لمحة عن الحديبية

لمحة عن الحديبية

قيل إن الحديبية سميت بذلك لشجرة حدباء أمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بقطعها، عندما نما إلى علمه أن الناس يأتون عندها ويعظمونها، تعرف في الوقت الحاضر باسم: الشميسي، نسبة إلى رجل اسمه شميسي حفر بئراً بها، تقع على بعد 22كم غرب المسجد الحرام عند أعلام حدود حرم مكة المكرمة الغربية على طريق مكة – جدة القديم.

وقد ذكر في المصادر أنها: قرية صغيرة، وقرية متوسطة بها مسجد، وأحساء، وثبور، وبئر، وهي أوصاف لا تتعارض مع كونها كذلك.

من المعتقد لدينا أنها كانت محطة على طريق القوافل التجارية الموصل بين اليمن والشام، والذي ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة قريش، ثم زادت أهميتها بعد صلح الحديبية، واتخاذ الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه جدة بدلاً عن ميناء الشعيبة عام 26هـ / 646م، ثم بعد ذلك اتخاذها محطة مهمة على طريق الحجاج القادمين بحراً من ميناء جدة.

شهد هذا المكان أحداث السيرة النبوية العطرة، حين نزل الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه قاصدين مكة المكرمة، لأداء فريضة العمرة في السنة الخامسة من الهجرة، وهي العمرة التي لم تتم، والتي انبثق عنها صلح الحديبية الذي أبرم بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش، كما شهد هذا المكان بيعة الرضوان أو بيعة الشجرة في الوقت نفسه، حين نما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سفيره إلى قريش عثمان بن عفان رضى الله عنه قد قتل، والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}، [الفتح: 18].

وفي هذا المكان حدثت معجزات إلهية، قال البراء: "كنا يوم الحديبية أربع عشرة ومائة، والحديبية بئر فترضاها حتى لم تترك فيها قطرة، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم حتى روينا وروت ركائبنا".

وعن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة، فتوضأ فجهش الناس نحوه فقال: مالكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء بثور من أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم: قال لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.

وفي رواية: "حتى نزل بالناس على ثمد من أثماد الحديبية خنون قلي الماء، يتبرض ماؤه تبرضاً، فاشتكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قله الماء، فانتزع سهماً من كنانته فأمر به فغرز في الثمد، فجاشت لهم بالرواء حتى صدروا عنه بعطن، وإنهم ليغرفون بآنيتهم جلوساً على شفير البئر، وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بضعة عشر يوماً في رواية، وفي رواية أخرى عشرين ليلة.

أما الحديبية في الوقت الحاضر فهي بلدة صغيرة، بها نقطة التفتيش لسالك الطريق باتجاه مكة أو جدة، ومسجدان متهدمان، وعدة آبار، وأحواش كبيرة لشركات، علاوة على مؤسسات حكومية، ومجموعة من المباني السكنية، وبقالة واحدة، وبئر قديمة، وسبيل ماء بني في أواخر العصر العثماني، ثم تجديد عمارته في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله، وتحديداً عام 1362هـ / 1943م.


المراجع:

أ.د ناصر بن علي الحارثي، الآثار الإسلامية في مكة المكرمة، ص66-69.

(شبكة تراثيات الثقافية)

التعليقات (0)