رمضان على ألسنة الشعراء (2)

رمضان على ألسنة الشعراء

(الجزء الثاني)

ويستبشر الشاعر "أكرم جميل قنبس" - كما تذكر مجلة المنهل، العدد 546، ص 76 - بقُدُوم رمضان، ويراها فُرْصة للاستزادة منَ الخير:

لَكَ  البُشْرَى  فَأَنْتَ   لَنَا   الهَنَاءُ        وَأَنْتُ الخِصْبُ يَخْصِبُ  وَالنَّمَاءُ

أَيَا  رَمَضَانُ  يَا   شَهْرَ   العَطَايَا        وَنَبْعًا   كَمْ   يَطِيبُ   بِهِ   ارْتِوَاءُ

قَدِمْتَ فَبُورِكَتْ خُطُوَاتُ ضَيْفٍ        عَزِيزٍ    جَاءَ    يَحْدُوهُ    البَهَاءُ

يُوَزِّعُ     فِي     حَنَايَانَا     مُنَاهُ        فَيُثْمِرُ    مِنْ    عَطَايَاهُ    الرَّجَاءُ

وَيُشْرِقُ فِي  الوُجُوهِ  نَذِيرُ  خَيْرٍ        عَلَى    الدُّنْيَا    وَيَبْتَسِمُ    الهَنَاءُ

وما أجملَ تصويرَ الشاعر "أحمد عبدالهادي" - كما تتحدَّث مجلة المنهل، العدد ،562 ص56 - حينما يستقبل رمضان مستبشرًا:

رَمَضَانُ وَافَى الخَلْقَ بالخَيْرَاتِ        فَاسْتَبْشِرُوا بِاليُمْنِ  وَالبَرَكَاتِ

وَاسْتَقْْبِلُوا شَهْرَ الهُدَى بِحَفَاوَةٍ        وَخُذُوهُ بِالأَحْضَانِ  وَالقُبُلاتِ

فَاللَّهُ  جَلَّ  جَلالُهُ  قَدْ  خَصَّهُ        بالنُّورِ    وَالإِيمَانِ     وَالآيَاتِ

سُبْحَانَهُ فَهْوَ الَّذِي  قَدْ  خَصَّهُ        دُونَ الشُّهُورِ بِعَاطِرِ النَّفَحَاتِ

أما الشاعر "محمد حسن فقي"، فينتابه شعورٌ باليأس؛ لِما اقترفه من آثام في الأيام الماضية التي عاشها ملبِّيًا لنداء الغرائز والرغبات، ويتساءل: هل يمكن شفاؤُه مما أنهك قواه الجسميةَ والنفسية؟ ويتفاءَل الشاعرُ بقدوم شهر رمضان، حيث يحلُّ النعيم، وتغشاه الرحمات؛ ففي قصيدته: "رمضان" - والتي نشرت في مجلة المنهل، العدد 537، ص50 - يقول الشاعر:

رَمَضَانُ مَا أَدْرِي وَنُورُكَ غَامِرٌ        قَلْبِي فَصُبْحِي مُشْرِقٌ وَمَسَائِي

أَأَنَالُ  بَعْدَ   مَثَالِبِي   وَمَسَاوِئِي        بِكَ مِنْهُمَا بَعْدَ القُنُوطِ شِفَائِي؟

وَبِأَنَّنِي  سَأْنَالُ  مِنْكَ  حِمَايَتِي        وَوِقَايَتِي  مِنْ  مُعْضِلِ   الأَرْزَاءِ

مَا  أَنْتَ  إِلاَّ   رَحْمَةٌ   ومَحَبَّةٌ        لِلنَّاسِ  مِنْ  ظُلْمٍ  قَسَا  وَعَدَاءِ

ومن حِكَم شهر رمضان - كما قال تعالى -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، وَإِذا تحقَّقَتِ التقوى ارتقى الإنسانُ وسَمَا، وصلَحتْ حياتُه، والشاعر أكرم قنبس يشير إلى دور شهر رمضان في تنقية النفوس من الأدران، وما ترسف فيه من أغلالِ الهوى والضلال، فتكتسي حُلَّةً من التقوى التي هي الضياء، تنير طريقها وتقودها إلى الصراط المستقيم، فيقول في مجلة المنهل، العدد 546:

وَتَغْتَسِلُ النُّفُوسُ بِرُوحِ شَهْرٍ        هِيَ التَّقْوَى الَّتِي مِنْهَا الوِقَاءُ

وتذْكُر كتب التاريخ أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جَمَع المصلِّين لأوَّل مرة في صلاة التراويح خلف إمام واحد، في السنة الثانية من خلافته الراشدة، فقال أحد الشعراء:

