التربية عن طريق أسلوب الثواب والعقاب (2)

التربية عن طريق أسلوب الثواب والعقاب

(الجزء الثاني)

ثانيًا: مِن وسائل العقاب:

1- الحِرْمان منَ التشجيع:

من وسائل العقاب التي أرشدت إليها السنة النبوية: الحِرْمان منَ التشجيع؛ حيث يعمد المربِّي إلى حرمان مَن يعاقبه مما كان قد عوَّده من تشجيع، أو مدح، أو ثناء، وما شابه ذلك؛ يدل لهذا من سنته - صلى الله عليه وسلم - ما ترويه أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في قصة الإفك من موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - منها حين مرضتْ، وأنه لم يكن يزيد على قوله: ((كيف تِيكُم؟))[8]، دون أن ترى منه - صلى الله عليه وسلم - ما كانت تراه من اللُّطْف الذي كانتْ تعرفه منه حين تمْرض.

وبهذه الطريقة في المعامَلة يضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمام المربِّين وسيلة من وسائل العقاب التربوي، قد تكون من أجدى أنواع العقوبات التي يُمكن أن يعاقب بها الطفل، وأكثرها ملاءمة لنفسيته في المراحل الأولى من دراسته[9].

2- اللَّوم والتوبيخ:

لا بأس أن يلجأ المرَبِّي إلى توبيخ الناشئ أو المتعلم إذا ما أخطأ خطأ يستوجب العقاب، ويمكن الزجْر عنه بالتوبيخ.

وقد استخدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلوب التوبيخ حيث دعت الحاجة إلى ذلك؛ حيث يُروى عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه -: أنه عَيَّر رجلاً بسواد أمِّه، فوبَّخه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: ((إنك امرُؤٌ فيك جاهلية))[10].

لكن ينبغي للمربِّي ألاَّ يُفْرط في استخدام التوبيخ؛ لأن ذلك قد يكون له تأثير سلبي على الناشئ، فلا بد أن يراعي المؤدِّب حال الصغار، والفروق بينهم في الطباع والأخلاق، فمنهم مَن يكفي في لومه وإشعاره بخطئه نظرةٌ قاسية، ومنهم من يرتجف فؤاده بالتلميح، ومنهم مَن لا يردعه إلا التصريح باللوم والتوبيخ، وعلى المربِّي أن يحدِّدَ الطريقة الملائمة للتوبيخ مع كل منهم.

3- الهجْر والمقاطعة:

وقد لجأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الأسلوب في عقابه للثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك؛ حيث أَمَرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته ألاَّ يكلِّموهم، فجرت المقاطعة بين المسلمين وبين هؤلاء الثلاثة؛ حتى ضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت[11]؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 117 - 118].

وهذا يدل على أن مؤدب الناشِئِين يحق له - بل يجب عليه أحيانًا - أن يَحرم المخطئين من مُعاشَرة زملائهم فترة من الزَّمَن؛ عقوبة وردعًا لهم، حتى يشعر بندمهم وتوبتهم ورجوعهم إلى الصواب، أو يأخذ عليهم العهْد بذلك، شريطة أن يعرفوا أخطاءهم، وسبب إنزال هذه العقوبة بهم، وأن يتوسَّم فيهم الاستفادة من هذه العقوبة[12].

4- العقاب البدني:

أقرَّت السنة النبوية العقاب البَدَني كوسيلة من وسائل مُعالجة الأخطاء، إذا توقَّف العلاج على ذلك؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر))[13].

لكن لا بد منَ الحَذَر من المبالغة في العقاب البدني؛ بل لا بد أن يقتصرَ المربِّي منه على أقلِّ ما يؤدِّي الغرض؛ ومن ثم ينبغي أن يراعي المربي عند إقدامه على العقاب البدني ما يلي:

أولاً: الاكتفاء بإظهار أداة العقاب إن تم الزجْر بذلك؛ لأن كثيرًا من الصغار والأطفال يرتدعون وينزجرون بمجرَّد رؤيتهم للعصا أو السوط، ونحو ذلك من أدوات العقاب البَدَني، فإذا ارتدعوا وانزجروا، فقد حصل المقصود؛ فلا داعي إلى الإيقاع الفعلي للضَّرْب.

وقد أرشدت السنة النبوية إلى مجرَّد إظهار أداة العقاب، وهو في حدِّ ذاته وسيلة من وسائل التأديب؛ حيث يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعًا: ((علِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت؛ فإنه أدب لهم))[14].

ثانيًا: الاقتصار على شدِّ الأذن ونحو ذلك، دون لجوء إلى الضرب، حيث كان ذلك مجديًا؛ لأن الصغير يتعرَّف بذلك على ألم المخالفة، وعذاب الفعل الشنيع الذي ارتكبه، واستحقَّ عليه شدَّ أذنه؛ فقد قال النووي في "الأذكار": روِّينا في كتاب ابن السني عن عبدالله بن بسر المازني الصحابي - رضي الله عنه - قال: بعثتني أمي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقِطْف من عنب، فأكلْتُ منه قبل أن أبلغه إياه، فلما جئت أخذ بأذني وقال: ((يا غُدَر))[15].

