مصر و إرتريا التوازن الاستراتيجي بين النهر والبحر (1)

مصر و إرتريا

التوازن الاستراتيجي بين النهر والبحر

(الجزء الأول)

 

إعداد: د. حاتم الصديق محمد أحمد

استاذ مشارك، قسم التاريخ، كلية التربية

جامعة الزعيم الازهري

مستخلص:

مثل استقلال ارتريا فى اواخر القرن الماضى نقطه  تحول مهمه فى حركة النضال الافريقى بغرض قيام دولة لها مكوناتها السياسية و الامنية والاقتصادية والاجتماعية ، وقد لعبت العديد من الدول الاقليمية و الدولية ادوار متعدده حتى نالت ارتريا استقلالها.

تتناولت هذه الورقة الدور المصري فى استقلال ارتريا وموازنتها الاستراتيجية بين امنها فى البحر الاحمر ومصالحها فى نهر النيل ، حيث يمثل البحر والنهر هاجس مصر الاستراتيجي والتاريخي. وتنبع أهمية الورقة من انها تحاول أن تسلط الضوء على دور مصر الواضح والخفى  فى استقلال ارتريا .

Abstract 

    The independence of Eretria by the end of the 20th century represented a significant turning point in the struggle of the African movement; Eretria at that time was trying to establish a country that possess  a political , social ,economical and security qualifications. Many of the regional and the international countries have played several roles that assisted Eretria to gain its independence.

This paper investigated the Egyptian role in achieving the independence of Eretria where Egypt was attempting to serve a strategic balance between guarding its security in the Red Sea and in reserving its security in the River Nile. The dichotomy of the River and the Sea represent a strategic and historical threat to Egypt. The significance of this paper emerged from its attempts to shed fresh light on the implicit and explicit roles played by Egypt in Eretria independence.

اهدف الورقة:

تهدف الورقة الى:

- تسليط الضوء على الوجود المصرى فى ارتريا.

- تتبع العلاقات الارترية المصرية حتى الاستقلال.

- الدعم المصري للمقاومة الارترية .

- اسباب وقف الدعم المصري للمقاومة الارترية.

- توتر العلاقات المصرية الاثيوبية واثرها على القضية الارترية.

- المخاوف المصرية من الاطماع الاسرائلية فى مياه النيل.

- مصر وأمن البحر الاحمر.

المنهجية:

اتبع الباحث المنهج التاريخى الوصفى التحليلى، بغية الوصول الى نتائج كما اعتمد على الدراسات والبحوث السابقة فى هذا المجال.

مقدمة:

تقع إرتريا في الجزء الشرقي من قارة أفريقيا، ويحدها من الشمال والغرب جمهورية السودان، ومن جهة الجنوب إثيوبيا، ومن جهة الجنوب الشرقي جيبوتي، ومن الشرق البحر الأحمر، حيث يبلغ طول الساحل الإرتري 1000كلم. وقد أشار المؤرخ الإغريقي أغاثا رخديس إلى أن كلمة (إرثريان) أي إرتريا كانت في يوم من الأيام اسماً للبحر الأحمر، والتي تعني في اللغة الفارسية (بحر الملك الأحمر)، كما يرى بعض الباحثين بأن إرتريا هي اسم قديم للبحر الأحمر. (1)

مصر ودول حوض النيل الشرقي:

لمصر علاقات تاريخية قديمة مع دول حوض النيل الشرقي، فلديها علاقات قديمة مع الكنيسة الإثيوبية من خلال الكنيسة المصرية، وتوجد العديد من الكنائس في إثيوبيا وارتريا على الطراز المصري القديم، وتمارس الكنيسة المصرية دوراً روحياً كبيراً في توجيه الكنيسة الإثيوبية، وقد وضح دور الكنيسة المصرية عندما انحسر النيل في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، الذي أدى إلى ما يعرف بالشدة العظمى، ظن المصريون أن الأحباش يعملون على تحويل مجرى النيل، الأمر الذي أدى إلى طلب حاكم مصر في ذلك الوقت المستنصر بالله الفاطمي من بطريك الاسكندرية التوسط لدى البلاط المسيحي الإثيوبي بغرض إعادة النيل إلى مجراه، وقد ارتبطت المياه بين مصر وإثيوبيا في أغلب مراحل التاريخ بالدين والعقيدة. (2)

