مصر و إرتريا التوازن الاستراتيجي بين النهر والبحر (2)

مصر و إرتريا

التوازن الاستراتيجي بين النهر والبحر

(الجزء الثاني)

مصر وأمن البحر الأحمر:

يعد البحر الأحمر واحد من البحار المهمة والاستراتيجية في العالم، وتنبع هذه الأهمية من كونه الطريق الوحيد في العالم الذي يسهل بصورة كبيرة الوصول للبحر المتوسط والمحيط الأطلسى والمحيط الهندي. (18)

يمثل البحر الأحمر أهمية إستراتيجية لجمهورية مصر العربية، وذلك منذ القدم، لأنه يمثل واحدة من أدوات ربط مصر بالعالم الخارجي، اول من فكر في ربط البحر الأحمر بالنيل هو الملك مينا في العام 5000ق.م مما يوضح أهمية النهر والبحر بالنسبة لمصر القديمة. وتمتلك مصر ثاني أطول ساحل على البحر الأحمر، وهي كذلك ثاني دول من حيث عدد الجزر، ويبلغ طول الساحل المصري 898 ميل، أما عدد الجزر المصرية 26 جزيرة من أهمها شدوان وصنافير وتيران. (19)

في العام 1862م، أصبح البحر الأحمر امتداداً طبيعيا لقناة السويس الشريان الحيوي لمصر، وزادت أهمية البحر الأحمر بعد اكتشاف النفط في منطقة الخليج العربي، وبعد الحرب العربية الإسرائيلي عام 1973م، اجتذبت المنطقة اهتمام العالم بسبب الأهمية السياسية والإستراتيجية والعسكرية والاقتصادية. (19)

وكذلك بعد حرب عام 1973م، أصبح البحر الأحمر قضية أمن إستراتيجية ومحل صراع بين الدول المطلة عليه، كما دخلت إسرائيل كجزء من الصراع في البحر الأحمر، وكذلك إثيوبيا قبل أن تخرج من هذا الصراع بانفصال ارتريا، ويعتبر البحر الأحمر أكثر الممرات المائية التي شهدت صراعاً بين الأمم منذ القدم، وشهدت الملاحة فيه تطورا ملحوظا منذ أيام الفراعنة، والإغريق، العرب، والرومان، والأحباش، والبيزنطيين والدويلات الحديثة. (20)

دخل البحر الأحمر في دائرة الصراع العربي الإسرائيلي في عام 1973م، حيث هاجمت الجيوش العربية المصرية والسورية إسرائيل، وفي الأول من أكتوبر 1973م، قامت مصر بإغلاق باب المندب مع دولة اليمن الشمالي والجنوبي في وجه إسرائيل، وبذلك يكون البحر الأحمر أصبح واحدة من أدوات الصراع في المنطقة، ومن يسيطر عليه يستطيع أن يكسب الحرب.

في الفترة من 27 ــ 28 فبراير من عام 1977م، اجتمع في الخرطوم كل من الرئيس المصري أنور السادات، والرئيس السوداني جعفر محمد نميري، والرئيس السوري السابق حافظ الأسد وبمساندة من السعودية بغرض مناقشة أمن البحر ألأحمر، ووضع إستراتيجية عربية مشتركة للمنطقة، وفي نفس الوقت كان النشاط الإسرائيلي في السواحل الارترية والإثيوبية قد أثار قلقاً عربياً بشأن أمن البحر الأحمر والوجود الإسرائيلي.وفي ختام الاجتماع الثلاثي، أكد الرؤساء على اهتمامهم بأمن البحر الأحمر، وجعله بحيرة عربية، و منطقة سلام، والعمل على إبعاده عن الصراع الدولي مع وضع إستراتيجية عربية خاصة بالبحر الأحمر، كما تم التأكيد على فتح البحر الأحمر للملاحة والسعي إلى إبعاد إسرائيل عن الساحل الارتري، وكذلك إبعاد إثيوبيا الموالية في ذلك الوقت للاتحاد السوفيتي. (21)

نرى أن هذا الاجتماع قد عمل على تأكيد العزم العربي على جعل البحر الأحمر بحيرة عربية، والإبقاء عليه بعيداً عن الأيادي الإثيوبية والإسرائيلية، الأمر الذي يوضح مدى أهمية البحر الأحمر بالنسبة للقيادة في البلدان الثلاثة، وكذلك أهميته لجميع الدول المطلة عليه.

