نماذج لنشأة وتطور المدينة السودانية (3)

نماذج لنشأة وتطور المدينة السودانية

(دراسة تاريخية)

(3)

سكان المدينة:

تكون سكان الخرطوم من خليط من الأجناس ابرزها الجاليات الشرقية والمغاربية والسودانيين، وهم سكان المناطق القريبة من الخرطوم، وبمرور الوقت وفدت إليها مجموعات الشايقية والجعليين والدناقلة، أسهمت هذه المجموعات السكانية في تطور مدينة الخرطوم، كما قامت بها عدد من السفارات والقنصليات والتي منها السفارة النمساوية والفرنسية والبريطانية وغيرها، واستمرت على هذا التوهج حتى تحريرها على يد قوات المهدية في العام ( 1885م)  ([1]).

مدن المهدية:

مدينة ام درمان:

تقع مدينة ام درمان على الضفة الغربية للنيل الأبيض وتمتد بمحاذاة نهر النيل، ارتبطت مدينة ام درمان من الناحية التاريخية بالثورة والدولة المهدية، حيث قام المهدي باختيار ام درمان كعاصمة لدولته الوليدة بدلا عن الخرطوم التي كانت عاصمة للحكم التركي في السودان والتي اسسها عثمان بك جركس (1824م) بعد ان نقل اليها العاصمة من ودمدني وفي فترة الحكم الثنائي اعتبرت مدينة ام درمان العاصمة الوطنية للسودان والخرطوم العاصمة السياسية اما مدينة الخرطوم بحري هي العاصمة الصناعية، وأم درمان ذات طابع افريقي وذلك من خلال القسمات الافريقية التي تكسو المدينة وتعرضها للهجرات المتواصلة من غرب السودان والغرب الافريقي وشهدت المدينة اكبر الهجرات في عهد الدولة المهدية حيث قام الخليفة عبد الله بتهجير ابناء غرب السودان الى ام درمان بغرض خلق توازن في ميزان القوى في عاصمته بين قبائل الغرب والقبائل الاخرى بعد صراعه مع الاشراف، وتعتبر ام درمان ايضا اكبر مركز لقوات الدولة المهدية. هنالك راي يقول بان اسم ام درمان اسم لحلة صغيرة تقع غرب النيل قبالة (مقرن النيلين) وكان بها بعض التجار من غرب السودان في فترة الحكم التركي الذين يعبرون منها الى مدينة الخرطوم وهي بذلك تكون ام درمان بمثابة محطة للتجار العابرين نحو الخرطوم وبذلك اصبح اسم ام درمان اسما معروفا وسط التجار القادمين من الغرب نحو الخرطوم بغرض التجارة ([2]).

ويرجح ان اسم ام درمان موجود منذ عهد دولة الفونج الأمر الذي يدل على ان هذا الاسم معروفا ايام المهدية، ولكن ازدهار المدنية وتوسعها ارتبط بالدولة المهدية وهنالك راي يقول بان اسم ام درمان يرجع الى امرأة من الفونج او ابنة احد ملوك الفونج كانت تسكن منطقة ام درمان الحالية، وكان لها ولد يسمى (درمان) وكان لها منزل من الحمير يحيط به سور ضخم وكان الناس ينادونها بـ (أم درمان) فأصبحت كلمة ام درمان او اسم ام درمان يطلق على المنطقة التي تعرف بأم درمان اليوم، ويقال بان آثار منزلها كانت موجودة الى وقت قريب بحي ببيت المال في ام درمان عندما فكر المهدي في غزو الخرطوم تحرك بقواته نحو ام درمان وعسكر في منطقة (ابو سعد) حيث اطلق على معسكره اسم (البقعة). واسم البقعة اطلقه المهدي على المناطق التي كان يعسكر فيها كناية عن التبرك وبعد ان حرد المهدي الخرطوم اتخذ من ام درمان عاصمة لدولته، واصبحت ملامح المدينة تظهر وهاجرت اليها القبائل بسبب حبها للمهدي والالتحاق به او بأمر الخليفة عبد الله وخوفا منه ([3]).