وبعد استقلال إرتريا، وانفصال الكنيسة الإرترية من الكنيسة الاثيوبية، اعترفت الكنيسة المصرية بالكنيسة الإرترية، من خلال تعميد البابا شنوده في مصر للأب فيلفوس كبير أساقفة الكنيسة الإرترية، الأمر الذي أغضب الكنيسة الاثيوبية، وجعلها تهاجم الكنيسة القبطية في مصر. (3)

كما أن لمصر وشائج وصلات تاريخية قديمة أيضا مع إرتريا، منذ أيام الممالك المصرية القديمة، وجاء الإسلام ليعمق هذه العلاقة حيث كادت إرتريا أن تصبح بلداً إسلاميًا، كما هاجرت إليها بعض القبائل العربية، فكان الإسلام عاملاً في تعزيز العلاقات مع إرتريا، وفي القرن الـ 19 اصبحت إرتريا جزءاً من إمبراطورية الخديوإسماعيل الأفريقية، وبالاستيلاء عليها حققت مصر هدفها الاستراتيجي في البحر الأحمر، كما حاولت أن تنطلق منها للاستيلاء على اثيوبيا إلا أن المقاومة الإثيوبية حالت دون ذلك. وفي ذات القرن استولت إيطاليا على إرتريا، وأصبحت بذلك مستعمرة إيطالية رغم احتجاج مصر، وكما فشلت مصر في احتلال اثيوبيا، فشلت أيضا ايطاليا في احتلال اثيوبيا بعد هزيمتها في معركة عدوه مارس 1896مانتهت  الحرب العالمية الثانية عام 1945م ، وهزيمة إيطاليا تم ضم إرتريا إلى إثيوبيا بدعم غربي، شكل ذلك تهديداً لمصالح مصر في المنطقة، وحاولت مصر موازنة مصالحها حتى قيام الثورة المصرية.

مصر واريتريا:

بدأ اهتمام مصر بإرتريا منذ وقت مبكر حيث ترى مصرأن إريتريا جزءًاً من ممتلكاتها، ولتأكيد ذلك الأمر قامت مصر بتقديم مذكرة لاجتماع وزراء الدول الخمس في لندن عام 1945م، تذكر فيها أحقيتها في إرتريا وتطالب بإلحاقها بالسودان، الذي كان تحت السيطرة المصرية البريطانية في ذلك الوقت. وعادت مصر مرة أخرى لتعلن حقوقها في مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس عام 1946، حيث طالب مندوبها بإعادة ميناء مصوع إلى مصر، الأمر الذي أدى إلى اعتراض إثيوبيا، وفي العام 1947م طالبت مصر بإرتريا كلها. (4)

يتضح تمسك مصر بحقها التاريخي في إرتريا والموانئ البحرية المطلة على البحر الأحمر، الأمر الذي يوضح أهمية هذه المناطق بالنسبة لمصر. قامت مصر باحتضان الثورة الإرترية، كما قامت كذلك باستيعاب الطلاب الإرتريين الذين قاموا بتأسيس اتحاد طلاب إرتريا في القاهرة عام 1955م، الذي مثل مركز النشاط الثقافي والاجتماعي والوطني، بعد قيام ثورة يوليو في مصر زاد الاهتمام المصري بالقضية الإرترية من خلال الدعم المباشر، وقام الرئيس المصري أنور السادات، بتكليف من قبل قيادة مجلس الثورة، بإلقاء خطاب بدار اتحاد طلاب إرتريا، حيث أكد من خلاله وقوف مصر الثورة مع الشعب الإرتري، ومع حقه في تقرير مصيره، ولزيادة الدعم التقى السادات بعدد من القيادات الإرترية مثل إبراهيم سلطان وولد آب ماريام ومحمد عمر القاضي، كما كانت القاهرة المقر لجبهة التحرير الإرترية أول الحركات التي قامت ضد الاحتلال الاثيوبي، التي تأسست في عام 1960م.