استشعرت إسرائيل أهمية وجودها في البحر الأحمر من خلال إرتريا وأثيوبيا، الأمر الذي يؤمن لها مصالحها الإستراتيجية والتجارية، وذلك من خلال مراقبة السفن العابرة للبحر الأحمر، والإشراف المباشر على الجزر التي تجاور إثيوبيا وارتريا، وبذلك تكون إسرائيل قريبة من منابع النيل الأزرق، وهي تسعى بصورة كبيرة إلى توقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية مع كل من إثيوبيا وارتريا، الحلفاء الاستراتيجيين في المنطقة، بالإضافة إلى يوغندا، الأمر الذي يمكنها من تهديد وضرب الأهداف الإستراتيجية في كل من مصر والسودان. (22)

علاقة ارتريا بإسرائيل:

هدفت إسرائيل إلى خلق علاقات جيدة مع ارتريا، وبنفس القدر كان السعي الارتري لتوطيد العلاقة مع إسرائيل، حيث تعتبر إسرائيل معبراً للحصول على المساعدات من الدول الأوربية، وقد حاولت ارتريا الحصول على المساعدات من إسرائيل والدول الأوربية، من خلال الجماعات اليهودية الموجودة في بعض الدول الأوربية. ولكي تستثمر إسرائيل داخل الأراضي الإرترية، عملت على:

ـــ مقاومة أي توجه ارتري نحو الهوية العربية، رغم أن أكثر من 60 % من السكان يتحدثون العربية.

ـــ استمرار الوجود الإسرائيلي في الجزر الارترية الموجودة في البحر الأحمر، وهو ما تبحث عنه إسرائيل لتدعيم موقعها العسكري.

ـــ خلق علاقات جيدة مع إرتريا لتصبح بديلا عن علاقتها مع الدول العربية.

ـــ قطع الطريق أمام الدول العربية الساعية إلى إرجاع ارتريا إلى محيطها العربي، خاصة مصر والسودان، وبعض الدول العربية. (23)

اتفقت إسرائيل وارتريا على وضع إستراتيجية موحدة في البحر الأحمر، تتضمن هذه الاتفاقية:

ـــ تقديم الدعم العسكري من جانب إسرائيل للجيش الارتري ليصبح قوة في المنطقة، وليصبح مُهدِداً لدول الجوار.

ـــ تكوين فريق عمل دفاعي يعمل على حصر احتياجات الجيش الارتري، وسد هذه الاحتياجات.

ـــ مساعدة ارتريا على السيطرة على الجزر الإستراتيجية في البحر الأحمر، وذلك من خلال تزويدها بالمعدات البحرية المقاتلة.

استفادت إسرائيل من علاقتها مع إرتريا في استثمار موقعها، الأمر الذي أعطاها مرونة التحرك وتأمين التحرك التجاري والاقتصادي والعمل على إغلاق باب المندب عند الضرورة، مراقبة الملاحة في البحر الأحمر من باب المندب إلى ميناء إيلات.

كما استفادت من البحر الأحمر في إنشاء قواعد عسكرية بحرية وإستخباراتية والسيطرة على البحر الأحمر، وضرب الأهداف العسكرية التي ترى إسرائيل أنها تمثل لها تهديداً مباشرا أو غير مباشر. (24)

الخاتمة:

من الواضح أن إسرائيل قد سعت إلى السيطرة على نهر النيل بصورة واضحة، كما أنها سيطرت على ثلاث من دول حوض النيل الشرقي (إثيوبيا وارتريا)، ومؤخرا جنوب السودان، وبذلك تكون قد تمكنت من وضع أقدامها في النيل الأزرق عبر إثيوبيا، والبحر الأحمر عبر ارتريا، مستفيدة من حالة الانقسام الداخلي في السودان، وعدم التركيز في مصر، كذلك عدم التضامن العربي، كما استطاعت إسرائيل أن تحجم الدور السوداني المصري الرامي إلى إرجاع ارتريا إلى المحيط العربي.

ولكي تستفيد مصر من دورها المهم والاستراتيجي في البحر الأحمر وحوض النيل الشرقي، عليها أن تعمل في تنسيق تام مع جمهورية السودان، وذلك لأن مصر تعتبر العنصر الأساسي في إطار العلاقات العربية الإفريقية.

وهي تمتلك خبرات واسعة في مجالات متعددة منها السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية، ولمصلحة الشعبين المصري والسوداني، يجب أن تعمل مصر على الدفاع عن السودان، وإبعاده عن خطر التقسيم، لأن ذلك يصب في مصلحة البلدين أولاً، ومنطقة حوض النيل، وأفريقيا.

