قبسات من التربية النبوية

قبسات من التربية النبوية

1- أخرج البخاريُّ في كتاب العِلْم، عن ابن عبَّاس - رضِي الله عنْهما - قال: ضمَّني رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وقال: ((اللَّهُمَّ علِّمْه الكتاب)).

فهذا أسلوب نبويٌّ في التَّربية والدَّعوة والتَّعليم، ما أروعَه! إنَّه أسلوب التودُّد، والملاطفة، والدُّعاء، إنَّه تواضع وتربية على التَّواضع، ودعوة إليْه بالقدوة الحسنة، إنَّه تعليم منه بسلوكِه إلى الأسلوب الأمثل في تأليف القلوب، فبهذا المعنى ينبغي أن يهتمَّ المربِّي والداعية.

2- أخرج البخاري في كتاب العلم أيضًا، عن ابن مسعود - رضِي الله عنه - قال: "كان النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يتخوَّلُنا بالموعِظة في الأيَّام؛ كراهة السآمة عليْنا".

هذا أسلوب نبويٌّ آخَر في الدَّعوة والتربية، وسط بين الإفْراط والتَّفريط؛ ذلك أنَّه يُراعي الظُّروف النفسيَّة للسَّامعين، فيتحدَّث حين يكون للحديث قابليَّة أفضل، واستعداد أحسن؛ لتلقِّي كلِمات المتكلم وفَهْمِها واستيعابها، كما أنَّه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يراعي سنَّة التدرُّج الطَّبيعي في التَّربية، ويطلب الإقْناع الرَّاسخ الثَّابت، ولو جاء بطيئًا.

3- أخرج البخاري في كتاب العلم أيضًا، عن عبدالله بن عبَّاس - رضِي الله عنْهما -: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - "بعثَ بكتابِه رجُلاً، وأمره أن يدْفَعه إلى عظيم البحْرَين، فدفعه عظيمُ البحرَيْن إلى كِسْرى..."؛ الحديث.

فنجِد هنا من الأساليب النبويَّة في التَّربية والتَّعليم: استِخْدامَ الرَّسائل، وجَميع الوسائل المتاحة المشْروعة، فإذا تهيَّأت أسباب أُخْرى للدَّعوة، فينبغي أن يأْخُذَ بها الدَّاعية، سواء أَكانتْ إذاعة مسْموعة، أم مرئيَّة، أم شريطًا مسجَّلاً، أم كتابًا، أم صحيفة، أم مُكالمة هاتفيَّة، أم غير ذلك.

4- أخْرج البُخاريُّ عن أنس بن مالِك - رضِي الله عنْه - قال: "كتبَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّمكتابًا - أو أراد أن يكتب - فقيل له: إنَّهم لا يقرؤون كتابًا إلاَّ مختومًا، فاتَّخذ خاتمًا من فضَّة نقشُه: محمَّد رسول الله".

يُستفاد من الحديث: أسلوبٌ نبويٌّ في الدَّعوة والتَّربية، ألا وهو التعرُّف على حال المدْعُوِّين والمربِّين؛ لمراعاة أسباب استجابتِهم.

5- أخْرج البخاري عن معاوية - رضِي الله عنْه - قال: سمعتُ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((مَن يُرِد الله به خيرًا يفقِّهه في الدِّين...))؛ الحديث.

ففي الحديث تربيةٌ على الفِقْه في الدِّين، ودعْوة إليْه، فما أحْرى المسلمَ أن يقِف عند معنى هذه التَّربية، وهذه الدَّعوة! والدَّاعيةُ إلى الإسلام هو أوْلى المسلمين بالفِقْه في الدين؛ حتَّى يدْعو إليْه على بصيرة.

6- عن عُمَر بن أبي سلمة - رضِي الله عنْهُما - قال: قال لي رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((يا غُلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينِك، وكُلْ ممَّا يَليك))؛[1] متَّفق عليه.

تربية الصِّغار على الآداب الفاضلة، والأخْلاق الحسنة - ومنْها أدب الطَّعام - مع اللطف واللين في ذلك؛ حتَّى يصبحوا أفرادًا صالحين في المجْتمع والأمَّة.

7- عن أبِي هُرَيْرة - رضِي الله عنْه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((أتَدْرون ما الغِيبة؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذِكْرك أخاك بِما يكره))[2]؛ الحديث.

استِخْدام أسلوب الحِوار في التَّربية؛ لغرض إثارة عواطف المربِّي وانفعالاتِه في سبيل تَحقيق سلوكٍ طيب، أو الابتِعاد عن سلوك شرير.