بعد الوفاة المهدي دفن بحجرته والتي اصبحت بعد ذلك قبة بداخلها رفاة المهدي، واستقر الناس حول القبة وشيدوا منازلهم من المواد المتحركة مثل القش والجلود والأغصان، وتحولت المدينة من معسكر صغير للجيش يقع شمال ابو سعد الى مدينة ذات ملامح وخصائص واطلق انصار المهدي على ام درمان اسماء (امان الخالف) و (الدر المأمون) ووردت العديد من الاسماء لأم درمان في رسائل وخطابات المهدي والخليفة منها: مدينة الأمان ومركز الرشاد و دار الفلاح ومدينة المهدي. بعد ان تولى الخليفة عبد الله السلطة عمل على اظهار الوجه الحقيقي للمدينة، حيث قام بتغيير الطابع المعماري واستمر في توسيع المدينة وظهرت مباني الطوب الأحمر التي حلت محل مباني القش والجلود عام (1885م). بنى الخليفة عبد الله بيت المال والسجن المعروف بالساير (سجن النساء في ام درمان) وبنى الطابق الأرضي من منزله بمواد ثابتة احضرها من الخرطوم، وتوسعت ام درمان حيث بلغت مساحتها 6 أميال طولا وعرضا ميلين وامتدادها الشمالي والجنوبي ما بين طابية ام درمان والنيل قبالة شمبات، واستقر معظم السكان حول الشريط النيلي واسست الاحياء القديمة لم درمان على الشريط الموازي للنيل مثل ابوروف  والملازمين وبيت المال وحي ابو روف يرجع الى زعيم قبيلة رفاعة المرضي ابو روف الذي كانت تقطن قبيلته في هذه المنطقة، اما حي الملازمين فهو الحي الذي كانت تعسكر فيه قوات الملازمية (ويعرف بقوات الملازمية الجديدة والقديمة) وحي بيت المال هو الحي الذي شيد فيه بيت مال الدولة المهدية ([4]).

كان تعداد سكان ام درمان قليلا قبل عام (1889م) اي قبل هجرة قبائل غرب السودان الى ام درمان ومع ازديد الهجرة الى ام درمان سعى الخليفة الى تخطيطها وتنظيمها، واصبحت قبة المهدي من اهم ملامح المدينة واصبحت توصف بها المدينة خاصة وانها تقع في قلب المدينة.

في الاتجاه الغربي من القبة يقع سوق ام درمان في مؤخرة الاحياء، وكانت تنصب فيه المشانق في عهد الخليفة عبد الله وذلك لأن فيه اكبر تجمع من الناس، وكان يشنق في هذه المشانق كل من يخالف الخليفة عبد الله في الرأي. شيدت المصالح الهامة والتي تمثلت في بيت المال وبيت الامانة والسجن في حي البقعة وتقع الطابية في الطرف الجنوبي لأم درمان وشيدت هذه الطابية بواسطة الجنرال غردون باشا بغرض تحصين المدينة من هجوم المهدي، وبعد ان سيطر المهدي على الخرطوم وقامت الدولة المهدية تم تحويل الطابية الى معسكر لقوات الجهادية، واطلقوا عليها اسم (الكاره).هنالك راي يقول بان مدينة ام درمان قامت في ظروف حرب وعلى عجل دون تخطيط والمنازل التي قامت في البداية كانت من الرواكيب والشوارع كانت ضيقة، وفي شكل فوضوي الأمر الذي شجع الخليفة عبد الله على تخطيط المدينة وتوسعة شوارعها، ولكن ذلك الأمر لم ينجح في الأحياء القديمة مثل ابو روف وحي مكي و ود ارو حيث قامت هذه الأحياء دون تخطيط ([5]).