كما قامت الحكومة المصرية بتقديم الدعم المعنوي للثورة الإرترية من خلال السماح لجبهة التحرير الإرترية بتوجيه بث إذاعي، وذلك عبر الاذاعة المصرية للشعب الإرتيري باللغتين العربية والتقرية، كما شمل الدعم المصري التدريب العسكري من خلال إنشاء معسكرات للتدريب في الإسكندرية، وذلك بعد إعلان الكفاح الى جانب قيام  مصر بالإشراف على تدريب أعضاء جبهة التحرير الإرترية في الاتحاد السوفيتي السابق، كما أمر الرئيس جمال عبد الناصر بالسماح للسفن المحملة بالأسلحة للثورة الإرترية بالمرور عبر قناة السويس.(5)

ولقد كان هذا الموقف نابعاً من التزام ثورة يوليو المصرية في تلك الفترة بالاعتراف بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وتحقيقاً لمبادئها الرامية إلى مساندة جميع قوى التحرر في القارة الأفريقية، إلا أن هذه الالتزامات ما لبثت أن تعارضت مع اعتبارات أيدولوجية أخرى كانت الحكومة المصرية قد تبنتها، وهي تحقيق الوحدة الأفريقية، والمصالح الإستراتيجية لمصر في منابع النيل، ورغبتها في تحقيق علاقات جيدة مع إثيوبيا. ولهذه الاعتبارات مجتمعة قامت مصر بتقليص دعمها للثورة الإرترية، حيث قامت بإغلاق إذاعة ركن إرتريا في الاذاعة المصرية، مع الابقاء على مكاتب الجبهة الإرترية مفتوحة في مصر، وذلك بهدف مقاومة الوجود الاسرائيلي في إثيوبيا، الذي يمثل واحداً من أهم مصادر التهديد لمصر والدول العربية في البحر الأحمر.

تقلص الدعم المصري للمقاومة الإرترية حتى فترة السبعينات فترة الرئيس المصري أنور السادات، حيث تطور الدعم المصري تجاه الثورة الإرترية، وذلك من خلال إعلان الرئيس أنور السادات في مايو 1976م، عن تأييده لحق إرتريا في الحكم الذاتي، ومن الاسباب التي جعلت النظام المصري يتبنى هذا الموقف، عدداً من العوامل أهمها:

ـــ تغير نظام الحكم في اثيوبيا، وتبني الحكومة الجديدة للمنهج الشيوعي.

ـــ تحالف الحكومة الجديدة في اثيوبيا مع الاتحاد السوفيتي، وتحالف السادات مع الولايات المتحدة.

ـــ قيام الحرب الصومالية الأثيوبية، التي دعم النظام المصري فيه الصومال.

ـــ قيام حلف ضم أديس أبابا وعدن وطرابلس.

ـــ غزو الجبهة الوطنية للسودان بدعم من ليبيا.

ــ الرفض الأثيوبي الواضح لقيام ترعة السلام، التي كانت مصر تريد من خلالها توصيل مياه النيل إلى اسرائيل.

تغير الموقف المصري تجاه القضية الإرترية مرة أخرى، وذلك بعد المقاطعة العربية لمصر نتيجة لاتفاقية كامب ديفيد، ووفاة الرئيس أنور السادات، وانتهجت الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس السابق محمد حسني مبارك، سياسة عدم التدخل في الشئون الاثيوبية، واحترام قرارها السياسي، كما أعلنت مصر عن تأييدها لمقترح الحكم الذاتي في إطار الاتحاد الفيدرالي مع اثيوبيا، باعتبارأن اثيوبيا الموحدة أحد عوامل الأمن والاستقرار في المنطقة (النيل والبحر)، وهدفت مصر من ذلك الاتجاه إلى تعزيز علاقتها مع الدول الأفريقية، والحفاظ على علاقاتها مع أثيوبيا التي تسيطر على 80% من منابع النيل، الذي يعتبر شريان الحياة بالنسبة لمصر.(6)

وكمحاولة من الجانب المصري لإقامة علاقات جيدة مع إثيوبيا، امتنعت مصر عن تقديم الدعم للفصائل الإرترية، وقدمت رؤيتها لحل القضية الإرترية عن طريق المفاوضات والحوار، داخل الأراضي الاثيوبية، وظهر هذا الموقف عندما ناشدت مصر كل من الحكومة الاثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير إرتريا للجوء إلى الحوار والتفاوض، بعد أن استعادت الجبهة الثورية ميناء مصوع في فبراير 1990م، حيث لم تدرك الحكومة المصرية حتى ذلك الوقت القوة الحقيقية للجبهة الشعبية في ميادين القتال ولا بُعدها الشعبي والقومي.