ثالثًا: عند اللجوء إلى الضرْب ينبغي ألاَّ تقلَّ سنُّ المضروب عن عشر سنين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في أمر الصلاة: ((واضربوهم عليها وهم أبناء عشر))[16]، فإذا كانت الصلاة - وهي عماد الدين - لا يجوز الضرب عليها قبل سن العاشرة، فما عداها من الأمور أهون وأيسر؛ فلا يعاقب عليه الطفل بالضرب قبل العاشرة أيضًا.

كما ينبغي أن يتراوح عدد الضربات بين واحدة وثلاث فقط؛ فقد كان عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - يكتب إلى الأمصار: "لا يَقْرِن المعلم فوق ثلاث؛ فإنها مخافة للغلام".

وعن الضَّحَّاك قال: "ما ضرب المعلِّم غلامًا فوق ثلاث، فهو قصاص"[17].

ولا بد من العدل في الضرْب بين الصبيان؛ فعن الحسن قال: "إذا لم يعدل المعلم بين الصبيان كُتِب من الظَّلَمة"[18].

ولا بدَّ - أيضًا - أن تكونَ أداة الضرب أداة مناسبة لسنِّ الصغير؛ فلا يضرب بأداة تؤلِمه إيلامًا شديدًا، أو تُحدث له كسورًا، أو جروحًا، أو عاهاتٍ؛ لأن الغرضَ - أولاً وأخيرًا - من هذا الضرْب هو التأديب، وليس التشفِّي والانتقام.

ويجتنب المربِّي عند الضرب الوجْه والرأس بما حوى، والمناطق الحسَّاسة من الجسم؛ لأن الضرب في هذه المواضع قد يؤدِّي إلى حدوث عاهات للصغير، وقد نَبَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك بقوله: ((إذا ضرب أحدكم فليتَّقِ الوجه))[19].

ومِن حُسْن الأَدَب مع الله - عزَّ وجَلَّ - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -: أن يرفع المؤدِّب يده عن الصغير إذا ذكر اسم الله - تعالى - أو النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هو عادة كثير من الصغار عند تعرُّضهم للعقاب؛ يدل لذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: ((إذا ضرَب أحدكم خادِمه فذكَر الله، فارفعوا أيديكم))[20].

وقد يقول قائل: إن الطفل إذا علم بهذا قد يتخذها وسيلة للتهرُّب من العقوبة، والعَوْد إلى الخطأ، أو يتخذها حيلة للتخلُّص من الضرب، ويعاود فِعْلَه.

فالجواب عن ذلك: أنه يجب الاقتداء بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فيه من تعظيم الله - تعالى - في نفس الطفل، وهو كذلك علاج للضارب من أن حالته الغضبية كبيرة جدًّا؛ مما استدعى من الطفل ذكر الله تعالى والاستغاثة به.

ولن نتكلم مع ضعاف الإيمان الذين إذا سمعوا مثل هذه الاستغاثات، ازدادوا حمقًا وتعسُّفًا وضرْبًا، فهؤلاء بحاجة أن يذكروا ذنوبهم، وتقصيرهم مع ربهم، وحِلم الله - تعالى - عليهم، مع قدرته عليهم في كل آنٍ[21].

وهذا يقودنا إلى أمر مهم، وهو أنه يجب على المربِّي ألاَّ يُقْدمَ على عملية الضرب والتأديب وهو في حال غضب شديد؛ فقد كتب عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - إلى أحد عماله: "لا تعاقب رجلاً عند غضبك عليه؛ بل احبسه حتى يسكن غضبك، فإن سكن فأخرجه، فعاقبه على قدر ذنبه".

هذه قاعدة تربوية يجب ألاَّ يحيد عنها المربُّون، ولا ينساها الآباء والأمهات: "لا تؤدِّب وأنت غضبان"؛ لأن الغضب يفقد صاحبه الحكمة والبصيرة والروِيَّة في الحكم، والأناة في بحْث الأمور بحثًا عقليًّا من جميع جوانبها، وحينئذ يأتي الخطأ، ويحدث الظُّلم، ويعيش صاحبه في حالة غضبية، لا يفرق بين الانتقام والتأديب، فالانتقام يصدر عن مبغض كاره، والتأديب يصدر عن قلب رحيم[22].

5- التشهير:

مع أن الإسلام يؤكِّد على أهمية ستْر العيوب، والستر على المسلمين وعدم التشهير بهم، فإنه في بعض الأحيان يوجد مَن يصرُّون على ارتكاب الأخطاء، ولا يرتدعون إلا بفضْح أمْرهم والتشهير بهم؛ فحينئذ يجوز ذلك؛ لأن الضرورة قد دعت إليه؛ وقد لَجَأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الأسلوب من العقاب، فيما يروى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رجل: يا رسول الله، إن لي جارًا يؤذيني، فقال: ((انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق))، فانطلق فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه فقالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق))، فجعلوا يقولون: "اللهم العنه، اللهم أخْزِه"، فبلغه فأتاه، فقال: ((ارجع إلى منزلك، فوالله لا أؤذيك))[23].