8- عن عبدالله بن عُمر - رضِي الله عنْهُما - قال: سَمعت رسولَ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يقول: ((انطلقَ ثلاثةُ نفر ممَّن كان قبلكم، حتَّى أواهم المبيت إلى غارٍ فدخلوه..))[3]؛ الحديث.

استِخْدام أسلوب القصص في التَّربية؛ لتنبيه ذهْن المربي أو تَحريك عواطفه نَحو أمر من الأمور المهمَّة، أو غير ذلك، وفي هذه القصَّة بيان أهميَّة إخلاص العمل الصَّالح لله، والتوسُّل به إلى الله لتفريج الكُرُبات.

9- عن أبي هُرَيْرة - رضِي الله عنْه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((ما اجتمع قومٌ في بيْتٍ من بُيوت الله يتْلون كِتاب الله، ويتدارسونَه بيْنَهم، إلاَّ نزلت عليْهِم السَّكينة ...))[4]، الحديث.

في الحديثِ إشارةٌ إلى الوظيفة التَّربويَّة للمسجِد، حيثُ يربَّى المسلمون فيه على الفضيلة، وحبِّ العلم، ومعرفة ما لَهم وما عليْهِم ... إلخ.

10- قال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((صلُّوا كما رأيْتُموني أصلِّي))[5]، وقال: ((خذوا عني مناسِكَكم))[6].

لأنَّ حبَّ التَّقليد غريزةٌ تَكْمُن في نفوس البشَر جميعًا؛ فعلى المربِّي القُدْوة استغلال هذه النَّاحية في النَّاس، فيربيهم بأفعاله، ويلْفِت نظرهم إلى الاقتداء به.

11- عن ابن عمر - رضِي الله عنهما - عنِ النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((لا تتركوا النَّار في بيوتِكم حين تنامون))[7]؛ متَّفق عليه.

تربية النَّاس - وبخاصَّة الصِّغار - على اتِّباع إرشادات الأمْن والسَّلامة، ومن ذلك تعْويدهم على إطْفاء النَّار عند النَّوم في بيوتِهم.

12- عن عبدالله بن عُمَر: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سابَقَ بين الخيل التي أُضْمِرت من الحفياء وأمدُها ثنية الوداع، وسابقَ بين الخيل التي لم تُضْمر من الثَّنية إلى مسجد بني زريق"[8].

اهتِمام التَّربية الإسلاميَّة بتنمية الجِسْم، وتربية الجوارح، بواسطة الرِّياضات المباحة؛ كالسِّباق والسِّباحة وركوب الخيل، وتوجَّه هذه الطَّاقات الجسميَّة نحو خير الإنسان والمجتمَع، وتُحَذَّر من البطْش والاعتِداء.

13- عن جابر - رضِي الله عنْه -: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - مرَّ بالسُّوق والنَّاس كَنَفَتيْه، فمرَّ بِجدْي أسكَّ ميِّت فتناوله، فأخذ بأُذُنه، ثم قال: ((أيُّكم يحبُّ أن يكون هذا له بدِرْهم؟))، فقالوا: ما نُحبُّ أنَّه لنا بشيء، وما نصنع به؟! ثم قال: ((أتُحبُّون أنَّه لكم؟)) قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا أنَّه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟! فقال: ((فوالله، لَلدُّنيا أهون على الله من هذا عليْكُم))[9].

يظْهر في هذا الحديث عدَّة أساليب نبويَّة تربويَّة، هي:

أسلوب الحوار الخطابي التنبيهي.

استخدام ذوات الأشْياء لتكون هي الوسائل الحسِّيَّة المعِينة على الفهم والوضوح.

ضَرْب المثل، حيث مثَّل لهم الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم - هوانَ الدُّنيا على الله بِهوان هذا الجدْي عندهم.

14- عن عبدالله بن زيد بن عاصم قال: لمَّا أفاء الله على رسولِه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يوم حُنَيْن، قسم في النَّاس في المؤلَّفة قلوبُهم، ولَم يُعْطِ الأنصار شيئًا، فكأنَّهم وجدوا؛ إذْ لَم يُصِبْهم ما أصاب النَّاس، فخطبهم فقال: ((... أتَرْضَون أن يذهب النَّاس بالشَّاة والبعير، وتذهبون بالنَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - إلى رحالكم؟ لولا الهِجْرةُ، لكنتُ امرأً من الأنصار، الأنصار شِعار والنَّاس دثار))[10]؛ الحديث.

مراعاة المربِّي للحالة النفسيَّة لدى طلاَّبه وأتباعه، وتطْيِيبه لخواطرِهم إذا وجدوا عليْه بالكلمة الطَّيبة، والثَّناء الحسن بما هم أهلُه.