الأحياء التي بالقرب من سوق ام درمان:

هنالك العديد من الأحياء التي تقع بالقرب من سوق ام درمان من هذه الأحياء حي الشهداء ومن الأسماء التي اطلقت على حي الشهداء (حي السوق) وحي اهل سوق ام درمان ، ويقع حي الشهداء في الناحية الشمالية الشرقية لسوق ام درمان ويرجع اصل تسمية حي الشهداء الى ايام معركة كرري وشهداء معركة ابو طليح حيث دفنوا في مقابر داخل حي الشهداء.

وهنالك حي اليهود الذي يطلق عليه البعض حي (برمبل) وحي قديس وكان هذا الحي يضم اليهود الذين هاجروا الى السودان منذ فترات بعيدة يقع هذا الحي في الجهة الجنوبية الشرقية للسوق يتجه من الجنوب شارع العرضة والناحية الغربية شارع الشيخ دفع الله او شارع الارسالية ومن الشرق يحده شارع الموردة ومن الأحياء حي المسالمة. (حي المسالمة من الأحياء القديمة في ام درمان ويسمى بحي المسالمنية) يقع في الجهة الشمالية من سوق ام درمان ويحده من الجهة الشمالية حي العمدة ومن الجهة الشرقية يحده شارع كرري وحي الركابية ومن الجهة الغربية شارع الشنقيطي ([6]).

حي البوستة:

يقع هذا الحي في سوق ام درمان وارتبط بدخول الانجليز الى السودان بعد تأسيس مبنى البوستة الشهير بسوق ام درمان في عام 1900م. يقع حي البوستة في الجهة الجنوبية الغربية لسوق ام درمان ويعتبر شارع العرضة هو الحزام الجنوبي لهذا الحي.

حي العرب:

يقع حي العرب في الجهة الشمالية الغربية لسوق ام درمان ويمتد شمالا الى حي المظاهر ومن الجهة الجنوبية سوق ام درمان وشارع الشنقيطي ومن الجهة الغربية المنطقة الصناعية.

وسمي حي العرب بهذا الاسم بسبب استقرار العديد من القبائل العربية بهذا الموقع، بالإضافة الى مجموعات من الكبابيش والبقارة ويرجح بانه كان قائم منذ ايام دولة الفونج وان هنالك مجموعة من التجار وفدت الى هذه المنطقة بغرض التجارة وتبادل السلع.

واذا كان الماء هو الذي دفع مجموعات من السكان تستقر في احياء ابوروف والملازمين وبيت المال، فان حي العرب كان به العديد من الابار الجوفية مما دفع العديد من القبائل للاستقرار في هذا الحي مثل الكوارتة و الكنوز والشايقية وبعض الشوام والأقباط ([7]).

مدن الحكم الثنائي في السودان:

مدينة عطبرة:-

كانت مدينة عطبرة في العهد التركي عبارة عن قرية صغيرة تعرف بالداخلة، لكونها مدخلا للشرق بعد عبور نهر عطبرة حيث كانت قوافل الحجاج تعبر نهر عطبرة في طريقها الى بربر ومن هناك الى سواكن، ولم يظهر اسم عطبرة الا في اواخر الدولة المهدية. عندما دارت بالقرب منها معركة النخيلة بين محمود ود احمد وكتشنر، كما وصلها خط السكة الحديدي في يوليو 1898 م اي بعد ثلاثة اشهر من معركة النخيلة، وانشئ بها جسر مؤقت من الأخشاب لنقل مواد الخط المزمع توصيله للخرطوم. وبعد معركة عطبرة انشئت بها ورشة متقدمة لتجميع البوارج الحربية للجيش الغازي. ومن هنا بدأت تنمو، فقد تحولت من نقطة ادارية صغيرة الى معسكر ضخم به ستة عشر الف مقاتل ([8]).