كما يجب على مصر أن تنسق مع السودان في موضوع المياه خاصة بعد توقيع اتفاقية عنتبي الإطارية 2010م، والعمل على وضع خطة مشتركة تهدف إلى تحقيق الأمن في البحر الأحمر، ووضع خطة طويلة المدى لتعزيز العلاقات المصرية مع ارترية أولاً، ثم دول حوض النيل ثم أفريقيا بغرض حماية المصالح المصرية السودانية.

التوصيات:

- يجب على مصر أن تستفيد من إمكانياتها العسكرية والإدارية في تأمين البحر الأحمر، بالتعاون مع دول الجوار.

- أن تعمل مصر على إقامة مشاريع تنموية ذات عائد سريع وفعال في دول حوض النيل عموما، وحوض النيل الشرقي على وجه الخصوص.

- السعي لخلق تكامل اقتصادي، أو تكتل اقتصادي بين دول حوض النيل الشرقي (إثيوبيا، ارتريا، السودان، جنوب السودان، مصر).

- فتح فرص التدريب والدراسة لأبناء دول حوض النيل في مصر، بالإضافة إلى فتح فروع للجامعات المصرية في دول حوض النيل.

- أن تولي مصر اهتماما خاصاً بأفريقيا، حتى تعود مصر لريادتها الأفريقية في المنطقة.

- ضرورة أن تعمل مصر على حل النزاع الإثيوبي الإرتري بصورة تحفظ لمصر توازن علاقاتها مع الدولتين.

(الجزء الأول)


المصادر والمراجع:

  1. عبد الله عبد المحسن السلطان، البحر الأحمر والصراع العربي الإسرائيلي ــ التنافس بين إستراتيجيتين، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة أطروحات الدكتوراه، بيروت، أغسطس 1984م، ص 25.
  2. عبد الله إبراهيم أحمد الصافي، مياه النيل وانعكاساتها على دول الحوض، بالتركيز على مصر والسودان وإثيوبيا، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير، جامعة الزعيم الأزهري، 2003م، ص 71.
  3. بهجة بشير آدم، أثر قيام دولة إرتريا على استقرار منطقة القرن الأفريقي، بحث غير منشور لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، جامعة الزعيم الأزهري، 2007م، ص 216.
  4. منى أحمد إبراهيم دياب، السياسة الارترية في البحر الأحمر، رسالة ماجستير منشورة، جامعة الزعيم الأزهري، 2007م، ص 104.
  5. المرجع نفسه، ص 105.
  6. المرجع نفسه، ص 105-106.
  7. المرجع نفسه، ص 106.
  8. المرجع نفسه، ص 107.
  9. الزمزمي بشير عبد المحمود، ثورة 25 يناير في مصر وأثرها على منطقة القرن الأفريقي والسودان، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 2011م، ص 45.
  10. جمال زكريا قاسم، الأصول التاريخية للعلاقات العربية الإفريقية، دار الفكر العربي ، القاهرة، 1996م، ص 125.
  11. عبد الله إبراهيم أحمد الصافي، مرجع سابق، ص 71.
  12. المرجع نفسه، ص 72.
  13. المرجع نفسه، ص 73.
  14. الوجود الإسرائيلي في دول الجوار السوداني، المنتدى الراصد، العدد الحادي والعشرون، أوراق توثيقية، مركز الراصد للدراسات، السنة الخامسة، 2011م، ص 66.
  15. المرجع نفسه، ص 66-67.
  16. عصام فتح الرحمن أحمد، أعمال مؤتمر علاقات السودان بدول الجوار، رؤية مستقبلية، مركز البحوث والدراسات الأفريقية، ومركز البحوث والدراسات السودانية، 2011م، ص 298.
  17. عبد الله عبد المحسن السلطان، مرجع سابق، ص 34.
  18. عادل محمود عبد الفتاح، الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر، بحث تكميلي لنيل درجة الدبلوم في الدراسات الإستراتيجية، جامعة الزعيم الأزهري، 2002م، ص 14.
  19. عبد الله عبد المحسن السلطان، مرجع سابق، ص 47.
  20. المرجع نفسه، ص 186.
  21. المرجع نفسه، ص 187 – 188.
  22. بهجة بشير آدم، مرجع سابق، ص 22.
  23. جمال الدين رستم، إسرائيل والبحر الأحمر، الراصد، سلسلة المعابر، 2012م، ص 29.
  24. الوجود الإسرائيلي في دول الجوار، مرجع سابق، ص 69 – 70.

 

التعليقات (0)