علاقة مصر بإرتريا بعد الاستقلال:

ظلت السياسة المصرية متحفظة تجاه إرتريا حتى بعد وصول الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا إلى أسمرا، فقد صرح بطرس غالي وزير الخارجية المصري في ذلك الوقت، وبعد أسبوع من تشكيل الحكومة الإرترية المؤقتة في إرتريا، بأن أمل مصر في أن تسعى كل الأطراف للحفاظ على وحدة الكيان الاثيوبي من مخاطر الانقسام والتشرذم.توترت العلاقات المصرية الإرترية، وذلك عندما قام الرئيس أسياس أفورقي باتهام الحكومة المصرية بعد أربعة أشهر من الاستقلال بمحاولة إثارة القلاقل للإدارة الجديدة، كما رفض الرئيس أفورقي استقبال بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت، عندما زار إرتريا للتشاور حول الاستفتاء، ولكن لم يستمر هذا التوتر طويلا، لأن الواقع الإقليمي والدولي فرض على مصر تغيير سياستها تجاه إرتريا، ومحاولة التقرب إليها بعد أن أدركت الخطر الذي يمكن أن تمثله إرتريا على أمنها القومي، نسبة للعلاقات المتميزة التي تربطها بإسرائيل والسودان، حيث مثل السودان احد مصادر الدعم لإريتريا، ولذلك خافت مصر من تطويقها من قبل السودان وإرتريا في المنطقة، وسارعت القاهرة لتصحيح مواقفها من إرتريا، الأمر الذي جعلها تدفع وتساهم في تكاليف اجراءات الاستفتاء داخل إرتريا، كرد فعل لما قامت به الحكومة السودانية من إجراء الاستفتاء داخل السودان على نفقتها الخاصة.(7)

وكنوع من ابراز الدعم المصري للنظام الإرتيري قام الرئيس المصري محمد حسني مبارك بزيارة لارتريا مع وفد رفيع المستوى في اليوم الثاني لإعلان الاستقلال، وذلك بغرض المشاركة في الاحتفالات التي أقيمت على شرف المناسبة.وقد أصبحت العلاقات الإرترية المصرية من العلاقات المتميزة بالرغم من حدوث بعض التوترات نتيجة لاحتجاز السلطات الإرترية لسفن صيد مصرية كانت قد دخلت المياه الإقليمية الإرترية، إلا أن هذه الأحداث لم تؤثر كثيراً في علاقة البلدين، فقد تم توقيع عدد من الاتفاقيات بين الحكومتين المصرية والإرترية، مثل اتفاق التبادل الثقافي، والتعاون في مجالات الزراعة والثروة السمكية، وبناء السدود على الخيران، وتدريب الكوادر والتعاون في المجال الأمني والعسكري، حيث قامت مصر بإرسال خبراء عسكريين لتدريب المجندين الإرتريين في معسكرات (ماوا) الإرترية بالتعاون مع خبراء اسرائيليين.وقد تطورت العلاقات المصرية الإرترية ومضت في تحسن مستمر، وذلك من خلال استخدام مصر لورقتين فعالتين في علاقتها مع أسمرا، وهما:

ــ عدم الضغط على أسمرا للانضمام لجامعة الدول العربية.

ـــ عدم محاسبتها على علاقتها مع اسرائيل.(8)

قدمت مصر الكثير من الدعم لإرتريا منذ استقلالها عام 1993م، ولكن قل هذا الدعم في الفترة من 1993 حتى 1997م، وذلك بسبب التحالف الإثيوبي الارتري، وتجدد الدعم المصري بعد قيام الحرب الإثيوبية الارترية 1998 ــ 2000م، بغرض قطع الطريق أمام إثيوبيا الهادفة للسيطرة على ارتريا، وكذلك قامت مصر بدعم حركات التمرد في إثيوبيا الأمر الذي جعل الرئيس ميلس زيناوي يشن هجوماً عنيفاً على مصر، حيث صرح لوكالة (رويترز) بأن مصر لن تكسب حرباً مع إثيوبيا على المياه، ولذلك تقوم بدعم حركات التمرد بغرض زعزعة الاستقرار في إثيوبيا. (9)

مصر ونهر النيل:

مصر هبة النيل كما قال المؤرخ هيرودوت، لذلك لأن النيل يمثل شريان الحياة لها، وهي في نفس الوقت دولة مصب وممر، وهي تتعرض لكثير من المضايقات وعدم الرضا من دول المنبع.