وفي هذا دليل على أن النقد الاجتماعي اللاذع من أساليب التربية الاجتماعية في الإسلام؛ ولكن لا يُلجَأ إليه إلا عند الضرورة القصوى[24].

(الجزء الأول)


[8] أخرجه البخاري (5/601-604)، كتاب الشهادات، باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا (2661)، ومسلم (4/2129 - 2138) كتاب التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (56/2270).

[9] مجلة المعرفة، وزارة المعارف السعودية، العدد (31)، شوال سنة 1418هـ، ص (12).

[10] أخرجه البخاري (1/114) كتاب الإيمان، باب: المعاصي من أمر الجاهلية (30)، ومسلم (3/1282) كتاب الإيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل (1661).

[11] وهو حديث كعب بن مالك: أخرجه البخاري (8/452 - 455) كتاب المغازي، باب: حديث كعب بن مالك، وقول الله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ (4418)، ومسلم (4/2120 - 2128) كتاب التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (2769)، وأبو داود (1/670) كتاب الطلاق، باب: فيما عنى به الطلاق والنيات (2202)، والنسائي (2/53) كتاب المساجد، باب: الرخصة في الجلوس فيه والخروج منه بغير صلاة.

[12] "أصول التربية الإسلامية وأساليبها"، مرجع سابق، ص (146).

[13] أخرجه أبو داود (1/334) كتاب الصلاة، باب: متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث (495)، وأحمد (2/187)، والدارقطني (1/230) كتاب الصلاة، باب: الأمر بتعليم الصلوات والضرب عليها، حديث (2،3)، والحاكم (1/197)، وابن أبي شيبة (1/347)، والدولابي في "الكنى" (1/159)، والعقيلي في "الضعفاء" (2/167 - 168)، وأبو نعيم في "الحلية" (10/26)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (2/278) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص.

[14] أخرجه الطبراني في "الأوسط" (4382)، و"الكبير" (10/345) رقم (10673)، من طريق سلام بن سليمان قال: نا عيسى بن علي وعبدالصمد بن علي، عن أبيهما علي بن عبدالله بن عباس عن ابن عباس به.

وأخرجه عبدالرزاق (9/447) رقم (17963)، والطبراني في "الكبير" (10/345) رقم (10670)، من طريق داود بن علي بن عبدالله بن عباس عن أبيه عن جده به.

[15] "منهج التربية النبوية"، مرجع سابق، ص (192)، الأذكار، للنووي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1399هـ - 1979م، ص (256)، والحديث أخرجه ابن عدي في "الكامل" (2/213، 214) في ترجمة الحكم بن الوليد الوحاظي، وقال: والحكم بن الوليد هذا ليس له رواية إلا اليسير، وروى عنه يحيى الوحاظي؛ فهذا الحديث لا أعرفه إلا عنه عن عبدالله بن بسر، وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/349) في ترجمة الحكم بن الوليد: أورد له ابن عدي حديثًا استنكره.

[16] تقدم تخريجه.

[17] أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "العيال" (1/532).

[18] "منهج التربية النبوية"، مرجع سابق، ص(195).

[19] أخرجه البخاري (5/215) كتاب العتق، باب: إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه، رقم(2559) بلفظ: ((إذا قاتل))، ومسلم(4/2016) كتاب البر والصلة والآداب، باب: النَّهي عن ضرْب الوَجْه، رقم (112/2612) بنحوه، وأبو داود (2/574) كتاب الحدود، باب: في ضرب الوجه في الحد، رقم (4493)، والنسائي في "الكبرى" (4/325) كتاب الرجم، باب: الأمر باجتناب الوجه في الضرْب، رقم (7350)، وأحمد (2/244، 251).

[20] أخرجه الترمذي (4/297) كتاب البر والصلة، باب: في أدب الخادم (1950)، وابن حجر في "المطالب العالية" (3/257) باب: عظم ذكر الله (3423)، وفي إسناده أبو هارون العبدي، واسمه عمارة بن جوين، قال الذهبي في "الميزان": كذّبه حماد بن سلمة، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: ضعيف لا يصدق في حديثه، وقال الحافظ في "التقريب": متروك، ومنهم من كذبه، شيعي.

انظر: "الميزان" (3/173)، "التقريب"(2/49).

[21] "منهج التربية النبوية"، مرجع سابق، ص(201).

[22] "قبسات من التأديب التربوي"، مرجع سابق ص(105).

[23] أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(124)، وأبو داود (2/760)، كتاب الأدب باب في حق الجوار(5153)، وصححه الشيخ الألباني كما في "الأدب المفرد" ص(71).

[24] "أصول التربية الإسلامية وأساليبها"، مرجع سابق ص(145).

التعليقات (0)