وازدادت اهميتها بعد انتقال ورش ورئاسة السكة حديد نهائيا اليها من وادي حلفا في (1906م)، ولم تنتقل اليها ورش ورئاسة السكة حديد فحسب، بل انتقلت اليها امجاد ومدينة حلفا. ولم يكن اختيار المدينة عشوائيا، بل كان لموضع المدينة وموقعها الأثر الكبير في هذا الاختيار.

ومنذ عام 1906 م وما بعدها بدأت سمات مدينة عطبرة الحديثة تبرز بصورة اكبر اذ وقع عليها الاختيار نهائيا باعتبارها مدينة مواصلات كبرى. كما تم تحديد موضعها وتخطيطها ثم تقسيمها هندسيا الى مربعات سكنية بعد ان قامت الحكومة ببيع الاراضي للمقيمين لها من الاهالي. وبدأت تتسع وتزدحم بالسكان على ان الغالبية منهم كانوا عمالا او موظفين بالسكة الحديد، مما جعلها تحتل المركز السادس من مدن السودان الكبرى، من القبائل التي استقرت واستوطنت في هذه المدينة قبيلتي الجعليين والرباطاب. وبعد اختيارها مدينة مواصلات وفد اليها بعد ذلك قبائل المحس والدناقلة والشوايقة وغيرهم من قبائل السودان المختلفة حتى اصبحت احد كبريات مدن السودان ([9]).

الخرطوم بحري:-

ظهرت الخرطوم بحري الحديثة لعوامل مختلفة ليس بينها العامل السياسي الذي ادى الى انشاء مدينتي الخرطوم و ام درمان. وكان يطلق على المنطقة المعروفة حاليا بالخرطوم بحري وما جاورها لفظ الحلفايا. وينصرف مدلول لفظ الحلفايا الى اقليم واسع ولم يكن اسم موضع معين في هذه الجهة.

وبعد الفتح الثنائي انتهى خط السكة الحديد في اول الامر الى الخرطوم بحري، وظلت محطة السكة حديد بها حتى افتتاح كبري النيل الازرق في عام 1907 م ومد خط السكة حديد حتى الخرطوم، ونشات مدينة الخرطوم بحري خالية حول هذه المحطة. ثم وضع الانجليز فيها بعض المصالح الهامة كالمخازن والنقل الميكانيكي وبعض فرق الجيش الانجليزي. وعلى ذلك امتدت  المدينة من موضع هذه المصالح والتي كانت تقوم الى النيل الى الشمال، وبعد فترة يسيرة استوعبت المدينة الخط الذي يسير من الكبرى شمالا حتى نهاية المدينة ثم يسير الى اتجاه شمبات ([10]).

ازداد سكان الخرطوم بحري في فترة ما بين الحربين، وذلك لتشييد كبري النيل الازرق عام (1909م) فشجع سهولة الانتقال بين الخرطوم والخرطوم بحري طوائف العمل والحرفيين والموظفين الذين يعملون في الخرطوم للسكن في مدينة الخرطوم بحري، لان مساكنها ارخص من الخرطوم ولان النقل منها الى الخرطوم اسهل من ام درمان او توتي، ولذلك تزايد عدد الذين يعملون في الخرطوم ويسكنون في الخرطوم بحري. وكان من اثر ذلك ان انخفض سكان ام درمان وانخفضت الايجارات فيها واثمان الارض بينما ارتفعت الايجارات في الخرطوم بحري، وعندما انشئ كبري النيل الابيض عام (1928م) عاد السكان الى ام درمان مرة اخرى ولذلك انتعشت ايجاراتها من جديد وارتفعت اثمان اراضيها بينما خفض الضغط على الخرطوم بحري.

وفي ايام الحرب العالمية الثانية نشأت المنطقة الصناعية بجوار محطة السكة حديد، وتوسعت هذه المنطقة بدرجة محسوسة بعد الاستقلال والاهتمام بقطاع الصناعة ومحاولة تركيزها في الخرطوم بحري. فرجع الضغط السكاني اليها مع توافد العمال بكثرة للعمل في المصانع. واذا كانت مدينة الخرطوم هي العاصمة السياسية وام درمان العاصمة الوطنية ومقر ال المهدي. فان استقرار السيد علي الميرغني قد اضفى بعدا روحيا وسياسيا على الخرطوم بحري. فأصبحت مركزا هاما للطريقة الختمية وقيادتها ([11]).