والصراع حول النيل قديم، وتحديداً بين إثيوبيا ومصر، وعندما نشب الصراع بين المماليك في مصر والبرتغاليين والأحباش في البحر الأحمر، ما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ولتحويل وجهة الصراع تم الاتفاق على خلق تعاون بين البرتغال والأحباش من خلال مشروع (أفو نسودي) ألبوكريك، والذي يهدف إلى تحويل مجرى النيل ليصب في البحر الأحمر بدلا عن البحر المتوسط، وذلك بهدف خنق مصر ومنع وصول المياه إليها. (10)

رغم صعوبة تنفيذ هذا المشروع في تلك الفترة، إلا أننا نجد أن إثيوبيا وبمساعدات خارجية سعت إلى استخدام مياه النيل كورقة ضغط ضد نظام الحكم القائم في مصر على مر العصور، وذلك لعلمها التام بمدى أهمية المياه بالنسبة للمصريين.

وبنفس القدر حرصت مصر على خلق علاقات جيدة مع إثيوبيا، ولكن رغمحرصها على هذه العلاقات، نجد أن إثيوبيا وعلى الدوام تؤكد بأن النيل الأزرق يعد من أخطر الأوراق التي تمسك بها في علاقتها مع مصر والسودان. (11)

تحول الصراع بين إثيوبيا ومصر إلى صراع مباشر حول مياه النيل في فترة الخمسينات من القرن الماضي، وذلك بعد اتجاه إثيوبيا ناحية الولايات المتحدة الأمريكية، ومصر ناحية الاتحاد السوفيتي، بغرض تمويل السد العالي، وفي الفترة من 1958 ــ 1963م، قامت الولايات المتحدة بدراسة الهضبة الإثيوبية، ثم قامت بوضع هذه الدراسات تحت تصرف إسرائيل التي قدمت العديد من المقترحات التي تهدف إلى بناء عدد من الخزانات والسدود على النيل الأزرق، كما قامت إثيوبيا بالاعتراض على اتفاقية مياه النيل الموقعة بين السودان ومصر في عام 1959م، ورأت أن الاتفاق يجب أن يكون بين الدول الثلاث السودان ومصر وإثيوبيا. (12)

استمر التوتر بين إثيوبيا ومصر في فترة الحرب الباردة، وقامت مصر بمساعدة الثورة الارترية، وزيادة في الضغط على إثيوبيا قامت مصر بتشجيع فكرة قيام الصومال الكبير، التي نادى بها الرئيس الصومالي محمد سياد بري، ولتشديد الضغط قامت مصر أيضاً بتشجيع مسلمي إثيوبيا على الثورة بغرض إضعاف نظام الحكم في إثيوبيا ومنعه من استخدام مياه النيل كورقة ضغط.بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، أعلن الرئيس المصري انور السادات في ذلك الوقت نيته بتحويل مياه النيل إلى القدس، الأمر الذي أغضب إثيوبيا، التي تقدمت باحتجاج لمنظمة الوحدة الإفريقية، وتأكيداً للاحتجاج أعلنت أنها سوف تقوم ببناء عدد من السدود للاستفادة من مياه النيل الأزرق، الأمر الذي جعل الرئيس السادات يهدد بتنفيذ ضربات جوية ضد إثيوبيا إذا أعاقت مجرى النيل الأزرق.

ولكي تحافظ مصر على دورها الرائد بين دول الحوض، قدمت مبادرة في عام 1983م لدول حوض النيل، لتكوين منظمة (الإندوجو) التي تعني الإخاء، وتقوم على التعاون الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي بين دول الحوض، ولم تنجح هذه الفكرة لعدم انضمام إثيوبيا إليها، ويلاحظ أن مصر هي صاحبة أكبر نصيب من المبادرات، وذلك بغرض توحيد دول الحوض. وهناك مبادرة لمؤتمر دول حوض النيل عام 2002م، وهيئة تكونيل، التي تهدف إلى خلق تعاون فني بين دول الحوض وحماية البيئة الطبيعية، ورغم تقديم مصر لذلك الكم الكبير من المبادرات إلا أنها لم تحقق الفائدة المرجوة، والسبب في ذلك عدم وجود اتفاق شامل حول مياه النيل. (13)

لقد تحسنت العلاقات المصرية الإثيوبية في فترة الرئيس السابق حسني مبارك، وتم توقيع الكثير من الاتفاقيات الثنائية بغرض تنمية موارد النيل، وتعزيز الموارد الاقتصادية والسياسية، وقد وصل الاتفاق بين الجانبين إلى التعهد بعدم الدخول في أي مشروع يهدد مصالح الطرفين. كما تم التأكيد على التشاور في المشروعات التي تعود بالفائدة على الشعبين. رغم كل هذه الاتفاقيات نجد أن إثيوبيا وبمساعدات خارجية من إسرائيل والولايات المتحدة اتجهت إلى القيام بمشاريع على النيل الأزرق.