جَاءَ الصِّيَامُ  فَجَاءَ  الخَيْرُ  أَجْمَعُهُ        تَرْتِيلُ   ذِكْرٍ   وَتَحْمِيدٌ   وَتَسْبِيحُ

فَالنَّفْسُ تَدْأَبُ فِي قَوْلٍ وَفِي عَمَلٍ        صَوْمُ   النَّهَارِ   وَبِالليْلِ   التَّرَاوِيحُ

ومن لطائف الشعر:

أنَّ الشاعر عمر بهاء الدين الأميري في ديوانه: "قلب ورب" نُصِحَ ألا يصوم لكبر سنه، فردَّ عليهم صادقًا، وقال:

قَالُوا     سَيُتْعِبُكَ     الصِّيا        مُ وَأَنْتَ فِي السَّبْعِينَ مُضْنَى

فَأَجَبْتُ   بَلْ   سَيَشُدُّ   مِنْ        عَزْمِي ويَحْبُو  القَلْبَ  أَمْنَا

ذِكْرًا     وَصَبْرًا      وَامْتِثَا        لاً   لِلَّذِي   أَغْنَى    وَأَقْنَى

وَيَمُدُّنِي    رُوحًا    وَجِسْ        مًا  بِالقُوَى   مَعْنًى   وَمَبْنَى

"رَمَضَانُ"    عَافِيَةٌ    فَصُمْ        هُ   تُقًى    لِتَحْيَا    مُطْمَئِنَّا

♦ والمعروف للجميع أنَّ شهر رمضان يدور على فصول السَّنة كلّها مرَّة كلَّ 33 عامًا، فيأْتي في الصَّيف والشِّتاء والخريف والرَّبيع، وبالطَّبع يكون أشدَّ ما يكون في الصَّيف، حين ترتفِع درجة الحرارة، ويَزيد شعور الصَّائمين بالظَّمأ كما يصف ذلك ابنُ الرّومي مبالغًا أشدَّ المبالغة:

شَهْرُ    الصِّيَامِ    مُبَارَكٌ        مَا لَمْ يَكُنْ فِي شَهْرِ آبْ

خِفْتُ  العَذَابَ   فَصُمْتُهُ        فَوَقَعْتُ فِي نَفْسِ العَذَابْ

ويُكْمِل المعنى نفسَه شاعرٌ آخَر قائلاً:

اليَوْمُ     فِيهِ      كَأَنَّهُ        مِنْ طُولِهِ يَوْمُ الحِسَابْ

وَاللَّيْلُ    فِيهِ     كَأَنَّهُ        لَيْلُ التَّوَاصُلِ  وَالعِتَابْ

وقد وصف أبو نواس طُول امرأة فقال:

نُبِّئْتُ   أَنَّ   فَتَاةً    كُنْتُ    أَخْطُبُهَا        عُرْقُوبُهَا مِثْلُ شَهْرِ الصَّوْمِ فِي الطُّولِ

وَمدح شاعرٌ مُحسنًا، وشبَّهه بليلة القدْر، فقال له:

نِلْتَ  مِنْ  ذَا   الصِّيَامِ   مَا   تَرْتَجِيهِ        وَوَقَاكَ       الإِلَهُ       مَا       تَتَّقِيهِ

أَنْتَ فِي النَّاسِ مِثْلُ شَهْرِكَ فِي الأَشْ        هُرِ   بَلْ   مِثْلُ   لَيْلَةِ    القَدْرِ    فِيهِ

أمَّا وداع رمضان فنجِده في هذه القصيدة، التي يصِف فيها الشَّاعر كيف سيَكون مآل النَّاس، وهل ستُقْبَل أعمالُهم عند ربِّ العزَّة العظيم؟

أَيُّ   شَهْرٍ   قَدْ    تَوَلَّى        يَا    عِبَادَ    اللَّهِ     عَنَّا

حُقَّ   أَنْ   نَبْكِي   عَلَيْهِ        بِدِمَاءٍ      لَوْ       عَقَلْنَا

كَيْفَ  لا  نَبْكِي   لِشَهْرٍ        مَرَّ      بِالغَفْلَةِ       عَنَّا

ثُمَّ     لا     نَعْلَمُ     أَنَّا        قَدْ   قُبِلْنَا    أَمْ    حُرِمْنَا

لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هُوَ المَحْ        رُومُ    وَالمَطْرُودُ     مِنَّا

ولمحمد بن الرّومي قصيدة يقول فيها:

وَلَمَّا  انْقَضَى  شَهْرُ   الصِّيَامِ   بِفَضْلِهِ        تَحَلَّى هِلالُ العِيدِ مِنْ  جَانِبِ  الغَرْبِ