بورتسودان :-

ذهب الكثير من رجال الحكم في مستهل القرن العشرين الى القول بان ميناء سواكن ما عاد يناسب السودان ولا تطوره الاقتصادي، كما برز اتجاه لخلق ميناء سوداني جديد على مرفأ طبيعي مناسب، لكي يفي باحتياجات الانقلاب الاقتصادي المرتقب في السودان وفي فجره القريب. ومن ابرز اصحاب هذا الراي واطسون وكتشنر و ونجت. ومع ذلك لم تخل سواكن من المتعاطفين معها. وظهر الانقسام في الراي واضحا، فيفضل البعض الابقاء على سواكن وتطويرها واعدادها اعدادا يلائم التطور في احجام السفن والزيادة المرتقبة في مرور التجارة. ويعترض البعض على أي عناية تبذل في تطويرها. وكان اصحاب الراي الاخير لا يعترضون لمجرد المعارضة، بل انبعثت معارضتهم من علمهم بخطورة النمو المرجاني في القناة التي تربط بين المرفأ والبحر. كما لم تخلو هذه المعارضة من بعض الاهداف السياسية المتعلقة بتطوير السودان بعيدا عن مصر ([12]).

وفي عام (1904م) كلف المستر كندي باختيار موقع سواكن وتقديم تقرير عن المبالغ اللازمة لتطوير الميناء وازالة الحواجز والشعب المرجانية، وفي تقريره اشار الى عدم صلاحية سواكن حتى لو اجريت بعض الاصلاحات. واشار الى منطقة الشيخ برغوت كبديل لسواكن، وتحمس  لقيام ميناء جديد في ذلك الموقع وتجهيزه تجهيزا حديثا واعداده اعدادا فنيا لاستيعاب حركة الملاحة ومرور التجارة الخارجية السودانية. وزار الموقع من ناحية البر والبحر واشار الى صلاحيته للمدينة المزمع انشاؤها، دون التقيد بقيد من ناحية و وفرة الماء العذب في الابار في الظهير فيما بين خط الساحل وسفوح التلال المنخفضة من ناحية اخرى. وهكذا وبإثارته لهذا الموضوع أحال كيندي سواكن للتقاعد بعد خدمة عشرة قرون كميناء وزار ونجت مرسى الشيخ (برغوث) فاقتنع بوجهة نظر كيندي. وسافر الى القاهرة واوصى بدراسة مرسى الشيخ برغوت من وجهة النظر الفنية. والح في طلبه حتى صدرت التعليمات اللازمة لتشكيل لجنة رباعية فنية للدراسة والبحث ولوضع التقرير اللازم([13]).

وصلت اللجنة للساحل السوداني في اغسطس (1904م) ولم يتفق اعضاء اللجنة لراي موحد. وعرضهم ذلك لنقد كيندي المرير، الذي صمم في خطابه للحاكم العام اكتوبر (1904م) على ضرورة النهوض بإعداد مشروع مرسى الشيخ برغوث وتحويله الى ميناء كبير للسودان. استجابت الحكومة لتوصيته وقامت على جمع كل التفصيلات الفنية اللازمة لبدء العمل في انشاء بورتسودان في فجر سنة 1905 م ([14]).