إسرائيل والاطماع فى مياه النيل:

ركزت إسرائيل على الدخول إلى حوض النيل بغرض تأمين الحصول على نصيب من مياه النيل، ومحاصرة الأمن القومي العربي، أو السوداني المصري، وفق إستراتيجية عرفت بشد الأطراف، التي تعتمد على إضافة علاقات وتحالفات مع الدول المعادية للأمة العربية والإسلامية في المنطقة. (14)

والوجود الإسرائيلي قديم في مناطق حوض النيل، وبصورة مباشرة في حوض النيل الشرقي (إثيوبيا وارتريا)، والنشاط الإسرائيلي يهدد بصورة مباشرة كل من مصر والسودان، وقد أصبح التعاون الإثيوبي الإسرائيلي واضحاً للعيان من خلال تصريح وزير الري الإثيوبي شفراو جادسو في ختام الاجتماع الوزاري التاسع لوزراء الري والمياه للدول العشر المنعقد في القاهرة 12يناير 2002م، بأن إثيوبيا وإسرائيل بينهم تعاون في مشاريع حوض النيل. (15)

يفهم من هذا الاعتراف أن إثيوبيا تؤكد لمصر وجميع دول الحوض أن إسرائيل تمثل الشريك الرئيس لإثيوبيا، ويكون ذلك مهدد مباشر لمصر والسودان، لذا يجب على الدولتين أن تعملا على إقامة مشاريع حقيقية في كل من إثيوبيا وارتريا.

ولتأكيد دور إسرائيل في إثيوبيا قالت الأخيرة أنها سوف تعمل على إنشاء عدد من المشاريع التي ترتبط بالري لحساب البنك الدولي في إثيوبيا، وقد وصل عدد المشاريع التي تهدف إثيوبيا إلى إقامتها مع إسرائيل إلى أربعين مشروعاً على النيل الأزرق، الأمر الذي يهدد وبصورة مباشرة المصالح المصرية السودانية، وتتمثل هذه المشاريع في 36 مشروع ري، وأربعة خدمية، كما قامت إسرائيل بتنفيذ مشروع ري مساحته 5000 هكتار، واستصلاح 400,000 هكتار على الحدود السودانية، كما اقامت عدداً من الخزانات والسدود، ونجد أن إسرائيل ومن خلال هذا التعاون تهدف إلى عرقلة اتفاقية مياه النيل. (16)

المتابع لمجريات الأوضاع في منطقة شرق أفريقيا وتحديداً إثيوبيا وارتريا، يجد أن إسرائيل سعت وبصورة واضحة إلى خلق طوق حديدي حول مصر والسودان من خلال التقرب من النظام الإثيوبي ارتري مستغلة النيل لإحكام هذه الطوق.

كل المؤشرات تدل على أن الحرب القادمة في منطقة حوض النيل، سوف تكون المياه هي السبب الرئيس فيها، ومما يعزز هذا الاعتقاد الوجود الإسرائيلي في المنطقة، ثم حالة الاستقطاب التي تتم لدول الحوض من قبل إسرائيل وأمريكا، وقد تم الترويج لحرب المياه المقبلة في وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية، ويعزز هذه الفرضية الخلاف الواقع بين دول حوض النيل، أو دول المنبع والمصب عقب اجتماع الإسكندرية وشرم الشيخ، حيث أن خمس دول من دول الحوض قامت بعد هذا الاجتماع بتوقيع اتفاقية إطارية في 14 مايو 2010م، في عنتبي، دون السودان ومصر، مما ساعد على حدة التوتر في حوض النيل، ومن الممكن حل هذا الخلاف بين دول الحوض من خلال ترسيخ مبدأ التعاون بين الدول الأعضاء، مع التأكيد على عدم الإضرار بمصالح أي دولة من الدول المشتركة في الحوض ولذلك يجب على مصر بالتعاون مع السودان إحداث حالة اختراق لهذا الملف الحساس لحفظ مصالح البلدين. (17)

(الجزء الثاني)

التعليقات (0)