من التربية إلى التطرية

من التربية إلى التطرية

اتصل بي صديق عزيز ربطتني به علاقة حميمة، كان أساسها عملٌ تعاوني، وتحت مظلة ذلك العمل كنا نلتقي ونحلم ونخطط بكل صدق لتقديم ما يمكننا تقديمه لبني جلدتنا.

تلاحقت اجتماعاتنا، وتلاقحت أفكارنا، وتعددت مناشطنا، وفي الوقت نفسه كثر المثبطون والمرجفون من حولنا.

لقد أعطي العمل أكثر من حجمه؛ فتنازعته مختلف القوى حتى سقط بضربة سياسية قاضية ليدفن في أدراج البيروقراطية المقيتة.

نفضنا أيدينا من ذلك العمل واعترانا اليأس من فكرة الإصلاح، وعدنا أدراجنا والتفتنا إلى شؤوننا الخاصة ووظائفنا.

لقد كان صديقي مربيًا فاضلاً، يشغل منصب وكيل القسم المتوسط في إحدى المدارس الأهلية.

فرقتنا دروب الحياة وبتنا نتواصل هاتفيًّا بين الفينة والأخرى، وأحيانًا كانت تجمعنا لقاءات عابرة نجتر خلالها الذكريات الجميلة.

لقد مضى أكثر من عام منذ آخر اتصال بيننا، وها هو اليوم يهاتفني، كان صوته مليءٌ بالنشوة، وإذا به يبشرني بتأسيسه لمشروعه الخاص، ويدعوني لزيارته في مقر عمله الجديد.

لم أُشغل نفسي بماهية العمل الجديد الذي انتقل إليه صاحبي حتى وصلت إلى مكتبه في إحدى المجمعات التجارية.

وصلت مبكراً قبل حضور صاحبي، فاستقبلني أحد العاملين واستضافني في مكتبه، كان المقر عبارة عن مكتب لتسويق العطور والكريمات وأدوات التجميل!!

يا لها من مفاجأة ألجمتني وأثارت عندي الكثير والكثير من التساؤلات!!

لقد كان صاحبي من المهتمين بالتربية والعاملين فيها والمحبين لها، والساعين لتنشئة جيلٍ يكون في مستوى طموحه وطموح هذه الأمة، فما الذي دفعه للانتقال عنها إلى التطرية؟ ما الذي جعله يهجر بناء العقل والجوهر إلى تطرية الجسم والمظهر؟ أين ما كنا نأمله من تعليم وتربية وتثقيف وإصلاح؟

أين.. أين.. إلى غير ذلك من الأسئلة التي كانت تتزاحم في ذهني. ولم ينقذني منها إلا دخول صاحبي الذي رحّب بي بحرارة واصطحبني إلى مكتبه بعد أن استأذنت الموظف الذي استقبلني وشكرته.

وما إن جلستُ حتى هجمتُ عليه بأسئلتي اللاهثة وراء جواب لا أعرفه..؟

قابل صاحبي أسئلتي وحماستي الشديدة بضحكة مجلجلة، خاصةً عندما وقعت في أذنه عبارة (حدثني: كيف انتقلت من التربية إلى التطرية)؟

تنهد صاحبي بعمق، وأخذ يسرد على مسمعي رحلته الطويلة والأسباب المؤلمة التي دفعته لترك المجال التربوي، وهي لا تعدو أن تكون شكوى عامة يعانيها كل من يعمل في مجال التربية والتعليم – إلا من سلَّم الله -، ذلك أن المربي لا سعر له ولا قيمة، ودليل ذلك أنك إذا قمت بجولة بين الموظفين العاملين ممن حصلوا على مؤهلات أكاديمية لوجدت التربويين منهم في ذيل السلم من حيث التقدير المادي والمعنوي.

أنا لا أعتب على صاحبي أن فكَّر في تأسيس مشروعه الخاص، بل إني أشد على يده في ذلك، فالوظيفة حلٌّ مؤقت لمشكلة دائمة، ومهما بلغ الإنسان في السلم الوظيفي يبقى محدودا، والأولى بالإنسان أن يسعى لامتلاك السلم الوظيفي بدلاً من السعي للترقي فيه، إلا أن عتبي يكمن في نوعية المشروع الذي أوقف عليه صاحبي ما بقي من عمره، هل يمكنني القول بأن هذا المشروع يترجم شخصية صاحبي كما قال لي في بداية حديثي معه: (مشروعك يترجم شخصيتك)، لماذا لم يتوجه إلى مشروع يحقق طموحاته ويلبي رغبات أمته؟

لم أسأله هذا السؤال خوفا من أن يكون جوابه أن المشاريع التربوية السديدة الرشيدة - كما يشاع - تعاني من الكساد والبوار.

ودعت صاحبي؛ ولا تزال الأسئلة تتناطح في رأسي، وعبثا حاولت كبحها دون جدوى، فتناولت قلمي؛ لأنفثها بين يدي إخواني علِّي أجد فيهم من وقف على تجربة كتجربة صاحبنا؛ فيثري موضوعنا برأيه وتجاربه.

 

ودمتم بخير تطرية.

التعليقات (0)