وبدأ الصراع بين المدينتين من اول يوم وضع فيه حجر اساس الميناء الجديد في موقع الشيخ برغوت موضع التنفيذ عام (1906م) وقبيل ان تتم الانشاءات الاساسية في بورتسودان وتفتح رسميا في عام (1909م). وقد بدا التجار والمشتغلون بالملاحة في توجيه جزء من اعمالهم ونشاطهم الى ميناء بورتسودان، وكانوا يرسلون من يرعى مصالحهم المتزايدة فيها مع تطور ونمو حركة الانشاء والتعمير. ويعني ذلك ان بورتسودان بدأت خصيصا بعدما تم امتداد الخط الحديدي اليها في مايو (1906م) في مشاركة سواكن مشاركة فعلية في استقبال السفن وخدمة التجارة، حتى استحوذت على نسبة كبيرة من تجارة السودان الخارجية بطريق البحر الاحمر. واستمر الصراع فترة تمتد من (1906–1922)، كانت كل التسهيلات خلالها توضع في الميناء الجديد تحت اشراف الحكومة، اما سواكن فلم تلق الا الاهمال وعدم القيام باي مجهود ايجابي، لا نها كانت تعتنق سياسة عدم الابقاء عليها من الناحية الوظيفية على الاقل. وقد كافح سكان سواكن وظهيرها المباشر كفاحا مريرا للإبقاء عليها وتشغيلها في خدمة التجارة واستقبال السفن حتى قيام الحرب العالمية الاولى عام (1914م) ([15]).

ومنح عدم توفر المياه في بورتسودان اول عهدها سواكن لتستمر في نشاطها حتى (1922م). ان تدفق الماء الى بورتسودان من اربعات هو الذي مكن الحكومة بعد ذلك من تضييق الخناق على سواكن ووصول السفن اليها. وخرج منها اصحابها وسكانها افواجا الى بورتسودان وهم كارهون تحت ضغط تلك الظروف، وبالإضافة الى هذا ادى تطور احجام السفن إلى اضمحلال سواكن نهائيا وتطور بورتسودان الذي كان في اول مرة بطيئا، لان الخطط الاقتصادية لم تكن قد وضعت في خيذ التنفيذ الا في اضيق الحدود خاصة الفترة (1906- 1924م) ([16]).

بعد ذلك اكتملت الخطط من بناء خزان سنار وتشغيله وزرع القطن بالجزيرة ومدت خطوط السكة الحديد الى معظم المناطق فحدثت طفرة في حجم التجارة الصادرة التي تمر بطريق بورتسودان الى الاسواق العالمية واصبح نصيبها اكثر من 90% بالنسبة للصادر والوارد.

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)


([1]) المرجع نفسه ، ص 45-48.

[2])) محمد ابراهيم ابوسليم ، تاريخ مدينة الخرطوم ، مرجع سابق، ص 133.

[3])) محمد سعيد القدال ، تاريخ السودان الحديث ، (1821-1956م) ، مطبعة دار مصحف أفريقيا ، 2002م، ص 460.

[4])) أم درمان مجموعة أوراق للتوثيق ، مجموعة باحثين ، جامعة أم ردامان الأهلية ،مركز محمد عمر بشير ،أم درمان ، 1999م ، ص41.

[5])) محمد ابراهيم ابوسليم ، تاريخ مدينة الخرطوم، مرجع سابق، 90.

[6])) محمد ابراهيم ابوسليم ، تاريخ مدينة الخرطوم ، ص 93.

[7]) ) حاتم الصديق محمد أحمد ، محاضرات في الدراسات السودانية ، مطبعة سايبر ، أم درمان ، 2009م،، ص 47.

[8])) حاتم الصديق محمد أحمد  ، مرجع سابق، ص 38.

[9])) المرجع نفسه، ص 39.

[10])) المرجع نفسه ، ص 39-40

[11])) حاتم الصديق محمد أحمد ، رجع سابق ، ص 41

[12])) المرجع نفسه ، ص 42.

[13])) حاتم الصديق محمد أحمد ، مرجع سابق ، ص 42-43.

[14])) المرجع نفسه ، ص44.

[15])) المرجع نفسه، ص45.

[16])) حاتم الصديق محمد أحمد ، مرجع سابق، ، ص 46.

التعليقات (0)