وذلك بأخذ أبناء الشيوخ والعائلات الكبيرة كرهائن لديه ليضمن استمرار ولائهم لسلطانه، ومحاولات إعادة تنشئتهم العقائدية السياسية على أسس ثقافية تدين بالولاء لشخص الحاكم (الإمام).

نظـام الرهائـن فـي اليمن (2)

المرفقات
العنوان تحميل
الندوة الثانية نظام الرهائن في اليمن المعاصر تحميل
التعليقات (0)