15- قال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((إذا مات ابنُ آدمَ، انقطع عملُه إلاَّ من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له))[11].

في الحديث دلالة واضحة على أهمِّيَّة تربية الأب لأبنائِه وبناتِه، وأنَّه لا تقرُّ عينُه بِهِم في الدُّنيا فقط؛ بل إنَّ خيرَهم يصِل إليْه حتَّى بعد موته؛ وذلك بدعائِهم له؛ ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ [الفرقان: 74].

16- عن النعمان بن بشير - رضِي الله عنْهُما -: أنَّ أباه أتى به رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقال: إني نَحلتُ ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((أفعلتَ هذا بولدِك كلِّهم؟)) قال: لا، قال: ((اتَّقوا الله واعْدِلوا في أولادِكم))، فرجع أبي، فردَّ تلك الصدقة؛ متَّفق عليه.

ينبغي للمربِّي - وبخاصَّة الأب - أن يلتزم العدْل في تعامُلِه مع مَن يربِّيهم، فلا يقرِّب بعضَهم دون بعض، أو يعطي قسمًا دون قسم، وإن دعت الحاجة إلى شيءٍ من ذلك - كما جاء في قصَّة الأنصار - فمن الحكمة أن يطيِّب خاطر البقيَّة بالكلِمة الحسنة والثَّناء الجميل، ونَحو ذلك.

17- عن أبِي هُرَيْرة - رضِي الله عنْه -: أنَّ الأقرعَ بن حابسٍ أبْصر النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يُقَبِّل الحسن فقال: إنَّ لي عشرةً من الولد، ما قبَّلتُ واحدًا منهم، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((إنَّه مَن لا يرحَم لا يُرحم))؛ متَّفق عليه.

ينبغي للأبِ المربِّي أن يفيض لطفًا وحنانًا على أولادِه؛ حتَّى يَأْنسوا به ويسمعوا له، ويحذَر من القسْوة الشَّديدة عليْهِم؛ لأنَّها تسبِّب النَّظرة والوحْشة، وإن كانت القسْوة المعتدِلة قد تكون مطلوبةً - بل لازمةً - في بعض الأحيان؛ كما قال الشَّاعر:

فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِمًا        فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا  عَلَى  مَنْ  يَرْحَمُ

18- عن أبي أُمامة: أنَّ غلامًا شابًّا أتى النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقال: يا نبيَّ الله، أتأذَنُ لي في الزِّنا؟ فصاح النَّاس به، فقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((قرِّبوه، ادْن))، فدنا حتَّى جلس بين يديْه، فقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((أتُحبُّه لأمِّك؟)) قال: لا، قال: ((كذلِك النَّاس لا يحبُّونه لأمَّهاتِهم، أتحبُّه لابنتِك؟)) قال: لا، قال: ((كذلِك النَّاس لا يحبُّونه لبناتِهم، أتُحبُّه لأختك؟)) قال: لا، قال: ((كذلِك النَّاس لا يحبُّونه لأخواتِهم)) ثُمَّ ذكر له العمَّة والخالة، وهو يقول في كلِّ واحدة: لا، جعلني الله فِداك، فوضع رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يدَه على صدْرِه، وقال: ((اللَّهُمَّ طهِّر قلْبَه، واغْفِر ذنبَه، وحصِّن فرْجَه))، فقام من بين يدَيْ رسولِ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وليس شيء أبْغض إليْه من الزِّنا؛ رواه أحمد.

المتأمِّل في هذا الحديث يَخرج بعدَّة فوائدَ تربويَّةٍ، منها:

إدْخال الأمن والطُّمأنينة في نفس المربَّى إذا حدث ما يخيفه؛ حتَّى يصير مهيَّأً للاستِجابة؛ وذلك من قولِه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - له: ((ادن)) بعد أن صاح به النَّاس.

استِخدام أسلوب الحوار العقْلي؛ لإقناع المخاطَب بأمرٍ ما.

تلطُّف المربِّي ودعاؤه لمن يربِّيهم.

نفعنا الله بما علِمْنا، وعلَّمنا ما ينفعُنا، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحابته، والتَّابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين ، وآخِرُ دعْوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.


[1] البخاري (9/ 458)، مسلم (2022).

[2] مسلم (2589).

[3] البخاري (4/ 340)، مسلم (2743).

[4] مسلم (2699).

[5] البخاري: (ك10 / ب 18).

[6] أحمد: (3/ 337، 338)، مسلم: (ك 15/ حديث 310).

[7] البخاري: (11/ 71)، مسلم (2015).

[8] فتح الباري.

[9] مسلم (2957).

[10] البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف.

[11] مسلم (2589).

التعليقات (0)