كَحَاجِبِ شَيْخٍ شَابَ مِنْ طُولِ عُمْرِهِ        يُشِيرُ  لَنَا   بِالرَّمْزِ   لِلأَكْلِ   وَالشُّرْبِ

ويُهنِّئ الشَّاعر العبَّاسي البحتريُّ الخليفةَ المتوكِّل بن المعتصِم بنِ هارون الرَّشيد؛ لصيام شهْر رمضان ولِحلول عيد الفِطر:

بِالبِرِّ صُمْتَ وَأَنْتَ أَفْضَلُ صَائِمٍ        وَبِسُنَّةِ   اللَّهِ    الرَّضِيَّةِ    تُفْطِرُ

فَانْعَمْ  بِعِيدِ  الفِطْرِ   عِيدًا   إِنَّهُ        يَوْمٌ  أَغَرُّ  مِنَ   الزَّمَانِ   مُشَهَّرُ

كما يصوِّر الشَّاعر محمود حسن إسماعيل مَشْهد الصَّائمين المترقِّبين صوْتَ المؤذِّن، منتظرين في خشوعٍ نداءَه، فيقول:

جَعَلْتَ النَّاسَ فِي وَقْتِ  المَغِيبِ        عَبِيدَ  نِدَائِكَ  العَاتِي   الرَّهِيبِ

كَمَا ارْتَقَبُوا الأَذَانَ كَأَنَّ جُرْحًا        يُعَذِّبُهُمْ      تَلَفَّتُ      لِلطَّبِيبِ

وَأَتْلَعْتَ  الرِّقَابَ  بِهِمْ  فَلاحُوا        كَرُكْبَانٍ   عَلَى   بَلَدٍ    غَرِيبِ

عُتَاةُ الإِنْسِ أَنْتَ نَسَخْتَ مِنْهُمْ        تَذَلُّلَ   أَوْجُهٍ   وَضَنَى   جُنُوبِ

صوم الجوارح:

تصوم الجوارح في شهْر رمضان كلُّها عن كلِّ ما يُسْخِط الله، فتصوم العَين عن النَّظَر المحرَّم، ويصوم اللّسان عن الكذِب والغيبة والنَّميمة، وتصوم الأذُن عن الإصْغاء إلى ما نَهى الله عنه، وفي ذلك يقول أبو بكر عطية الأندلسي:

إِذَا لَمْ  يَكُنْ  فِي  السَّمْعِ  مِنِّي  تَصَامُمٌ        وَفِي مُقْلَتِي غَضٌّ، وَفِي مَنْطِقِي  صَمْتُ

فَحَظِّي إِذًا مِنْ صَوْمِيَ  الجُوعُ  وَالظَّمَا        وَإِنْ قُلْتُ: إِنِّي صُمْتُ يَوْمًا فَمَا صُمْتُ

ويقول الصابي في الَّذي يصوم عن الطَّعام فقط، ويدعو إلى التخلِّي عن العيوب والآثام:

يَا ذَا الَّذِي صَامَ عَنِ الطُّعْمِ        لَيْتَكَ قَدْ صُمْتَ عَنِ الظُّلْمِ

هَلْ يَنْفَعُ الصَّوْمُ امْرَأً ظَالِمًا        أَحْشَاؤُهُ  مَلأَى  مِنَ  الإِثْمِ

ويؤكد أحمد شوقي ذات المعنى فيقول:

يَا مُدِيمَ الصَّوْمِ فِي الشَّهْرِ الكَرِيمِ        صُمْ  عَنِ  الغِيبَةِ   يَوْمًا   وَالنَّمِيمِ

ويقول أيضًا:

وَصَلِّ صَلاةَ مَنْ يَرْجُو  وَيَخْشَى        وَقَبْلَ الصَّوْمِ صُمْ عَنْ كُلِّ فَحْشَا

وهاهو عبدالله بن محمد القحطاني، المؤرّخ الأندلسي يقول ناصحًا ومرشدًا:

حَصِّنْ صِيَامَكَ بِالسُّكُوتِ عَنِ الخَنَا        أَطْبِقْ   عَلَى    عَيْنَيْكَ    بِالأَجْفَانِ

لا تَمْشِ ذَا وَجْهَيْنِ مِنْ بَيْنِ  الوَرَى        شَرُّ    البَرِيَّةِ    مَنْ    لَهُ    وَجْهَانِ

دعوة إلى الاعتدال:

ما أن يَحين موعِد الإفطار في رمضان، حتَّى ينقضَّ بعض الصَّائمين على طعامهم انقِضاض النَّمِر على فريستِه، فيحْشوا معِدَتَهم بألوانٍ عديدةٍ من الطَّعام، وقد يأْكلون في شهْر الصِّيام أضْعاف ما يأْكُلون في غيره، وفي ذلك يقول الشَّاعر معروف الرّصافي وهو يصِف بعضَ الصَّائمين الَّذين يتهافتون على الطَّعام غير مُبالين بالعواقب:

وَأَغْبَى  العَالَمِينَ   فَتًى   أَكُولٌ        لِفِطْنَتِهِ       بِبِطْنَتِهِ        انْهِزَامُ

إِذَا  رَمَضَانُ   جَاءَهُمُ   أَعَدُّوا        مَطَاعِمَ لَيْسَ  يُدْرِكُهَا  انْهِضَامُ

وَلَوْ أَنِّي اسْتَطَعْتُ صِيَامَ دَهْرِي        لَصُمْتُ فَكَانَ  دَيْدَنِيَ  الصِّيَامُ

وَلَكِنْ  لا  أَصُومُ   صِيَامَ   قَوْمٍ        تَكَاثَرَ  فِي   فُطُورِهِمُ   الطَّعَامُ

فَإِنْ وَضَحَ النَّهَارُ طَوَوْا  جِيَاعًا        وَقَدْ هَمُّوا  إِذَا  اخْتَلَطَ  الظَّلامُ

وَقَالُوا  يَا   نَهَارُ   لَئِنْ   تُجِعْنَا        فَإِنَّ   اللَّيْلَ   مِنْكَ   لَنَا   انْتِقَامُ

وَنَامُوا  مُتْخَمِينَ  عَلَى   امْتِلاءٍ        وَقَدْ   يَتَجَشَّؤُونَ   وَهُمْ    نِيَامُ

فَقُلْ   لِلصَّائِمِينَ   أَدَاءَ   فَرْضٍ        أَلا،  مَا  هَكَذَا  فُرِضَ  الصِّيَامُ

ويقول بدر شاكر السياب في ديوانِه بِمناسبة ليلة القدْر، ويستنصِر أمَّتَه ويَحثُّها على الخروج ممَّا بِها من الذُّل والهوان:

يَا   لَيْلَةً   تَفْضُلُ   الأَعْوَامَ   وَالحِقَبَا        هَيَّجْتِ لِلقَلْبِ ذِكْرَى فَاغْتَدَى لَهَبَا

وَكَيْفَ  لا  يَغْتَدِي  نَارًا   تُطِيحُ   بِهِ        قَلْبٌ  يَرَى   هَرَمَ   الإِسْلامِ   مُنْقَلِبَا

يَا  لَيْلَةَ  القَدْرِ   يَا   ظِلاًّ   نَلُوذُ   بِهِ        إِنْ  مَسَّنَا  جَاحِمُ  الرَّمْضَاءِ   مُلْتَهِبَا

ذِكْرَاكِ فِي كُلِّ عَامٍ  صَيْحَةٌ  عَبَرَتْ        مِنْ عَالَمِ الغَيْبِ  تَدْعُو  الفِتْيَةَ  العُرُبَا

يَا  لَيْلَةَ  القَدْرِ  يَا  نُورًا   أَضَاءَ   لَنَا        قَاعَ  السَّمَاءِ  فَأَبْصَرْنَا  مَدًى  عَجَبَا

تَنَزَّلُ    الرُّوحُ     رَفَّافًا     بِأَجْنِحَةٍ        بِيضٍ عَلَى الكَوْنِ أَرْخَاهُنَّ أَوْ سَحَبَا

عَطْفُ   الأُمُومَةِ   فِي   عَيْنَيْهِ   مُتَّقِدٌ        وَإِنْ   يَكُنْ   لِلتُّقَاةِ   المُحْسِنِينَ   أَبَا

وَلِلمَلائِكِ      تَسْبِيحٌ       وَزَغْرَدَةٌ        تَكَادُ   رَنَّاتُهَا   أَنْ   تُذْهِلَ   الشُّهُبَا

خِتامًا:

نسأل الله أن يُعيننا على صيام رمضان وقيامه، وأن يتقبَّل منا صالِح أعمالنا، وأن يرزُقَنا الصِّدْق والصَّبر على طاعته، وأن يُحبِّب إليْنا الإيمان ويزيِّنه في قلوبِنا، ويُكرِّه إلينا الكُفر والفسوق والعصيان، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله وسلَّم على صفيِّه من خلقه، وخليلِه من عباده، وعلى آلِه وصحْبه وسلَّم.

(الجزء الأول)

 

التعليقات (0)